| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 17 / 3 / 2026 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
النادي الآثوري في كركوك… ذاكرة لا يطويها الزمن
وردا البيلاتي
(موقع الناس)في تلك الليلة، لم أكن لاعب كرة… بل بائع شلغم في قاعة مكتظة بالضحك والخوف.
في مدينة كركوك، حيث كانت الحياة تنبض بتنوعها الإنساني والثقافي، شكّل النادي الآثوري الرياضي مساحةً فريدة جمعت الشباب على المحبة، والرياضة، والإبداع.
قبل أن أغادر مدينتي في آب عام 1978، قسرًا، نتيجة الحملة التي طالت رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي، كانت أيام النادي جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية. لم يكن مجرد مكان لممارسة كرة القدم أو السلة أو الطائرة، بل كان عالمًا صغيرًا يعكس روح كركوك بكل أطيافها. عدتُ إلى المدينة عام 2003، بعد سقوط النظام، في عرسٍ جمع الأقارب والأصدقاء، وازدحم بمئات الحضور. وبين الوجوه والذكريات، استعادني الزمن إلى تلك الليالي في النادي، خاصة احتفالات رأس السنة، التي لم تكن مجرد غناءٍ ورقص، بل مهرجانًا حيًّا بالفعاليات والابتكار.
ليلة الشلغم… حين يصبح البسيط عرضًا
في إحدى احتفالات رأس السنة، عام 1972، كانت القاعة تمتلئ بالحماس. وقبيل منتصف الليل، كان عريف الحفل يعلن الاستعداد للفعاليات، التي تبدأ بعد إطفاء الأنوار إيذانًا بدخول عام جديد.
كانت مشاركتي مختلفة. تواصلت مع صديق بسيط اسمه "ليون"، كان يبيع الشلغم في منطقتنا. استأجرت عربته مقابل مبلغ أكبر مما يجنيه يوميًا، وأعددت كل شيء سرًا.
في المساء، أخفيت العربة خلف إدارة النادي. وعندما حان وقت العرض، تنكّرت بالزي الكردي، مع الجمداني، وبدأنا بتشغيل "البابور" لتسخين الشلغم.
واجهتنا مشكلة عند إدخال العربة إلى القاعة، بسبب بروز إحدى القطع المعدنية، فاضطررنا لإطفاء النار، وإنزال القدور، وقلب العربة، ثم إدخالها بصعوبة وسط ترقب الجميع. وبمجرد أن دخلت، بدأت أنادي:" شلغم ... دواء الصدر"!
كانت الفكرة رمزية: بيع الصحون الصغيرة بعشرة فلوس. لكن ما حدث فاق كل التوقعات. بفعل الحماس، وربما تأثير الكحول، اندفع الحضور نحوي بشكل غير متوقع. فاضطررت أن أصرخ:
"إخوان… دعوني أمر بينكم لأوزّع على الجميع!"
وخلال نصف ساعة فقط، فرغت كل القدور، وسط هتافات ما زالت ترنّ في أذني "يعيش أبو الشلغم"!
فرحٌ يراقبه الخوف
في نهاية الحفل، أعلنت لجنة التقييم فوزي بالجائزة الثانية. لكنني رفضتها، لأنني شعرت أن العرض يستحق الأولى. في اليوم التالي، زارني أعضاء اللجنة معتذرين. لم يكن القرار فنيًا… بل سياسيًا.
قالوا إن سبب حرماني من المركز الأول هو ارتدائي الزي الكردي، خوفًا من عيون السلطة وتقارير المخبرين، في زمن كان الخوف يرافق حتى الفرح، في ظل حكم صدام حسين.
تقبّلت اعتذارهم… لأننا كنا نعرف أن النجاة أحيانًا أهم من الفوز.
بين الأمس واليوم
كانت احتفالاتنا آنذاك مليئة بالتنوع: تنكر، تمثيل، أفكار جديدة، تفاعل حيّ بين الناس. أما اليوم، في الغربة، فقد اختزلت المناسبات في الغناء والدبكات، مع غياب تلك الروح الإبداعية التي كانت تميّزنا.
كركوك… مدينة لا تغيب
تبقى كركوك في ذاكرتي مدينة الإبداع، مدينة الفن والشعر والحكاية. مدينة كنا نضحك فيها من القلب… رغم كل ما كان يحيط بنا من خوف.