| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 23 / 9 / 2026 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
أخلاقيات حضارية..!
يونس عاشور *
(موقع الناس)لو أنني ارتقيتُ بتفكيري نحو منظومات القيم والأخلاق لأصبحت في منحى الالتزام التام للقيام بواجباتي ومتطلباتي الإنسانية التي هي أحد أوجه المبادئ الأساسية التي تنظّم حياة الناس على أساس السلوك الفردي والاجتماعي والذي بدورهِ يضمن تشكيل منظومة أخلاقية حضارية تجذّر مفهوم النهضة وبواعث ديمومتها واستقرارها الحياتي وذلك عندما تعنون مفهوم أخلاقيات الانسان وتجعله في أرقى المراتب والمقامات ومن ثمةَ تكريمه وتحقيق سعادته النفسية والجسدية عبر العلاقات الإيجابية كتنظيم العيش المشترك الذي ينتهي بالتعايش والاحترام المتبادل بين الأفراد والمجتمعات وبالتالي يتحقق أيضاً مفهوم العدالة الاجتماعية والإنسانية الذي يفضي الى احترام الفضاء العام المشترك وعندئذ ينتهي بنا المطاف الى إدراك معنى مفهوم الحضارة من ناحية أخلاقية، إذا الحضارة لا يبنى مفهومها على الحجر والحديد والخشب فحسب، بل يُبنى على أساس الاستشعار بالمسؤولية الذاتية والاجتماعية وتطبيق المفاهيم والنظم كالعدل والرحمة والأمانة واحترام حق الانسان فهذه المبادئ تنضوي تحت أخلاقيات وسلوكيات تصون الفرد والمجتمع من الضياع والانهيار والتفكيك في الشتات.
الأساس القيمي الذي نحتاجه هو تفعيل وإنتاج أخلاقيات حضارية من قبيل التوجيه والإرشاد وبث المفاهيم الثقافية التي تدعو الى انتهاج معنى الحياة وسر تقدمها وتآزرها وانسجامها لكي تصبح متناغمة الإيقاع عندما نقيم جسوراً توصلنا الى برّ الأمان الذي يحقق مصدر الأنس في أعماق الإنسانية التي تدعو النفس الى مغادرة منطق الجشع والطمع والغرور والكذب وغيره من الصفات الذميمة التي ربما ينتهجها البعض نتيجة لسوءِ فهمٍ أو ادراكٍ في أصل مفهوم الانسانية مما يخلق تخبّط لدى البعض في ممارسة سلوكيات سيئة تنبثق من الجهل بعدم استيعاب مفهوم الحضارة واخلاقياتها الحسية والروحية الصحيحة فإنها إنْ لم تكن مرتكزةً على مبادئ القيم والسلوك ستفقد معناها الحضوري عن الواقع المأمول والملموس وستفقد أيضاً التوزان الحقيقي بين التقدم الإنساني واحتياجات الروح البشرية لملى الفراغ الذي يشكل العطاء الأخلاقي الفاعل والناتج لضمان وبقاء الازدهار الانساني.
إن أخلاقيات الحضارة للإنسان يقتضي أن تنبثق من ركائز وأسس عملانية والالتفات اليها بعناية واعتبار وذلك من أجل تحقيق مفهوم التوازن المذكور الذي قد يغيب عن الانسان المعاصر فينشغل فقط بالجانب المادي ويهمل الجانب المعنوي الذي هو في حقيقة الأمر يعتبر من المفاهيم الرئيسية لاستمرار عملية البناء سواءً كان في الجانب المعنوي أو المادي.
إن احترام الفضاء المشترك يندرج ضمن مفهوم اخلاقيات الحضارة فالعناية بالبيئة يكفل للإنسان معرفة استخدام الموارد الطبيعية فالحد مثلاً من انتشار التلوث البيئي يساعد على قضاء تفشي الأمراض وخاصة أولئك الذي يعانون من ضيق في التنفس كالربو وغيره، فالتلوث عامل سلبي على صحة وحياة الانسان يجلب إليه المتاعب الصحية فبدلاً من استنشاق الهواء النقي يقوم باستنشاق هواء ملوّث وفاسد إذا كانت هنالك أتربه وأبخرة وغازات وغيرها فإنها حتماً ستؤثر على صحتهِ وبالتالي حدوث أمراض لا سمح الله.
من هنا فإنه يجب الانتباه الى معالجة التلوث البيئي وعدم إهماله لما يشكل من عنصر هام على مستوى تحقيق مفهوم اخلاقيات الحضارة الإنسانية.
ممارسة التهور عند قيادة السيارة قد يسبب مشكلات لا تُحمد عقباها فالسرعة المفرطة عند قيادة السيارة تنتج حوادث وعواقب ومضايقة للأخرين في الشوارع العمومية فترى البعض لا يلتزم بتعليمات المرور فتراه يتهور ويتخذ نمطاً سلبياً لقيادة السيارة، وهذا سلوك في غاية الخطورة لأنه يعرض نفسه والآخرين للخطر وينم ذلك عن عدم الوعي الحضاري والأخلاقي الذي يفترض في الانسان الواعي التحلي به ومعرفة نتائجه وعواقبه، إذن السلوك الغير حضاري هو استخدام القيادة لغرض التظاهر والتفاخر في الطرقات العامة ولأجل ممارسة سرعة مفرطة يؤديها السائق بالمناورات التي تسبب الخسائر والهلاك المادي والمعنوي للإنسان ونحن نرى كيف أنّ البعض يتعمّد في مضاعفة السرعة لأجل ملاصقة الآخرين والذين ليس لهم أي شأن في هذا المجال سوى انهم يمارسون قيادتهم بحكمة واتزان وأمان فيأتي من هو متهور بقيادته للسيارة فيسبّب الحوادث المؤسفة لهم وهذا هو عين الجهل لأن يتسبب الانسان بالآخرين بقصدٍ أو بغير قصد.
نحتاج إلى وعي أخلاقي وحضاري عند قيادة السيارة وعدم الانشغال بالأشياء الجانبية كاستخدام الهاتف المحمول أو الحديث المفرط والذي يلهي السائق عن مهمة التركيز في الشوارع العمومية مما قد يتسبب بحوادث يذهب ضحيتها الأبرياء نتيجة للتصرفات اللامسؤولة، هذا عدا أن البعض من المتهورين قد يمارسون قطع الإشارات المرورية وعدم احترام الأنظمة العامة فيقع ضحيتها العامة، وعندما يشعر الانسان انه في حالة غضب لسبب أو لآخر فلا يتوجب عليه ممارسة قيادة السيارة لأنه قد يصاب بالتوتر وشد الأعصاب والتي بالطبع تنعكس على سوء قيادته، من هنا نحتاج ايضاً الى مفهوم التجارب والخبرات في هذا الشأن.
قد يعاني الكثير من الناس في وقتنا الحاضر من سوء المعاملة الأخلاقية الحضارية من قبل القاطنين قرب منزله (الجيران) فإنه إذا لم تكن هنالك سلوكيات وأخلاقيات معتبرة بين الناس فإنه لن يتحقق مفهوم أخلاقي حضاري بين الناس وبالتالي فقدان القيم التي تفكك اطوار المجتمع وتجعله في تفكك وشتات، فمن اللازم على الإنسان مراجعة بعض السلوكيات الخاطئة مع جيرانه لكي يصحّح مفاهيمه ومستوياته المعرفية والاخلاقية.
إن المحافظة على الممتلكات العامة هي أحد أهم الجوانب الأخلاقية فمن المقتضى الانتباه ايضاً الى هذا الجانب، قد ترى البعض لا يهتم ولا يكترث فتراه مثلاً عند استخدام دورات المياه العامة يرمي الاوساخ والقاذورات فيها وكأنما ليس هناك من سيأتي بعده لاستخدام تلك المرافق الصحية فممارسة التدخين داخل هذه الصحيات ليس سلوكاً حضارياً على الاطلاق بل هو تخلف فكري يعكس مستوى حالة الفرد الثقافية ومدى قصوره المعرفي اتجاه اعتبار القضايا الاجتماعية العامة.
الانسان السوي والعاقل هو من يحافظ على البيئة العامة ويساعد على رمي القاذورات في مواقعها المخصصة لا أن يرمي القاذورات داخل المرافق الصحية لأن ذلك يضر بالأخرين عندما يأتون لاستخدامها.
يشكل التعايش السلمي بين الناس كما اسلفناه بادئ ذي بدئ أحد المرتكزات الحضارية إذ انه يعمل على نبذ الكراهية والعنف وكل اشكال العداوات، فالتعاون الاجتماعي ينبثق من مفهوم التعايش ومتى ما كان الانسان واعياً لمفاهيم السلم كانت له التأثيرات الاجتماعية مما سيساعد المجتمع على ترسيخ التعاون فيما بينه حتى وأن تشكلت ثقافاته وتوجهاته المختلفة فإن المفهوم السلمي إذا تحقق كان له التأثير البالغ على التعايش الاجتماعي ولا يلغي تنوع الثقافات بين الناس ولعل البيئة العمرانية لا تتشكل إلا من خلال التعايش الاجتماعي الراقي والتي هي عنوان للحضارة الإنسانية واخلاقياتها القيمية والتكاملية.
إن الانسان الذي يتطور من مرحلة الى مرحلة ومن طورٍ إلى طور هو ذلك الانسان الذي تتطور معه قدراته وإبداعاته وانتاجاته الثقافية والفكرية فهو يخضع لسمة المعطيات ذات القيمة الأسمى والأعلى والتي تعكس واقعه القائم على المعطيات الإيجابية فالدوافع السامية هي الرغبة الملحة في تغيير واقع الانسان وهي السمة البارزة التي تنهض بالإنسان نحو التطور والتقدم الإنساني في جميع مسارات الحياة الناهضة.
* كاتب وأكاديمي فلسفي