|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  16  / 8 / 2024                                 يونس عاشور                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الثورة المعلوماتية الكبرى
مساراتها التقنية وآفاقها الفلسفية

يونس عاشور *
(موقع الناس)

إن مشهد الثورة المعلوماتية المعاصر اليوم يتجلى في التطور الهائل الذي حصل في المعلوماتية ونتج عنها تخطي مجالات الحياة المختلفة، فهي تكمن في العلم الذي يدرس الأساليب التقنية الميثدولوجية المنظمّة التي تعالج المعلومات وتزاوج بين المعلومات والبيانات ليتمخّض منها توليد منظومات معرفية تساعد العقل البشري على تنمية وإحلال مفاهيم معلوماتية جديدة وحديثة خاصةً عندما تتدّفق المعلومات بكمياتٍ هائلةٍ وطائلة في جميع المسارات الثقافية والفكرية والمعرفية، لأنها تعتمد أساليب المعالجة على علم تقنيات تتعلّق بالتخزين والتوزيع والاسترجاع البياناتي وهذا ما يعزّز قاعدة ثورة المعلومات على نحو النّمو في الامتداد والتدفّق الانتشاري السريع عبر مليارات المعطيات للكميات المعلوماتية وهذا ما أدّى أيضاً في هذه الحقبة الحاليّة في تاريخ البشرية إلى امتلاكها وإحلالها محلَّ المكنَنَة والتصنيع Mechanization عبر الوسائط التقنية الحديثة.

يتمثل الانفجار المعلوماتي اليوم في نظم ومسارات تقنية ذكية ومركّبات آلية علمية وتكنولوجية منها الحواسيب الرقمية التي تعتبر بمثابة الوعاء لتخزين المعلوميات في الذاكرة ومعالجة البيانات التي تندرج في إطار مواضيع تهم الذكاء الاصطناعي ليتم إرسالها عبر شبكات الاتصالات اللاسلكية، أمّا من الناحية التكوينية فإن تقنية الإعلاميات والاتصالات تشمل الأجهزة الكهربائية والالكترونية والميكانيكية التي تكمن في منظومتها التقنية الكبرى كالتلفاز، المذياع، أجهزة الهواتف النقّالة الحديثة فهي تُساعد على نقل الصور ومقاطع الفيديو والمهاتفات ، وأجهزة التنصّت "الكاميرات" التي تساعد أيضاً على إرسال البيانات إلى غرف العمليات، والذكاء الإصطناعي المتمثل في مناحي الأقمار الصناعية التي تقوم بعملية الارسال إلى الفضاء الخارجي، ليبدأ بعد وصوله بالدوران حول الأرض أو حول أيّ جرم آخر كما تُساهم الأقمار الصناعية في اكتشاف الكون والفضاء، حيث يستطيع بعضها حمل العديد من ألأشخاص، كما أنّها تُعدّ وسيلةً مهمّةً للاتصال بين الأفراد.

، والأطباق الهوائية
Satellite dish التي تستقبل البث لالتقاط وإرسال واستقبال المشاهد والأخبار ومن ثمةَ بثّها في كل أرجاء العالم Transmitter، وأجهزة التحكّم عن بعد أيضاً هي الأخرى التي تقوم بإرسال الداتا الضخمة للتنفيذ، وغيرها من الأجهزة الذكية التي تندرج ضمن المسار التقني للثورة المعلوماتية بهدف النشر في أرجاء المعمورة، كما أن أهما هو انترنت التواصل ومثالها غوغل وشبكات التواصل الأخرى.

هذه المعلومات التي نُشاهِدها أو نقرأها أو نحصل عليها أو نشتغل وننشغل بها من هنا وهناك إنّما هي وليدة من رحم هذه "الثورة المعلوماتية" الآخدة في الكيف الانتشاري والكم المعلوماتي الهائل الذي ليس له حدود والعابر للقارات، من هنا فإنّ العقل البشري استطاع محو مفهوم الحدود بين الدول والقارات وجعلها قرية كونية واحدة متقاربة المسافات الجغرافية، فأنتَ عندما تريد الحديث عبر وسائل الاتصال ينتقل صوتُك إلى أقصى المسافات الكونية الكوكبية الأخرى بسرعة فائقة التقدير وهذا ملمح من ملامح تطوّر التقنية السيّارة التي تتمثل هي الأخرى في تكوين العلاقة بين المعلومة ورسم الصورة الواقعية من هنا وهناك وتقديمها بشكل جلي للإنسان، ويمكن القول بأن المسافة التي قطعتها التقنية المعلوماتية من الناحية الكورنولوجيه (ثلاثون عاماً) هي في أوج انتشارها الرهيب اليوم وبأشكال مختلفة وَضِيفَتُها إضفاء عنصراً رئيسياً من حيث التزويد التقني العالي الجودة وهو ما يُعرف بإخراج المعلوماتية من أبناك المعلومات إلى إنسان هذا العصر وجعله قادراً ومتمكناً على اكتساب المعارف والعلوم بشكل مطرد ومستشري.
التطوّر التقني الهائل للثورة المعلوماتية خلق تصوراً جديداً من حيث الآفاق الفلسفية للمكان قوامه التداخل بين المكان واللاّموقع (أو اللاّمكان) أو ما يطلق عليه بعض الباحثين: نزع الطابع المكاني أو الانقلاع المكاني (
Deterritorialisation). فالنص الكبير Hyper text، أي المحتويات المعلوماتية في الشبكة العنكبوتية، مثلاً ليس له مكان موقعي مُحدّد ونهائي وكأن ليس له مكان. فهو موجود في كل مكان وفي أية نقطة من الأرض دون أن يكون مثبّتاً أو مركّزاً في مكان ما هنا أو هناك. هذا النّمط الجديد من الوجود المكاني هو نمط الترحل أو الوجود الانتشاري الدائم في كل نقطة على وجه الأرض. وعدم مثوله في هذه النقطة أو تلك لا يعني أنه غير موجود بل هو موجود وجوداً إضمارياً أو ضمنياً أو افتراضياً. إنه ضرب من الوجود يندغم فيه المرئي باللاّمرئي، والداخل بالخارج، والحضور بالغياب، والوجود باللاّوجود، والمكان باللاّمكان.

هذا النمط من الوجود المضمر يصبح نمطاً جديداً للتمكن
Specialization والتزمن Temporalisation أي للحضور المكاني والمثول الزماني للموجات الضوئية الرابطة والفاعلة لكن غير المرئية. وباستعارة التشبيه بالجذمور الذي طالما استعمله بعض الفلاسفة فإن النموذج هو الجذمور الذي يوجد مركزه في كل مكان ومحيطه في لا مكان.

من المؤكد أن هذا النمط الجديد من الوجود يتجاوز مقولاتنا الذهنية البسيطة المتوارثة ويغيّر كلياً تصوراتنا عن الزمان، والمكان، والمادة، والهوية.. إلخ. ويقلب العلاقة التقليدية بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل فيجعل الانتقال العكسي من الفعل إلى القوة أمراً وارداً بجانب الانتقال المتداول المعروف من القوة إلى الفعل.

إن الواقع الافتراضي هو واقع أنطولوجي جديد، واقع مرئي لكنه غير ملموس، واقـع "يقع" بين الخيال المحض والواقع الفيزيائي الصلب.

الايجابيات الإنسانية الكبرى للثورة المعلوماتية أن أدواتها ووسائطها تحتاج إلى ذكاء مستخدميها بدلاً من عضلاتهم ، فهي تقدم العون للبشر من خلال توفيرها قدراً اكبر من التسهيل في تخزين المعلومات ومراكمتها ونقلها، وتفعيل القدرات البشرية بصورة أعمق عن طريق منظومة واحدة للاتصال وإدارة الأعمال بطريقة آلية وتقنية واكتشاف ثقافات مغايرة واختيار أصدقاء جدد وتكوين جمعيات من مختلف التوجهات سياسية وثقافية واجتماعية وتقنية بسرعة غير مسبوقة.

يتحقق من ذلك صيرورة سوق معلومات كونية هائلة، توفر لنا خيارات أوسع فيما يتعلق بجميع الأشياء والعلاقات من الخدمات والربح الاقتصادي إلى الأفكار والنظريات والقيم الإنسانية، بما يوسع إمكاناتنا الإنسانية والمادية ويفتح إحساسنا بالهوية وبالآخر، ويعمل على تحررنا من التقوقع والتمركز حول الأنا.

وبقدر ما كان مُتحقّقاً من هذه الثورة السحرية العجيبة في تذليل الصعاب للإنسان وجعله متحكماً ومسيطراً على مظاهر الطبيعة فإن هذه المكتسبات والمنجزات تنطوي على تيار عاطفي خفي وقوي، يتمسك بثقافة وقيم ومفاهيم أخذت قاعدتها السوسيولوجية والمادية والتربوية تتزعزع، وغدا بادياً للعيان أنها اليوم تترنّح تحتَ وطأة قوى التكنولوجيا والمعلوماتية والاتصالية، التي تلح علينا بالانفتاح، بالمعرفة والصوت والصورة. وإذا كنّا قد تغيرنا عن آبائنا دون ضجة كبيرة كالحاصلة اليوم، فهل يمكن أن نتوقع غير ذلك بصدد أبناءنا؟

وبالرغم من أنّ هذه الثورة التقنية المعلوماتية قد حقّقت المزيد من المنجزات والمكتسبات والتطلعات إلاّ أنها لا تخلو من سلبيات ومثالب فقد تكون أكثر تعقيداً والتباساً واقل رسوخاً واتّفاقاً. إذ أنها على الغالب تتّصل بأخلاقنا وقيمنا الراسخة وبأيديولوجيتنا ومواقعنا وأنظمتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتستفزها بعمليات تفكيك منظمّة يطلق عليه الغزو الثقافي والتلويث الثقافي وإفساد الثقافات الوطنية خاصّة المتعلّقة بالخصوصية الثقافية إذا ما نحن حاولنا استيعابها وفهما وفك رموزها وشفراتها التي ربما تكون مدمّرة على مسار حياتنا الاجتماعية والثقافية والفكرية والمعرفية .... الخ.
 


المراجع:
-1 بحث عن الثورة المعلوماتية والعلاقات الانسانية. (موقع موضوع) أكبر موقع إلكتروني بالعالم.
-2 د. محمد سبيلا (الثورات العلمية التقنية الكبرى وتخومها الفلسفية والأخلاقية).
-3 د. سمير إبراهيم حسن (الثورة المعلوماتية عواقبها وآفاقها).



* كاتب وأكاديمي فلسفي
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter