|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  1 / 1 / 2025                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

 صالون حلاقة وردا

وردا البيلاتي
(موقع الناس)


الذكريات المرة، كجذور شجرة الجوز، تظل عميقة وراسخة، مهما حاولنا دفنها. أعود بذاكرتي إلى عام 1970، حين كنت شابًا يافعًا أدير صالوني "صالون حلاقة وردا" في كركوك. في ذلك الحي النابض بالحياة بين (الماس) و (شاطرلو)، كان الصالون أكثر من مجرد مكان للحلاقة؛ كان ملتقى للشباب من مختلف الطبقات، حيث تنساب الحوارات اليومية كالنغم، ويتقاسم الزبائن قصصهم وأحلامهم، ويتحولون إلى أصدقاء. تلك الحوارات كانت زاداً للروح ووقوداً للأمل.

رغم نجاحي في بناء عمل مستقر، واجهت تحديات عديدة، كان أبرزها حين انتقل إلى الحي ضابط إعاشة مغرور برتبة ملازم ثانٍ، واستأجر داراً تقابل صالوني.

بعد أسبوع من انتقاله، دخل المحل يوماً وهو متجهم الوجه وألقى عليّ أمراً:
• "من اليوم، ضع غطاءً على زجاج محلك من الصباح إلى المساء. أفتهمت؟"

سألته بدهشة:
• "لكن لماذا؟ الشمس لا تؤذي، ولدينا ستائر جاهزة."

• "هذا أمر. وإن لم تنفذه، سأغلق المحل."

حاولت تنفيذ طلبه تفادياً للمشاكل، لكنني لم أفهم سبب هذا السلوك الغريب. بدأ الأمر يتضح لاحقاً، عندما لاحظت أن عيون زوجته، وهي تجلس في شرفة منزلهم، كانت تتجه باستمرار نحو المحل. ربما كان خائفاً من أن تصله إشاعات أو أنه شعر بغيرة دفينة، لا أعلم.

في أحد الأيام، جاء الرائد الركن جواد أسعد شيتنه، من قوات المغاوير. كان من الرواد المحترمين الذين أعتز بهم، عُرف بوقاره وهيبته، وهو ابن عائلة كردية مرموقة. جلس للحلاقة، وحين لمح الغطاء المغطى لواجهة المحل، سألني:
• "لماذا لا تسحب الغطاء؟ لقد غابت الشمس."

ترددت، ثم شرحت له ما يحدث مع الضابط المغرور. لم يتقبل الرائد هذا الوضع، فقام فوراً وسحب الغطاء بنفسه.

لم تمضِ سوى دقائق حتى دخل الضابط، غاضباً كالعادة، وقال بصوت مرتفع:
• "ألم أقل لك ألا تسحب الغطاء؟"

لكن الرائد جواد أسعد، بهدوء الواثق، قاطعه بصوت جهوري:
• "أنا أمرت بذلك. ومن أنت لتمنع ما أمرت به؟"

ثم وقف الرائد جواد وقال بحزم:
• "استعد!"
امتثل الضابط بصمت، ثم أمره الرائد بمغادرة المكان وأضاف بصوت ثابت:
• "من الآن فصاعداً، يبقى الغطاء مسحوباً متى شئت. وإن عدت للتدخل، سأتعامل معك."

ومنذ ذلك اليوم، اختفى الضابط المغرور عن الأنظار، ربما بسبب خجله أو خوفه من مواجهة أخرى مع الرائد.

نهاية غير متوقعة
سنوات مرت، وظلت صورة الرائد جواد أسعد في ذهني. علمت لاحقاً أنه ارتقى في الرتب بسرعة بسبب شجاعته وكرامته، حتى وصل إلى رتبة عميد الركن. لكنه، كما علمت لاحقاً، دفع ثمن مواقفه النبيلة. خلال حرب القادسية، رفض أوامر صدام التي اعتبرها غير أخلاقية. كان الرفض كافياً لينهي حياته.

أُعدم الرجل في 24 ايار 1982الذي وقف معي في وجه الظلم، تاركاً خلفه درساً لا يُنسى: الشجاعة الحقيقية ليست فقط في مواجهة الأعداء، بل في الوقوف ضد الظلم أينما وجد.

هامش: نزار الخزرجي في كتابه الموسوم الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980ـ1988 مذكرات مقاتل. الندم بعد فوات الأوان، أرسلت القيادة العراقية في طلب حضور والد المرحوم العميد الركن (جواد اسعد شيتنه) الى بغداد بعد مرور شهر على إعدامه. واستقبله (صدام حسين) والذي قدم له العزاء وواساه بمصابه بولده، كما وأثنى على خصال المرحوم ووصفه بالشجاع والمخلص لتربة العراق. انتهى اللقاء بتكريم واعتبار ولده المرحوم العميد الركن (جواد) شهيد الغضب.
 


الشهيد العميد الركن جواد أسعد شيتنة قائد الفرقة المدرعة الثالثة
 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter