|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  1 / 9 / 2025                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

عندما يصبح الحرام شعارات والانتقام سلوكًا...
مشهد من حياتنا اليومية

وردا البيلاتي
(موقع الناس)


في إحدى رحلاتي من كركوك إلى أربيل، جلستُ في مقدمة السيارة بجوار السائق، شاب لم يتجاوز الثلاثين. وبعد دقائق من مغادرتنا، كنّا نسابق الزمن على الطريق، فإذا بشاحنة تركية (تريلا) تسير بمحاذاتنا. وعلى أطراف الشارع المليء بالحصى، قفزت فجأة حصاة لتصيب زجاج سيارتنا.

توقف السائق غاضبًا، أشار للشاحنة بالتوقف، ونزلنا نحن الركاب الأربعة. وفجأة، مدّ يده تحت المقعد وسحب مسدسًا، متوجهاً نحو السائق التركي الذي ارتجف خوفًا. هرعتُ أتدخل قائلاً:
ـ لا يجوز استخدام السلاح، فلنتحدث أولاً.

ردّ السائق: وكيف نتفاهم مع هذا التركي؟
قلت: أنا أجيد لغته، دعني أتكفل بالأمر.

اقتربت من السائق التركي وسألته: لماذا كنت مسرعًا؟
أجاب معتذرًا: لم أقصد، إنها مجرد حصاة طائشة، وأنا مستعد لتعويض الضرر.

عدت أترجم كلامه لسائقنا، فهزّ رأسه قائلاً: حرام آخذ المال.

ابتسمتُ بمرارة وسألته: عجيب! قبل قليل كنتَ على وشك قتله، والآن ترى أخذ المال حرامًا؟!

وبينما نحن منشغلون بالحديث، مدّ سائقنا يده فجأة وانتزع نظارة التركي من عينيه، ورماها أرضًا وداسها حتى تكسر زجاجها.

صرخت: لماذا تفعل هذا؟ أليس حرامًا؟
ابتسم ببرود وقال: هو شقّ زجاج سيارتي، وأنا كسرت نظارته... واحدة بواحدة.

وقفتُ مذهولًا أمام هذا المشهد، وفكرت: كم نحن بحاجة إلى أن نتعلم المسامحة حين يخطئ الآخرون بلا قصد. لكن الواقع المرير أن البيئة التي نعيشها تزرع فينا روح الانتقام بدل التسامح، وتعلّمنا أن نردّ الإساءة بإساءة.

إن ما حدث ليس ذنب السائق التركي، بل نتيجة إهمال المقاولين والدولة في بناء الطرق وصيانتها. وبينما تبقى قيمة الإنسان عندنا بلا وزن، يستمر التخلف المزمن في التحكم بسلوكياتنا.

كانت حادثة صغيرة... لكنها كشفت لي عالماً كاملاً من التناقضات.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter