| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 12 / 9 / 2022 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجيه (12)
قراءة في سمات الشخصيّة المُؤثِّرة " الخُلُق الرفيِع والقول الليّن والأُسلُوب الرّصيِن " .يونس عاشور *
(موقع الناس)لقد أصرّ صاحبنا على مقابلة والي القلعة «السلطان» بعزيمةٍ وإصرار، وبعدَ عدة محاولات وتكرار وجدال واقتدار مع أحد حرّاس القلعة هناك ، حيثُ استطاع صاحبنا إقناع هذا الأخير بالدّخولِ إلى القلعة، ممَّا كانَ لإصراره تحفيزاً معنوياً في تقويض حالة التوجّس التي كانت حائلاً بينهُ وبين مُقابلة الوالي، وعندما وصلَ صاحبنا إليه، أخد في طرح جُملةً من الموضوعات الأخلاقية والفلسفية القيميّة التي لم يسمع بها الوالي من ذي قبل..! فالأساليب التربوية والأخلاقية والفلسفية التي كان يتَمتّعُ بها صاحبنا عمِلت على استقطاب واستدراج مشاعر الوالي نحو شخصية صاحبنا، وذلك عبر إعمال الحوار الموضوعي الذي كان يتّسم بالخُلق الرفيع والقول الليّن والأسلوب الرّصيِن فهي من أهم سمات الشخصية المؤثرة في التعامل مع الآخرين وقد كانت لهذه المفاهيم في بادئ الأمر تأثيراً مباشراً وفاعلاً مؤثراً على شخصيةِ « والي القلعة وحاشيته » حيث تأثّروا وأُعجبوا بشخصية صاحبنا أيُّمَا إعجاب .! لكن ذلك الإعجاب ما لبث أن تلاشى من نفوسهم فيما بعد.
عندما قابلَ صاحبنا والي القلعة، بدأ بالسّلامِ عليهِ وقالَ لهُ هل لي بالجلوسِ هُنا أيها الوالي لأتحدّث معك.؟!
فقال له والي القلعة: من أنتَ يا هذا..!؟
كرّر عليه صاحبنا القول ثانيةً: هل لي بالجلوس هنا لأتحدّثَ معك.. فأنا مُرهق من عناءِ السّفر والترحال إلى حدٍّ ما.!
الوالي : تفضّل يا هذا..
ماذا تريد..!؟
وماذا في جعبتك..!؟
صاحبنا: أُريدُ منك حاجة ما..!
الوالي: وما هي حَاجَتُك..!؟
صاحبنا: أنا شخص قد ظللت الطريق في هذا المكان الغريب ومعي رفاقي قد بقيا ينتظراني خارج القلعة، وفي واقع الأمر كنّا نبحر في رحلةٍ طويلةٍ وإذا بِنا في نهاية المطاف على ضفاف هذا المكان "القلعة"!..
قال الوالي لصاحبنا ليس لي وقتٍ كافٍ حتّى أضيّعهُ مَعك يا هذا..!
فتعجّب صاحبنا من أسلوب وقول الوالي إليه..!
فقال صاحبنا للوالي ولمَ هذا الكلام؟
إنّنا نريدُ منك خدمةً إنسانيةً بأن تساعدنا أيها الوالي.!
الوالي: أنتم في مكانٍ لا يستطيع أحد من النّاس الوصول إليه، فيكف بكم قد وصلتم إلى هنا؟ وكيف لكم التظاهر بأنكم قد ضللتم الطريق..!
صاحبنا: كما ترى وتشاهد بأمّ عينيك أيها الوالي.. فنحن هُنا غرباء ولا نعرفُ أحدًا من الناس وها نحن واقفون بينكم - قد ضللنا الطريق إبان مسيرتنا وإبحارنا ونحن قصدناك كي تلبي طلب المساندة والمساعدة لنا..!
الوالي : من أي عالم أنتم؟ وما هي أُصولكم..!؟
صاحبنا: نحن من عالم يسوده الأمن والاستقرار والسلام، وأصولنا أصول إنسانية تُحبُّ الخير للناس وترغب في العيش بأمنٍ وسلامٍ وحبِّ ووئام مع الآخرين من بني البشر.!
الوالي: ما هو السّبب الذي من أجلهِ دُعِيْتُم إلى السفر والتّرحالِ حتّى يكون سبباً في تيهانكم وضياعكم إلى هذا المكان..؟
صاحبنا: نحن قطعنا مسافاتٍ زمنيةٍ طويلة، كنّا خلالها في رحلةٍ شاقّةٍ من أجل نشر مفهوم العدالة والتسامح والنّصح وتقديم المشورة بين الناس من أجل تحقيق مبدأ التعايش السلمي بين بني البشر ومن ثمةَ العمل على تهذيبهم وتفقيههم وخدمتهم للتحرر من ربقة الجهل إلى منهج العقل الواعي الذي يعمل على جعل الإنسان في حالة الاتزان في كيفية التعامل مع ذاته ومع الآخرين من بني جنسه على أساس قبول الآخر واحترام خصوصياته وعدم التعدي على حقوقه وحرياته التي تكفل له استمرارية العيش الآمن في هذه الحياة.
لقد نجونا بأنْفُسِنا من ذئابٍ كاسِرة وعصاباتٍ قاهرة تتحيّن الفرص ليل نهار لقهر الناسِ وسلب لقمةِ عيشهم واستعمارهم وجعلهم أُساري لغيرهم لا لعقولهم.! وقد قُذِفت بنا أمواج البحار إلى جزرٍ وشواطئ عديدة، كانَ آخرها هذا المكان الغريب الذي نحن واقفون فيه الآن أمامكم..!
الوالي لصاحبنا: لماذا كل هذا العناء والتّعب؟!.
ولأجل من تزهقون أرواحكم؟!
ومن يضمن لكم النّجاة إن أنتم خرجتم من هذا المكان إلى مكانٍ آخر بأمنٍ وسلام..! وكان الوالي قد أخفى لهم مكراً ودهاءً لكي يتخلّص منهم فيما بعد خاصةً عندما عَلِمَ أيضاً بوجود من كانَ ينتظرُ صاحبنا خارج القلعة، لكنّ الوالي تظاهرَ أمام صاحبنا بحمايته وحماية رفاقه.!
صاحبنا: العناء والعطاء الذي كنّا قد بذلناه وأعطيناه من رصيدنا الإنساني والخدماتي هو لأجل الإنسانية والعمل على إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور ومن نقطة الجهل إلى منطقة العقل المركزية الذي يتمحور حولها العلم والمعرفة اليقينية، فأردنا بذلك إرساء قواعد أساسية لمفهوم منطق العدالة الإنسانية التي تحقق للإنسان كامل العيش الرغيد والهناء السعيد..!
صاحبنا للوالي: هل لك بمساعدتنا الآن بإعطائنا قارباً نواصل به الإبحار ثانيةً حتى نعود من حيث أتينا لأنّ قاربنا قد تحطّم بسبب أمواج البحر العاتية.!
الوالي: ليس لديّ ما يمكن إعطاءه إليكم من أشياء تنفعكم!، الأجدى أنْ ترحل ومن معك من هنا حالاً ..!
صاحبنا : ماذا تقول أيها الوالي..!؟
تصوّر بأنّه قد حدثت لكَ مُشكلة ما في هذه الحياة.. كمشكلتنا هاته فماذا عساكَ أن تفعل أيها الوالي ؟!
فلاحَ على وجه الوالي الغضب والاستياء..!
الوالي: لا بأس سأرشدك إلى شخصٍ خارج القلعة يُدعى بـ " عبْسَوي " يقطنُ خارج القعلة في غابةٍ كبيرة وعلى بُعدِ أميال من هنا وسوفَ يقوم بِمساعدتكم وإسداء الخدمة إليكم وإرشادكم نحو إيجادَ حلاً مُنَاسِبَاً لقضيتكم هاته ..!
إذن من سيكون ذلك الرجل المكنّى " بعبْسَوي " الذي قد أشار إليه الوالي عند حديثهِ مع صاحبنا؟!
وكيف سيتمكن صاحبنا الخروج من تلك القلعة المُحصنّة بعدما استطاع بكل ما أوتي من قوّة أن يدخل إليها بعزيمته وإرادته وحكمتهِ ؟! كيف سيتسنّى له العودة ثانيةَ إلى رفاقه في الخارج..!؟
تلكَ جملةً من التساؤلات، سُنُحاول الإجابة عليها في الحلقة القادِمة من هذه السلسلة القصصية والفلسفية.!
* كاتب وأكاديمي فلسفي