| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 21 / 12 / 2024 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
التعصب الديني وأثره السلبي على حياة الانسان.
يونس عاشور *
(موقع الناس)من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان وسخّر لهُ كافة الأمور الحياتية لكي ينتفع بمميزاتها وخصائصها التي تضاعف له كيفية النمو والعطاء في الحياة الدنيا فيكون بذلك بين حلقة وصل هامة تُعطي له المنافع التي تدعم توجهاته وغاياته وبين ما هو متاح له من إمكانات وقدرات هائلة ليستفيدَ منها استفادةً قصوى تمكنّه من الدفع بعجلة الحياة نحو العطاء في عمارة الأرض وإصلاح الذات على المنهاج الطبيعي الذي يكفل له خلق التعايش الذاتي على نسقٍ سوي لا تشوبه شائبه قد تعكّر صفو حياته ومسار توجهاته وطريقة أفكاره التي يجب أن ينتهجها وفق التوازن الذي يكفل له العيش الرغيد والهناء السعيد اتجاه نفسه واتجاه الآخرين، من هنا فاللازم على المرء النظر الى مفاهيم الدين على أنها منهاج يتكامل به المرء ضمن منظومة اليسر والتيسير لا على أساس مفهوم التعصّب الديني والتعسير الذي من شأنه خلق شوائب وعوائق توقف الانسان عن مسيرته الحياتية وبالتالي شل أفكاره وجعلها رهينة لأفكار ومعتقدات لا صحة لها قد تخلق في نفسه الوسواس والقلق المستديم وبالتالي لا سمح الله قد تجلب له الأمراض النفسية أيضا، وهذا ما نلاحظهُ على البعض من الناس الذين ينتهجون منهاج التعصّب الديني ويقتفون آثاره فتراهم لا يتحدثون اليك إلا بمفهوم التشدّد والتزمّت والعسر وتعقيد الأمور وعندما تتحدث معهم وتقول لهم بأن الدين يسر يقولون لك " هذا ليسَ التزام بأحكام الدين، هذا خروج عن تعاليم الدين". ويشمل ذلك العديد من المفاهيم كالتعامل مع الأجنبي وشراء اللحوم الغير محلية التي هي محل اشكال عندهم إذا كانت مستوردة من الخارج علماً بأنّ الشريعة الإسلامية السمحة قد أباحت حلية تلك اللحوم إذا كانت داخلةً ضمن إطار البلاد الإسلامية، وغير ذلك من الأمور كالتشدد في أوقات دخول الصلاة عند البعض من الناس فتراه يأتيه هاجساً من هنا وهناك حول تلكَ المفاهيم التي هي في الأصل محط يسر وليس بعسر على الانسان، هذا عدا الموضوعات الاجتماعية الأخرى التي تتعلق بالزواج مثلاً حول أهمية اختيار الليلة المناسبة والتي لا يوجد بها تكامل (كوامل) كما هو متداول عند جمهور من الناس وتطول القائمة في هذا الصدد حول المواضيع الدينية الأخرى لديهم وحسب فهم القصور الديني ومعناه الحقيقي.
من هنا فإن الانسان يجب عليه ان يزيل تلك العوائق والأغلال عن نفسه وألا يأخذ المفاهيم إلا من مصدرها السوي وخاصة تلك المفاهيم التي تدعوه الى توظيف مفهوم اليسر واللين بدلاً من العسر الذي هو طريق للمتاهات والضياع وخاصة إذا كان الانسان في موقع المسؤولية فيترتّب عليه التبصّر والابصار في مفاهيم الدين بشكل لا تجعل منه ضحيةً ينقاد وراء كل ما يقال له من هنا وهناك فيقع اسيراً لهذا أو ذاك. وبهذا الصدد تتحدث جملة من الآيات القرآنية عن الاصر بسم الله الرحمن الرحيم (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) سورة الأعراف الآية 157. أي بمعنى يضع عنهم كل ما يثقلهم من قولٍ أو فعل. وفي آية أخرى يقول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ سورة الليل الآية 7. أي بمعنى التوجيه إلى اللين واليسر والسهولة، وفي آية أخرى في نفس هذا السياق ايضاً يقول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.. ﴾
سورة البقرة من الآية [185].
إذن على الانسان ان ينأى بنفسه عن المفاهيم الخاطئة التي قد تسبب له حرجاً وتكلفةً بدون أية فائدة ومنفعة من خلال الممارسات الخاطئة التي قد تتصل أيضاً بالجانب الثقافي والفكري والمعرفي فالإنسان يستطيع أن يزن الأمور ويقدّر الأشياء من خلال نظرته للأمور بحيث لا يكون ذلك ضرراً عليه في الجانب الشخصي والاجتماعي.
إن أسباب استشراء ظاهرة التعصّب الديني في مجتمعاتنا هو يعود للأسباب التالية:
• الجهل، حيث الشخص المتعصب لا يريد أن يسمع معلومات جديدة أو أن يصحح معلوماته الخاطئة.
• عدم الصبر للمتعصب أي ينفذ صبره بسرعة ولا يتحمل النقاشات.
• عدم الوعي الكافي بخصوص التعصب الديني.
• معظم المتعصبين دينيًا يتمسكون بمبادئهم لأن عائلاتهم من الأساس أنشؤوهم على هذه المبادئ أو الأفكار المتطرفة.
ويمكن لنا وضع حلول وبرامج علاجية لهذه الظاهرة الخطيرة عبر النقاط التالية:
- المعرفة الصحيحة بالمفاهيم الدينية للحد من التطرف والتعصب.
- إشاعة مفهوم الحوار الجيد من قبل الأبوين مع اسرته والانفتاح عليهم وتوضيح لهم بأن المسائل الدينية جاءت لتكون يسراً على الانسان وليست تكليف الانسان فوق طاقته وما إلى ذلك من مفاهيم تمكنهم من الفهم الصحيح لأمور الدين على انها أمور ميّسرة وليست معقّدة.
- يجب أن يكون معلمو الدراسات الدينية في المدارس مدرّبين ومجهّزين بشكل جيد خاصة في البيئة التعليمية حيث يتلقى معظم الطلاب أفكارهم وتنشئة شخصياتهم من البيئة التعليمية.
- طرح الأفكار الدينية بمنهج الاعتدال لا بمنهج الغلو وإدخال الناس في متاهات لا يتسنى لهم التعامل بالكيفية الصحيحة مع الأمور الدينية.
- استقاء الأفكار الدينية من منبعها الصحيح ومن مصادرها الموثوقة التي دعت مقاصد الشريعة للأخذ من ينابيعها.
تلكم كانت بعض النقاط العلاجية التي تحتاج منا الى استيعاب مفاهيمها ومن ثمةَ تطبيقها على واقعنا العملي بين فينة وأخرى حتى نستطيع تجاوز حالة التعصب الديني الذي ربما قد يسود في وقت من الأوقات بيننا بسبب الالتباس وسوء الفهم للمفاهيم الدينية الصحيحة.
* كاتب وأكاديمي فلسفي