| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 28 / 9 / 2026 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
التعليم هو الطريق إلى تجفيف منابع الكراهية في العراق
وردا البيلاتي
(موقع الناس)منذ سنوات وأنا أفكر في سؤال أراه من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تشغل الدولة العراقية: كيف نعالج الكراهية والانقسام في المجتمع العراقي من جذورهما، لا أن نكتفي بمعالجة نتائجهما بعد وقوعها؟
برأيي، البداية الحقيقية يجب أن تكون من المدرسة.
فقانون وزارة التربية رقم (22) لسنة 2011 لم يترك هذه المسألة خارج مسؤولية الوزارة، بل نص في أهدافه على تنشئة جيل يعتز بالتراث العراقي وثقافة التنوع القومي والديني، كما نص على تنشئة جيل ينبذ جميع صيغ التعصب والتمييز. وأعطى الوزارة مسؤولية إعداد المناهج الدراسية لمختلف مراحل التعليم وتطويرها.
إذن، السؤال ليس: هل تستطيع وزارة التربية أن تقوم بهذا الدور؟
بل السؤال هو: هل استُخدمت المدرسة والمناهج العراقية بالشكل الكافي لبناء جيل يتقبل الآخر ويحترم اختلافه؟
العراق ليس مجتمعاً من لون واحد، بل هو وطن تتعايش فيه قوميات وديانات ومذاهب ولغات وثقافات متعددة. وهذه الحقيقة لا ينبغي أن تكون سبباً للصراع، بل يمكن أن تكون مصدر قوة وغنى للمجتمع العراقي.
ولهذا أرى أن معالجة خطاب الكراهية يجب أن تبدأ من اليوم الأول الذي يدخل فيه الطفل إلى المدرسة، وليس بعد أن يكبر ويصبح أسيراً لأفكار جاهزة تلقاها من البيئة أو المجتمع أو الخطاب السياسي والديني.
المناهج تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع الخطب أن تفعله
لماذا ننتظر من النخب السياسية والدينية والاجتماعية أن تغير مجتمعاً تشكلت لدى قسم منه أفكار متراكمة عن الآخر، بينما نستطيع أن نبدأ من الطفل؟
الطفل الذي يتعلم منذ الصفوف الأولى أن زميله العربي والكردي والتركماني والسرياني والأرمني، والمسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي وغيرهم، هم جميعاً عراقيون، وأن اختلافهم جزء من تاريخ العراق وثقافته، سيكون أكثر استعداداً لقبول الآخر عندما يصبح شاباً ورجلاً ومسؤولاً.
وهنا تأتي أهمية إعادة النظر في المناهج الدراسية في مراحلها كافة: الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، بحيث لا تكون مجرد كتب للمعلومات، وإنما أدوات لبناء الإنسان العراقي.
نحتاج إلى كتب تتحدث عن تاريخ العراق بكل مكوناته، وعن إسهاماتها في بناء العراق، بعيداً عن النظرة الأحادية التي تجعل تاريخ مكوّن واحد وكأنه تاريخ العراق كله.
اللغات العراقية ليست مشكلة... بل جسر بين العراقيين
وأقترح أيضاً أن يُعاد التفكير في تعليم لغات العراقيين.
فإلى جانب العربية، ينبغي أن تكون هناك مساحة حقيقية لتعليم اللغات التي يتحدث بها العراقيون، ومنها الكردية والسريانية والتركمانية، وفق نظام تربوي واقعي يراعي قدرات المدارس والطلبة والمناطق.
والقانون نفسه لم يغفل هذه المسألة؛ فقد أجاز فتح مدارس باللغتين العربية والكردية، ونص على وضع قواعد تضمن للعراقيين من التركمان والسريان والأرمن حق تعليم أبنائهم باللغة الأم.
لماذا لا نذهب خطوة أبعد؟
بدلاً من أن يعرف الطالب العراقي الآخر من خلال الصور النمطية أو ما يسمعه في البيت والشارع، ليتعلم لغته، ويقرأ شيئاً من أدبه، ويتعرف على تاريخه وثقافته.
عندما يتعلم العربي بعض كلمات الكردية، ويتعلم الكردي بعض العربية، ويتعرف الطالب على السريانية والتركمانية وتراثهما، فإن اللغة تتحول من حاجز إلى جسر.
لا يمكن بناء التعايش في عقد واحد
قد يقول البعض: هذه الأفكار تحتاج إلى سنوات طويلة.
نعم، وهذا صحيح.
لكن التربية ليست مشروعاً انتخابياً مدته أربع سنوات، وإنما هي مشروع لبناء الأجيال.
إذا بدأنا اليوم، فقد لا نرى النتائج الكاملة غداً، لكن بعد عشرين عاماً سنجد جيلاً مختلفاً تربى على احترام التنوع وقبول الآخر.
جيل اليوم هو مجتمع الغد.
ولهذا فإن محاربة الكراهية لا ينبغي أن تكون حملة إعلامية مؤقتة، ولا مؤتمراً، ولا ندوة، ولا خطاباً سياسياً؛ بل يجب أن تكون مشروعاً تربوياً وطنياً طويل الأمد يبدأ من المدرسة ويستمر حتى الجامعة.
ما بعد 2003 درس لا ينبغي تجاهله
لقد شهد العراق بعد عام 2003 صراعات مذهبية وسياسية دامية، وسقط آلاف الضحايا نتيجة العنف والاستقطاب. ومن المهم، عند دراسة تلك المرحلة، ألا نختزل أسبابها في مكوّن ديني أو مذهبي واحد، فالعنف الذي شهده العراق كان نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية ومجتمعية وطائفية وإقليمية متعددة.
لكن الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه هو أن الانقسام عندما يتحول إلى ثقافة اجتماعية يصبح من الصعب علاجه بالوسائل الأمنية والسياسية وحدها.
ولهذا فإن الوقاية تبدأ من التربية.
العراق يحتاج إلى مدرسة تعلّم الطفل كيف يكون عراقياً أولاً
لا أقصد بذلك إلغاء خصوصية القوميات والأديان والمذاهب، بل العكس تماماً.
العراق المتجانس لا يعني عراقاً متشابهاً.
التجانس الذي نحتاجه هو أن نختلف في اللغة والدين والقومية والمذهب، لكن نتفق على احترام الإنسان وحقوقه، وعلى أن العراق وطن للجميع.
فالطالب الكردي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن كرديته حتى يكون عراقياً، والعربي لا يحتاج إلى التخلي عن عروبته، والمسيحي لا يحتاج إلى التخلي عن دينه، والمسلم لا يحتاج إلى التخلي عن مذهبه.
ما نحتاج إليه هو أن يتعلم الجميع أن الاختلاف لا يعني العداء.
وهذه الثقافة إذا ترسخت في المدرسة، يمكن أن تنتقل من الطالب إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع.
فلنبدأ من الجذور
أعتقد أن وزارة التربية أمام مسؤولية تاريخية.
فالقانون أعطاها أساساً واضحاً: بناء جيل ينبذ التعصب والتمييز، ويحترم التنوع القومي والديني، وتطوير المناهج بما ينسجم مع هذه الأهداف.
لذلك أقترح مشروعاً وطنياً لإعادة بناء المناهج على أساس:
• احترام التنوع القومي والديني والمذهبي.
• تدريس تاريخ العراق بمشاركة جميع مكوناته.
• مكافحة الصور النمطية وخطاب الكراهية في الكتب المدرسية.
• تعليم مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان منذ الصفوف الأولى.
• إتاحة تعلم اللغات العراقية وفق برامج مدروسة.
• تدريب المعلمين على إدارة الاختلاف والحوار.
• إشراك المختصين بالتربية والتاريخ وعلم الاجتماع وممثلي المكونات العراقية في تطوير المناهج.
• تقييم أثر هذه المناهج بصورة مستمرة، وليس الاكتفاء بتغيير الكتب.
قد يحتاج هذا المشروع إلى عشرين عاماً حتى تظهر نتائجه بوضوح.
لكن عشرين عاماً من العمل على بناء جيل متسامح أفضل من الاستمرار عشرات السنين في معالجة نتائج الكراهية والعنف.
إذا أردنا عراقاً مختلفاً، فلنبدأ من المكان الذي يتشكل فيه الإنسان لأول مرة:
من المدرسة.
فالكراهية تُزرع في سن مبكرة، وكذلك التسامح.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط:
كيف نعالج الكراهية؟
بل:كيف نمنع أن يتعلمها أطفالنا من الأساس؟