| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 15 / 2 / 2026 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
لمن نستمع؟
بين الهوية القومية والانتماء الكنسي عند شعبنا الآشوريوردا البيلاتي
(موقع الناس)في هذه الأيام، ينشغل فكري — كما ينشغل فكر كثيرين من أبناء شعبنا — بسؤالٍ جوهري يتكرر منذ عقود دون جواب حاسم:
من نحن؟ ولماذا نختلف على اسمنا ونحن شعب واحد؟
قبل عام 1553، كان شعبنا ينتمي إلى كنيسة واحدة هي كنيسة المشرق، ويتكلم لغة واحدة بلهجاتها، ويحمل ذاكرة تاريخية مشتركة، ويعيش على أرض واحدة. الانشقاق الذي حدث لاحقًا كان كنسيًا–مذهبيًا، لا قوميًّا ولا اثنيا. دخول الكثلكة لم يُنشئ شعبًا جديدًا، بل مذهبًا جديدًا داخل الشعب نفسه.
إلا أن هذا الانقسام المذهبي، ومع مرور الزمن، جرى تسييسه وتحويله إلى هويات قومية متمايزة: كلداني، سرياني، آشوري. وهنا بدأت المعضلة.
بين روفائيل وساكو: اختلاف أشخاص أم اختلاف حقائق؟
يذكر التاريخ أن البطريرك الكلداني روفائيل قال بوضوح:
"أنا آشوري مذهبي كاثوليكي"هذا التصريح لم يكن استثناءً في زمنه، بل كان يعكس فهمًا شائعًا يميّز بين القومية كشعب والكنيسة كمذهب.
في المقابل، نسمع اليوم البطريرك ساكو يقول:
"قوميتي كلدانية"، وهو موقف يعكس قراءة معاصرة تربط القومية بالكنيسة.
وهنا يبرز السؤال المشروع: لمن نستمع؟ الكنيسة أم التاريخ؟
الكنيسة، أي كنيسة، مؤسسة روحية. أما القومية فهي:تاريخ، لغة، أرض، ذاكرة جمعية.
الكنيسة تتغير بتغيّر الأشخاص والظروف، أما التاريخ فلا يتغير. عندما يختلف بطاركة الكنيسة الواحدة في تعريف القومية، فهذا بحد ذاته دليل على أن القومية أوسع من الكنيسة، وليست حكرًا عليها.
ليس المطلوب أن ننحاز إلى بطريرك ضد آخر، ولا أن نحاكم النوايا. لكن من الخطأ الكبير أن تُحوَّل المؤسسة الدينية إلى مرجعٍ نهائي في تعريف هوية شعب بأكمله.
مأزق التسمية وخطره في عالم اليوم، لا يوجد تقريبًا شعب واحد:
بلغة واحدة، وتاريخ واحد، وأرض واحدة
ثم يُقسَّم إلى ثلاث قوميات متنافسة، إلا في حالات التفتيت المقصود.
النتيجة التي نعيشها اليوم واضحة: ضعف سياسي، تشتت ثقافي، ذوبان متسارع في المهجر وتحويل شعب تاريخي إلى "مسيحيين" بلا هوية قومية واضحة
ما الحل؟ الحل لا يكمن في إلغاء أحد، ولا في فرض تسمية بالقوة، بل في:
1-الفصل الواضح بين القومي والكنسي المذاهب لا تصنع شعوبًا.
2-الاعتراف بالوحدة التاريخية لشعبنا قبل الانشقاقات وهذا ليس رأيًا، بل حقيقة موثّقة.
3-اعتماد خطاب جامع لا يلغي الخصوصيات الكنسية، لكنه يرفض تحويلها إلى قوميات متصارعة.
4-الصدق مع الذات: فالتشبث بالأسماء الفرعية على حساب الوجود الجامع يقود إلى الاندثار لا إلى الكرامة.
كلمة أخيرة: من حق كل إنسان أن يعرّف نفسه كما يشاء، لكن ليس من حق أي مؤسسة، دينية كانت أم سياسية، أن تختزل هوية شعب بأكمله.
إذا بقينا نختلف على الاسم، قد يأتي يوم نُذكر فيه كطوائف انقرضت، لا كشعب حافظ على وجوده وذاكرته.
والسؤال يبقى مفتوحًا أمام ضميرنا الجمعي: هل نريد أسماءً متفرقة… أم شعبًا باقيًا؟