|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  13 / 1 / 2025                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

النهر والبندقية

وردا البيلاتي
(موقع الناس)


في أعماق جبال كردستان، كانت السرية الثالثة التابعة للفوج الثالث، قاطع بهدينان، تعمل تحت راية حركة أنصار الحزب الشيوعي العراقي. في تلك الفترة، كانت الثمانينيات تحترق بنيران القمع، لكن شعلة الأمل كانت مشتعلة في قلوب الأنصار.

ذات يوم، زار السرية المستشار السياسي للفوج الثالث، الرفيق د. سليم (ياقو أيشو)، لمتابعة عملها الحزبي والسياسي والعسكري. كان الهدف واضحًا: نشر الوعي بين سكان القرى تحت شعار: "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان".

بين الجبال والوديان، كان على الأنصار عبور نهر سريع الجريان في طريقهم إلى القرى. كان الماء باردًا حد الصقيع، وصوت التيار العنيف يملأ الأجواء. مع ذلك، بدأ الأنصار العبور واحدًا تلو الآخر.

لكن فجأة، قطع صوت أحدهم المشهد، صارخاً بالكردية:
"جو!"
كانت الكلمة تعني "ذهب"، وسرعان ما عرف الجميع أن بندقية أحد الأنصار انزلقت من كتفه وسقطت في النهر. في لحظة، تجمد الزمن، وشعر الجميع بثقل الموقف.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى نزع د. سليم ملابسه ورمى بنفسه في النهر الجليدي. كان التيار شديدًا، والماء عكرًا، لكنه استمر في الغطس والبحث دون أن يعثر على شيء. تبعه المستشار السياسي للسرية، الرفيق أبو عوف (د. علي إبراهيم)، الذي نزل بدوره في الماء، متحديًا كل الظروف.

لحظات ثقيلة مرّت، وجسديهما يرتعشان من البرد، ووجهيهما ينبأن بالإرهاق. حاول أمر السرية أن يوقفهما قائلاً:
• "كفى يا رفاق، الظلام يقترب ولن نجدها!"

لكن أبا عوف كان مصممًا. قال بصوت متعب لكنه واثق:
• "دعوني أحاول مرة أخيرة... لقد لمست شيئًا في القاع!"

غطس أبو عوف للمرة الأخيرة، والكل يترقب بقلوبهم قبل عيونهم. فجأة خرج من الماء، يرفع البندقية عاليًا وهو يصرخ:
• "وجدتها! وجدتها!"

تعلو الهتافات، ويعلو معها شعور بالنصر والفرح. أطلق بعض الأنصار الزغاريد، وأوقدت النيران للتدفئة وتجفيف الملابس. تلك الليلة لم تكن مجرد ليلة عادية؛ كانت درسًا في الصمود والإصرار، وتجسيدًا للروح الجماعية التي تربط الأنصار ببعضهم.

بعد أن جففوا ملابسهم واستعادوا قواهم، واصلوا المسير نحو هدفهم، يحملون البندقية التي كادت أن تُفقد، لكنهم في أعماقهم كانوا يحملون ما هو أثمن: إرادة لا تنكسر، وقلبًا ينبض بحب الحرية.
 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter