|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  27 / 7 / 2026                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

رفيقان كفيفان في دروب الكفاح المسلح

وردا البيلاتي
(موقع الناس)


في سنوات الكفاح المسلح، لم تكن المهمات تقتصر على حمل السلاح، بل كانت الثقة والمسؤولية أثقل من أي عبء آخر. فقد أوكلت إليّ مهمة نقل البريد الحزبي بين قواعد الأنصار ورفاقنا في الداخل، وهي مهمة كانت تتطلب السرية والصبر والشجاعة، وتعتمد قبل كل شيء على أشخاص مؤمنين بالمبادئ ومستعدين للتضحية.

خلال إحدى المهمات في قرية شيلازي التابعة لمنطقة برواري بالا، ناحية كاني ماسي، التقيت بالفلاح البسيط حمة، من أهالي العمادية، الذي آمن بمبادئ الحزب الشيوعي رغم بساطة حياته. كنت قد كلفته سابقًا بنقل البريد الحزبي إلى رفاقنا في الداخل. صادف وصوله وقت تناولنا طعام الغداء، فدعوتُه لمشاركتنا ما كان بين أيدينا من طعام متواضع. بدا عليه الاستغراب من بساطة ما نأكل، ورأيت الحزن يرتسم على وجهه، لكنه جلس معنا وتقاسم اللقمة بصمت واحترام.

بعد الغداء، وبينما كنا نحتسي الشاي، انفردت به وأطلعته على المهمات الجديدة، فأبدى استعداده الكامل لتنفيذها مهما كانت التضحيات. اتفقنا أن نلتقي بعد ثلاثين يومًا في المكان نفسه.

حين جاء موعد اللقاء، حيث كان حمة قد سبقنا إلى المكان. وما إن وصلنا حتى فاجأنا بثلاث دجاجات مشوية أعدها لنا بنفسه. قال مبتسمًا: "منذ أن افترقنا وأنا أفكر بكم، وانتظرت هذا اليوم لأقدم لكم طعامًا ساخنًا." كانت تلك اللفتة الإنسانية واحدة من أجمل الذكريات التي احتفظت بها عن أهالي القرى الذين تقاسموا معنا القليل الذي يملكونه دون انتظار مقابل.

وفي ذلك اللقاء أخبرني حمة بوجود رفيقين مختفيين في إحدى القرى، أحدهما الرفيق علي الذي فقد بصره تمامًا، والآخر إبراهيم الذي كان يعاني ضعفًا شديدًا في النظر. أرسلت رسالة إلى قيادة القاطع، فجاء الرد سريعًا بضرورة نقلهما إلى مكان آمن.

شُكلت مفرزة خاصة لهذه المهمة، فانطلقنا عابرين جبل متين باتجاه منطقة صبنة، ثم وادي بري كارة، مرورًا بقرى العمادية. وبعد مسيرة شاقة التقينا بالرفيقين، ورافقانا في تنقلاتنا بين القرى، حتى تمكنا بعد أيام من إيصالهما بسلام إلى مقر قاطع بهدينان.

وخلال تلك الرحلة الطويلة عشنا مواقف لا تُنسى، كان بطلها الرفيق علي. فعلى الرغم من فقدانه البصر، كان يتمتع بحس مرهف، وروح مرحة، وصوت جميل في الغناء، كما كان يجيد العزف على آلة الناي. والأغرب من ذلك أنه كان يشعر بالخطر قبل غيره.

وأثناء عبور إحدى الربايا، طلبت من أحد رفاقنا من أبناء العمادية أن يمسك بيد علي وألا يتركه. وبعد أن تجاوزنا المكان سمعت نقاشًا حادًا بينهما، إذ قال المرافق باستغراب:
"من أين عرفت أنني كنت خائفًا وأنت لا ترى؟"

ابتعدت مع علي وسألته عن ذلك، فابتسم وقال ببساطة:
"عرفت من حرارة كف يده. كنت أشعر بحرارتها ترتفع كلما اشتد الخطر، ولم تهدأ إلا عندما أصبحنا في مأمن."
كان هذا الجواب كافيًا ليؤكد أن البصيرة قد تعوض أحيانًا غياب البصر.

وفي القرى التي كنا نبيت فيها، كان الأهالي يسألوننا باستغراب:
"ماذا تفعلون بهؤلاء العميان في صفوفكم؟"
فكنا نجيبهم:
"إنهم يحملون الفكر لا السلاح. وسلطة البعث تطاردهم كما تطاردنا، ومن واجبنا أن نحمي رفاقنا وننقذهم من بطش النظام."

وفي طريق العودة إلى برواري بالا، باغتتنا عاصفة ثلجية عنيفة غطت جبل متين بالكامل. اضطررنا إلى ترك الرفيق علي عند أحد أقاربه في إحدى القرى، لأن عبور الجبل في تلك الظروف كان مستحيلًا بالنسبة له، بينما واصلنا الرحلة مع الرفيق إبراهيم.

كان الثلج قد طمس معالم الطريق، حتى عين الماء التي اعتدنا الاستدلال بها اختفت تحت أكوام الثلوج. تهنا فوق القمة، وبدأنا نشق طريقنا بأجسادنا وسط الثلوج الكثيفة. وبعد ساعات من السير المنهك انهار إبراهيم، وطلب منا أن نتركه ليموت. حاولنا رفع معنوياته، لكنه فقد القدرة على الحركة، فلم يكن أمامنا سوى حمله على ظهورنا، نتناوب على ذلك.

وكان الرفيق أبو العز مثالًا نادرًا في قوة الإرادة، إذ حمل إبراهيم لمسافات طويلة دون أن يشتكي أو يتذمر.

وبينما كنا لا نعلم إن كنا نسير في الاتجاه الصحيح، سمعنا فجأة نباح الكلاب. كان ذلك الصوت بالنسبة إلينا بشارة نجاة، لأنه دلّ على اقترابنا من إحدى القرى. وما إن وصلنا إلى قرية خرابة الواقعة عند سفح الجبل حتى استقبلنا أهلها بحفاوة، وأشعلوا الحطب في المدفأة. كان إبراهيم قد فقد وعيه من شدة البرد والإرهاق، فلففناه بالبطانيات، وبعد وقت بدأ يستعيد أنفاسه تدريجيًا.
نظر إلينا صاحب الدار وقال:
"إن عبوركم جبل متين في مثل هذا اليوم ضربٌ من الجنون."

وربما كان محقًا، لكن تلك كانت طبيعة الحياة في سنوات الكفاح؛ لم تكن الخيارات كثيرة، وكان إنقاذ الإنسان يسبق التفكير في المخاطر.

في صباح اليوم التالي غادرنا القرية، وبعد أيام من التنقل بين الوديان والقرى، وصلنا أخيرًا إلى مقر قاطع بهدينان، وقد أدينا المهمة بنجاح، حاملين معنا ذكرى رحلة لن تغيب عن الذاكرة، أثبتت أن التضامن والإيمان بالقضية قادران على الانتصار حتى على قسوة الطبيعة ووحشية الحرب.

شُكلت مفرزة خاصة لتنفيذ هذه المهمة الإنسانية، ضمت الرفيق أحمد بامرني (أبو إيفان)، والرفيق أبو العز، والرفيق أبو طالب، الشاعر القادم من البصرة، والرفيق الفقيد روش بامرني، والرفيق خيري (عوديشو انويا)، إضافة إلى اثنين من رفاق منطقة العمادية الذين يؤسفني أن ذاكرتي لم تعد تسعفني بتذكر اسميهما، كما شارك فيها رفاق آخرون غابت أسماؤهم عن ذاكرتي بعد مرور كل هذه السنين، فلهم جميعًا مني الاعتذار والتقدير.
 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter