|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  9  / 8  / 2026                                 تحسين المنذري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

المشهد المختصر لحال المجتمع

تحسين المنذري
(موقع الناس)

ما حدث في شارع التانكي صورة واضحة ومصغرة لما يسود المجتمع من قيم وأخلاق، فليست الفتاة الهاربة هي المجرمة، وليس الوحوش الذين طاردوها هم المجرمون، وليس المصور الذي تابع وصور ونشر هو المجرم، فمثل هذه الحادثة تحصل في العراق الان عشرات المرات يوميا إن لم تكن بالمئات، وفي الحقيقة إن الكل مجرمون، والكل ضحايا.

فحكم البعث بعقليته الاجرامية وقذارات فكره، قاد العراق الى حروب عبثية وعنف وعسف سلطوي لمدة أربعين عاما، كانت خسائرها الكبرى ليس الارواح والاموال فقط، بل إمتدت الى القيم والاخلاق المجتمعية، فالعوز والفقر والحاجة الملحة صارت وكأنها مبررات للسقوط، عند البعض بالتأكيد وليس عند الجميع، لكن البقعة السوداء في الرداء الابيض هي الابرز والاكثر ملاحظة.

وما أن سقط حكم البعث حتى دخل البلد في حروب أخرى لم يكن السلاح وحده هو الاداة، فهناك حروب أخرى إستهدفت أولا تهديم أواصر المجتمع، محاصصة وتقسيمات هلامية وإتهامات متبادلة، وحرب لإسقاط هيبة الدولة والقانون، وحرب ضد السلم الاهلي، وحرب لتحطيم القيم المجتمعية النبيلة، وحرب ضد الامانة والاخلاص ، وحرب من أجل إشاعة العنف والقسوة ولكن ضد من؟ إنها ضد المرأة بالذات ، فالدولة تشرع قانونا يبيح تزويج القاصرات ، إقرأ بيع وشراء القاصرات، أي إنها نخاسة مقنونة، ودعاة دين ومعممون لا شغل لديهم ولا هم سوى محاربة المرأة، يصرخون وكأنهم في ساحة الوغى، ساحة منازلة كبرى: لا تسمحوا لهن بالخروج من المنزل، لا تدعوهن يذهب الى الطبيب، راقبوا ما يلبسن، إنتبهوا الى برامج التفزيون وماذا يتابعن، لاحظوا التغيرات على أمزجتهن وملبسهن ومأكلهن و.. و... وكل شيئ ، حتى تجرأ أحدهم ليحذر طالبات جامعيات من الطلبة الشباب بوصف البنات على إنهن ( بزازين) أي أناث القطط والشباب على إنهم (عتاوي) أي ذكور القطط ، بهذا المنطق الساقط يريد هذا المعمم تنشأة جيل يدعو هو وغيره من أمثاله الى فصل الطالبات عن الطلاب في الجامعات .

إن كل تلك الحروب وتلك الدعوات ، بإختصار، ما هي إلا جراثيم مرضية وفايروسات خطيرة توطنت في ألتفكير المجتمعي وعند الشباب قليلي الخبرة والمراهقين خصوصا، فكانت المرأة بالنسبة لهم فريسة أينما وجدت، ويستطيع الاجهاز عليها، يفعلها وله ألف تبرير وتبرير، والف حماية وحامي، ومجتمع سيغفر له فعلته المشينة لكنه لا يرحم الفريسة ـ الضحية.

لن تُحل المشكلة بإعتقال الوحوش الذين طاردوا فتاة شارع التانكي ولا إعتقال المصور ولا بحجز الفتاة الضحية ، فالمشكلة أكبر وأعمق من ذاك وتلك ألاف المرات ، لنفكر في كيفية إسكات الافواه العفنة دعاة العنف الاسري ومن يمتهنون إسقاط القيم المجتمعية النبيلة ، لنقطع الالسن التي تريد للمرأة أن تكون سلعة رخيصة مهما إرتفعت قيمة المبلغ المدفوع ، لنفكر ونسعى كل من موقعه على الاقل لتغيير العقول.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter