|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  12  / 5 / 2020                                 يونس عاشور                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

نحو منهج فلسفي..!

يونس عاشور *
(موقع الناس)

من المرتكزات الرئيسة التي يعتمدُ عليها المنهج الفلسفي في معرفة الموضوعات ودراسة المشروعات هو العمل على إيجاد وتوفير عناصر وأدوات أو آليات ومعطيات عملانية إستراتيجية ومنهجية تعمل عملها وتفعل فعلها في استخراج النتائج والآثار أو استنباط المناهِج والأفكار من رحم تلك الأدوات والمعطيات الأساسية للمنهج وبالتّالي الوصُول إلى حلول تكاملية يتمكّن الباحِث من خلالها توظِيف الإمكانات وفهم الاعتبارات ونقد القراءات التي تتطلّبُ استجلاب مواد منهجية وعناصر أوليّة تساعده على تفكيك الشروحات بصياغة فكرية جديدة وتركيب الطروحات بمنهجية عقلانية جديدة تتيح له الخروج عن المألوف وممارسة النّقد للطرح المكشوف بطريقة مهنية والعمل على عرض المكتُوب بمنحى التفصيل والتّعليل للبرهان البياني بمنهج الأسس والقواعد الفلسفية الغائية التي تنطلق من ثنائية الفكر والتفكير إلى غائية البناء والتركيب للتغيير ومن صياغة المركبّات المفهوميّة إلى دمج المكوّنات والعناصر الرياضية المنبثقة من أساسيات وسياسات المنهج الفلسفي القويم الذي يعتمد على عملية الحفر والتنقيب لاستخراج المواد النظرية والعمل على صرفها وتحويلها من الجمود المكاني إلى الوجود الزماني لجعلها مناهج دينامية نستفيد منها في سيرورة الاستقصاء والمتابعة أو فيما يخص المراجعة والمتابعة في البحث عن ماهية الأشياء لإيجاد عوامل تكون بمثابة الأطر التي تجعل من المنهج منهجاً فلسفياً وشمولياً يستهدف المعرفة من جميع جوانبها واتجاهاتها المتفرّعة.

من خلال هذه المقدّمة والديباجة سَنُحَاوِلْ الانتقال إلى صلب الموضوع لتفصيل مؤسّسات المنهج الفلسفي المُقْتَضَى توافرها في أسس المنهج الفَلْسَفِي وقواعده كمنهج معرفي يساعد على إيضاح الموضوعات وتجديد الصياغات الذهنية والحيوية، وتلك هي أصالة البحث ومتعة التوق لاستكشاف واستنطاق اللغة ومفردات المفاهيم بما تحويه من رموز وكنوز ومصطلحات تحتاج منّا إلى البحث عن مرتكزات جديدة لتقويم المنهج المراد بحثه وإضفاء عليه ديمومة التطوير والتحديث باستمرار.

من اللازم على الباحث أو من يريد البحث وإعمال الفكر العمل على توظيف الحسّ العقلي الباطني والظاهري الذي ينطلق من إحداثيات التأمّل الناجع، فالتأمل هُنا هو محطّ استدلال بقدر ما هو حاسّة من الحواسّ الفعّالة على أكثر من صعيد ولعلّه يُعتبر من التّمارين المُفيِدة لرياضةِ الجسم والعقل والروح إذا مورس بطريقة مُنْتِجة فهو يعطي الشعور بالاسترخاء ومن ثمةَ المُساعدة على إعمال التفكير بمنهجٍ ناجعٍ في شؤون الفكر وعلاقاته بمؤسساته للأشياء التي تحتاج إلى دراسة وتركيب وبناء منهجيات جديدة يُستفاد منها في شؤون الحياة المعاصرة، والتأمل بدورهِ أيضًا يساعد على نمو النّضج نحو الإبداع والخلق أو تركيب كل ما هو مشتّت في الأذهان إلى موضوعات تقنية وإبداعية في الأذهان حيث يعمل على اتّصال الإنسان بمشاعره الجوانية وبالتالي تتحوّل اللغة من حالة الاسترخاء إلى حالة السيرورة والتنفيذ المبنية على الشعور والإحساس الفعّال من بواطن الذات الإنسانية ويتحول بدورة إلى لغة مفهومية ذي أبعاد غائية وفلسفية مبنية على الإدراكات والتصوّرات أو المشاعر والتغيرات التي تساعد على عملية الانتظام التحقيبي للمنهج الفلسفي المراد استقصائه وبحثه على أوجهه المختلفة بعوامل الدعم والركائز وذلك لأجل انتهاجه بمنهجية إسمنتية مترابطة ومتناسقة الأبعاد، ويمكن لنا التطرُّق إلى نوع آخر من تقنية التأمل وهو التأمل خارج نطاق الواقع أو ما يُسمى المانترا أي استخدام تقنية التأمل خارج نطاق الواقع من خلال التجاوزات والقفزات الأيديولوجية ذات المنحى النظري للبعد الجوهري النظري (Transcendental Meditation) أو الخروج عن المألوف والإفرازات الذهنية التي تقف عند حد معين أثناء التحريك والتحريض للحواس فهي تأخذ العقل الواعي إلى مستويات عميقة في داخله، وتجعله يتجاوز الأفكار ويختبر حالة الوعي الصافي مما يكون له اثر فعّال على راحة العقل والجسم.

ثمة عنصر آخر يرتبط بالجانب التأملي ويعتبر من الأولويات في المنهج الفلسفي وهو توظيف العنصر العقلي/ العقل حيث يشكل الركيزة الأساس لمعرفة الماهيات والخلفيات للحدث والأحداث أو في مجال البحث والأبحاث التي تأتي ربما تنبثق من كلِ حدبٍ وصوب فهو صمّام الأمان لقيادة وحلّ المشكلات الفكرية وبدونه يُفقد الصواب ويضل الخطاب منهجه بمزيدٍ من التعثّر والبقاء في حالته الجمودية الساكتة.

فإيجاد الفلسفة العقلية أو ما يُسمى بفلسفة العقل هو كون ارتباط هذا العقل بالمنحى الذهني والوظيفي على أنّه يتضمّن خصائِص وصِفات تمكنّه من شخصنة الأشياء إلى عقلنة الأشياء على أنّها وعي ذهني حقيقي مُتّصل بالوجود الفيزيائي للدماغ الإنساني وتلك هي مسألة في غاية الأهميّة لما يمكن لنا اعتبارها قضية جوهرية ومحورية في معرفة الأمور الحياتية وتشخيصها نحو المُمْكِن والمُنْتِج بطريقةٍ عقلانيةٍ تنتهي بنا إلى النّتائج والمُحَصّلات المُبْتَغى بحثها ومعرفتها على منهجٍ فلسفيٍ عقليٍ نابعٍ من جوهرِ المرتكزات وقواعد المستندات والمعطيات ذات الأهداف والغايات الإستراتيجية للمنهج.

من الموضوعات الداعمة أيضًا للمنهج الفلسفي هي "مسألة التحليل" لأنّه المُكمّل والمُتمّم لسيرورة التنظيم في المنهج الفلسفي باتّجاه المنحى التكاملي للمعنى والمفهوم الذي نحن بصددهِ وبدون إستراتيجية التّحليل تُصْبح الموضوعات المراد بحثها ناقِصة من إضافة المداخل والمخارج أو العوامل والمناهج الفنية للموضوع التي قد تكون سبباً في إيضاح الطريقة المفاهيمية للقضايا المختلفة والمتفرّعة في ميادين العلوم، فهو سمة رئيسة يعتمد عليها الباحثين في عملية التجزئة والترتيب أو التصنيف والتبويب أو فرز المسائل المتعثرة المتناقضة والمتداخلة مع بعضها البعض ويعتبر موضوع التحليل قيمة معالجاتية تعمل على تفكيك أبنية الأشياء واختزال الموضوعات نحو قراءات معرفية متعددة نافعة تتكوثر فيها الإجابات والمعطيات أو الاستنتاجات والنظريات على أسلوبها المبني على أساس التحليل العقلي المنبثق من التقنيات والآليات لأوجه الاستنتاجات السابقة واللاحقة منها على أن جوهر التحليل هو وظيفة يهتم بها الساسة اليوم في عملهم ومشاريعهم الدراسية لشتّى القضايا المصيرية والحياتية منها وليس ثمّة شك بأنّ التحليل هو من المناهج المعتبرة الفائقة لسيرورة الانتقال من الأجوبة الجاهزة إلى المسائل العملية الناجزة التي تقوم بمنطق التغيير والتحويل والفاعلية في ابتكار أساليب جديدة للتفكير يقوم على منطق التجزئة للعدد الكلّي والمستعصي حفظه ومعرفته.

ننتهي بالقول بأن المنهج الفلسفي يقتضي أن يكون مرتكزاً على الجانب العقلي في موضوع المدركات وهو منهجٌ تأمُّليّ يتخطّى الحدود والقيود بقدر ما يقفز فوق كل ما هو جامد أو ثابت ، بأن يعتمد الفيلسوف على التفكير الذاتي، وتحليليّ بأن يصل الفيلسوف بمنهجه للأسباب الأساسية الأولى للموضوعات المراد البحث فيها.
 


* كاتب وأكاديمي فلسفي
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter