|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  13 / 8 / 2026                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

نصيحة من ناوزنك رافقتني في الغربة

وردا البيلاتي
(موقع الناس)

هناك نصائح نسمعها في لحظة معينة من حياتنا، وقد لا ندرك قيمتها إلا بعد سنوات طويلة. بقيت في ذاكرتي نصيحة قالها لي الرفيق الراحل عزيز محمد، سكرتير الحزب الأسبق، عندما كنت مسؤول الحماية لقيادة الحزب في قواعد الأنصار في ناوزنك عام 1980.

بعد تواجد الرفيق عزيز محمد في قواعد الأنصار، وبعد مرور فترة من الزمن، كنت منشغلاً بمهام مسؤولية الحماية، عندما أرسل الرفيق أبو فاروق، عضو المكتب السياسي، أحد أنصار الحماية يطلب حضوري.
دخلت غرفة القيادة، فوجدت الرفيقين عزيز محمد وأبو فاروق بانتظاري.
قال لي الرفيق أبو فاروق: "جهّز نفسك". أجبته: "أنا جاهز".
قال: "ستسافر إلى مدينة أورمية في إيران، وهناك تلتقي بالرفيق (س)، وهو سيبلغك بالمهمة".
سألته ": ما هي المهمة؟"
قال: "تم اختيارك لاستلام سيارة من الرفيق، وهو سيشرح لك التفاصيل".
أجبته : "رفاقي، أنا لا أجيد السياقة".
نظروا إليّ باستغراب، ثم قال الرفيق عزيز محمد:
"رفيقي، في المستقبل إذا سنحت لك الفرصة تعلم السياقة، فهي من مستلزمات الحياة".خرجت من الغرفة وأنا أفكر بكلماته، لكنها بقيت مجرد نصيحة لم أعمل بها في ذلك الوقت.مرت السنوات، وجاءت فرصة أخرى في بلغاريا عام 1989، لكنني أيضاً لم أتذكر تلك النصيحة.

أما المرة الثالثة فجاءت في الدنمارك عام 1997. كنت مضطراً لتعلم السياقة بسبب بُعد مكان عملي، إذ كان الوصول إليه يحتاج إلى أكثر من وسيلة نقل، وهذا كان يستهلك وقتاً وجهداً كبيرين.

هناك اكتشفت أن الحصول على إجازة السوق في الدنمارك ليس أمراً بسيطاً؛ فهو يجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي والالتزام الصارم بالقوانين. نجحت في الامتحان النظري من المرة الأولى، لكنني فشلت في الامتحان العملي ثلاث مرات، حتى تمكنت أخيراً من الحصول على إجازة السوق وأنا في عمر خمسين سنة.بعد نجاحي قلت للضابط: "شكراً لك".
فقال: "اشكر نفسك".
لكن قبل حصولي على الإجازة بيوم واحد، كنت ذاهباً إلى العمل مع زوجتي. قالت لي:
"سق أنت اليوم " خرجنا إلى الشارع، وبعد دقائق أوقفتنا شرطة المرور.
سألني الضابط: "أين إجازة السوق؟"
قلت: "لا أملكها، غداً لدي الاختبار العملي".
قال: "هذا مخالف للقانون".
ثم سأل زوجتي: "هل لديك إجازة؟"
قالت: "نعم".
فسألها: "إذن لماذا لا تقودين أنت؟"
حاولت أن أشرح له أن هذه مسألة مرتبطة بعاداتنا وتقاليدنا، وقلت:
"كيف لها أن تقود وأنا الرجل؟ في تقاليدنا الرجل هو الذي يقود السيارة".
لكنه لم يناقشني في العادات، بل تحدث بلغة القانون فقط.
قال لي: "اخرج من السيارة، وتفضلي أنت بالقيادة".
وأضاف: "إذا لم تقودي، ستأتي سيارة وتسحب السيارة إلى دائرة المرور، وستدفعون أجور النقل".
سألته: "كم الغرامة؟" قال: "خمسة آلاف كرون".
سألته: "هل يؤثر ذلك على حصولي على الجنسية الدنماركية؟"
قال: "إذا دفعت المبلغ فلن يؤثر".
دفعت الغرامة، ليس بسبب قيمتها فقط، بل لأنني أدركت أهمية احترام القانون وعدم ترك مخالفة صغيرة تتحول إلى مشكلة أكبر.

بعد أسبوع حصلت عائلتي وأطفالي على الجنسية الدنماركية، بينما وصلتني أنا رسالة تفيد بأن مخالفتي للقانون تستوجب الانتظار ستة أشهر. وبعد مرور هذه الفترة حصلت على الجنسية أيضاً.

في ذلك اليوم فهمت معنى قوة القانون. فالقانون في المجتمع الديمقراطي لا يعرف الشخص أو تاريخه أو موقعه، بل يعرف فقط الفعل والقانون.
وهنا عادت إلى ذاكرتي كلمات الرفيق عزيز محمد قبل سنوات طويلة:
"تعلم السياقة، فهي من مستلزمات الحياة".

تذكرت النصيحة بعد فوات الأوان، لكنها بقيت درساً يرافقني: أحياناً تكون أبسط النصائح هي الأكثر حكمة، وقد تحتاج الحياة إلى سنوات حتى تكشف لنا أينما ذهبنا .
 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter