|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  26  / 3 / 2020                                 يونس عاشور                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الجرثومة المعدية (Coronavirus)

يونس عاشور
(موقع الناس)

ربما لم يكن متوّقعاً لأفلام السينما الأمريكية المُخِيفة في بداية سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بالتحديد أن تتحوّل من تمثيل دراماتيكي افتراضي إلى واقع حقيقي هذه المرة وبعيداً عن الخيال والتمثيل فكأنما غدت تلك الأفلام تنقل الصورة التمثيلية القديمة وتحويلها إلى مشاهد واقعية حية (Alive) فيما يخص استفحال هذا النوع الوبائي الجديد الذي أُصْطِلَح على تسميته بـالـ (COVID-19) أو كورونا (19) والذي أصبح انتشاره عالمياً في عصرنا الحالي حيث بدأ يجتاح معظم الدول ويحصد مزيداً في الأرواح البشرية وبأعداد ضخمة عبر انتقال هذه العدوى الجائحة.

لقد بدأ جذر استشراء هذا الوباء الحيواني الغريب إلى الإنسان قادماً من الصين الشرقي مروراً بقارات العالم الغربي والعربي مما تسبّبَ في خلق الخوف والهلع والفزع بين الأفراد والجماعات والدول والمجتمعات على الصعيد النفسي والفردي والمجتمعي وهذا ما بدا مؤخراً يتجلّى بكل وقائعه وحقائقه للعيان حينما تُصادف أشخاصاً فتمرّ عليهم فإنّهم يبتعدونَ عنك ويرفضونَ الاقتراب إليك، بل البعض من النّاس آثر أن يمكثَ في المنازل بعيداً عن مخاطر هذا الوباء المعدي وما قد ينجم عنه من مثالب لا تُحمد عقباها.

هذا الوباء العالمي ذكرّني بفيلم أمريكي قديم عنوانه " الجرثومة المعدية " (
The Killer Virus)
كانت قصّته تدور حول فيروس معدي ينتقل من شخص لآخر فيتحوّل من يصيبه إلى وحشٍ قاتل يفتك بالآخرين، وبدأ الخوف يعمّ في أهل تلك المدينة ممّا جعلهم ينأون بنفسهم عن بعضهم البعض، فقرروا الفرار واللجوء إلى مناطق وأماكن أكثر أمناً واطمئنانا لضمان سلامة حياتهم من هذا الداء الخطير وخشية أن يتحوّل كلّ شخص إلى وحشِ قاتل يفتك بالآخرين، لكنّ هذا الفيروس كان سريع الانتشار في انتقال العدوى إليهم وقد تمكّن منهم وأصبحوا جميعهم وحوشاً شرّيرة يقتلونَ من يروه في طريقهم، إلّا أنّ بطل هذا الفيلم وكان أمريكيا قرر أن يتصدّى لهؤلاء الوحوش فأستخدم أسلحةً نارية مُحرِقة في لإبادتهم فكان يدمّر ويحرق من يراه منهم، لكنّه في نهاية المطاف لم يسلم هو بذاته فقد أصابه هذا الفيروس وتحوّل إلى وحش قاتل وكانت معه إمراة قد لاذت بالفرار عنهُ عندّما اكتشفته انّه قد أصُيبَ بهذا الفيروس القاتل رغم أنّها كانت ملازمةً له في ذهابه وإيابه لكنها عندما رأته بهذه الحالة ابتعدت وهربت منه نحو طريقٍ آمن أوصلها في نهاية المطاف إلى ضفاف البحر وهنالك وجدت قارباً صغيراً فركبته وغادرت تلك المدينة قبل مجيء الوحوش المفترسة إليها فكُتِبَ لها النجاة في نهاية هذه القصة.

هذه الصورة ينقلها هذا الوباء الجديد اليوم إلينا بطريقة واقعية حقيقية من هذا الإنسان الذي يتبجّح بالقوّة والغِنى والجاه والتحكّم بمفاصِل الحياة فهو إذ يحاول أن يحضر الآن في كل مكان يغيب عن جميع الأمكنة، إنه الحاضر والغائب في آن، حاضر في المكان وغائب عن الأمكنة إنّ حضوره لم يعد حضوراً حقيقياً بل أصبح صورياً وشكلياً وافتراضياً، إنه الكائن الثانوي في تحقيق ورسم صورة الهروب خوفاً من هذا الداء بالاتجاه نحو الانفصال وعدم الاقتراب والاتّصال بالآخر إن لم يكن هروبه من ذاته أيضا، فالإنسان بقدر ما هو اجتماعي بدأ في الانحسار إلى انفرادي وانزوائي إلى حد الخوف والابتعاد والاحتراز خشية أن ينتقل إليه هذا الداء.

لقد خلق هذا النوع من الأوبئة هوّة بين الأنا والآخر مما تسبّب في شل معظم اقتصادات الدول التي مُنيت مؤخراً بخسائر فادحة نتيجةَ الحدود المغلقة.

صحيح أن العالم يستأثر بنفوذ وقوى لا حصر لها على صعيد المال والعلم والتقنية وامتلاكه للمختبرات ومراكز الأبحاث العلمية الكبرى إلّا أنّه هذه المرة ضلّ عاجِزاً وخاوياً أمام التصدّي لهذا النوع من الفيروس المادي الصغير والخفي فبدلاً من إعمال العقل وخلق جسور التواصل مع الآخر والاتّجاه نحو تحقيق مزيداً من العلاقات الدولية الفاعلة وتفعيل مدى الاكتشافات العلمية الناجعة لمعالجة هذا الوباء بدأ هذا الإنسان يلقي لومه على الآخرين خوفاً على مصالحه الذاتية والحياتية والاقتصاديه والسياسية..!



 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter