| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 6 / 1 / 2026 تحسين المنذري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
إختطاف مادورو بين إرث الجريمة والخوف من القادم
تحسين المنذري
(موقع الناس)سوف لن تتوقف تداعيات إختطاف الرئيس الفنزويلي بمثوله أمام المحاكم الاميركية، فما حدث يعتبر تطورا خطيرا مرتبطا بشكل النظام القائم في أميركا وتطور العولمة الرأسمالية، وبخلفية إجرامية تمتد لعقود جربت خلالها الامبريالية الاميركية طرقا عدة في محاولة سيطرتها على مقدرات العالم، فمع إنهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، أعلنت أميركا عن نظام عالمي جديد إبتدأته بحرب الخليج الثانية، ثم بجمع قادة عرب مع ممثلي الكيان الصهيوني في تأكيد لهيمنتها مع حليفتها إسرائيل على أية حلول للقضية الفلسطينية، وهذا ما هو حاصل لحد الان. كما إنها جربت حربي إحتلال في كل من أفغانستان والعراق، وإشتركت بقذارة في حرب تفتيت يوغسلافيا وحرب إسقاط القذافي في ليبيا، في ذات الوقت لم تغفل أميركا عن دول أميركا اللاتينية فشاركت بالعلن والخفاء في تدبير عدة إنقلابات عسكرية للمجيئ بعملائها أو مواليها للحكم في بعض دول تلك القارة التي ترسخت فيها جذور الفكر الاشتراكي ذلك الشبح الذي يؤرق قادة الرأسمال الامريكي والغربي على حد سواء، مع وجود كوبا التي تشكل مخرزا في خاصرة الولايات المتحدة على مدى أكثر من ستة عقود.
لقد بقي هاجس التفرد بالعالم موجها لكل سياسات أميركا الدولية، فما بين دعم نشاط صندوق النقد والبنك الدوليين كأهم أذرع لإنتشار نظم وأخلاقيات العولمة الرأسمالية مع توسيع دائم لحلف الناتو بوصفه قوة ضاربة بيد الرأسمال المعولم، بدـت تظهر بوادر بروز أقطاب جديدة في العالم، فكانت مجموعة البريكس وتوسعها تدريجيا مع نيتها بإصدار عملة موحدة من شأنها أن تهز أو قد تقضي على مكانة الدولار الامريكي عالميا، والذي عانى أيضا من تهميش في علاقات إقتصادية عدة مثل إتفاقية الصين واليابان بالتعامل بالعملات الوطنية لكل منهما، وكذلك روسيا والهند ودخول الامارات العربية المتحدة على بعض الاتفاقيات الاسيوية بنفس التوجه، مما أقلق الاقتصاد الاميركي والمالي خصوصا، حتى جاءت العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا لتزيد وترسخ التحالف الصيني ـ الروسي وهو ما يوصف بتحالف الاقتصاد المتين مع القوة العسكرية الكبيرة والذي لم تستطع الادارة الاميركية السابقة من مواجهته بالقوة لكنها دعمت أوكرانيا عسكريا وإقتصاديا وسياسيا في محاولة لإستنزاف روسيا عن طريقة إطالة أمد الحرب مع عقوبات إقتصادية عديدة يصعب حصرها، حتى جاءت الترامبية الشعبوية بفترتها الثانية.
فقد عاد ترامب رئيسا محملا بحقد خسارته السابقة، وإرث دولة عدوانية منذ نشأتها مع نرجسية وجشع شخصي في إمتلاك العالم وبنفس الوقت خوف من مراكز إستقطاب جديدة تنافس سطوة الرأسمال الامريكي المعولم، ولم يسلم أحد من شروره ورغباته الجامحة في التحكم بكل شيئ مبتدءاً بفرض الرسوم الكمركية العالية وتهديدات لدول وأماكن عدة في العالم، مع تجاوزات على الدستور والقوانين الامريكية في محاولة لتكريس سلطة دكتاتورية على طراز ترامبي خاص، مما أثار الرأي العام الاميركي ضده فعلى مدى عشرة أشهر من حكمه إنطلقت حملات إحتجاجية عدة شملت (2700) مدينة أمريكية وكانت تحت شعارات (لا للملوك) و(إرفعوا أيديكم) حتى بلغ عدد المتظاهرين في يوم واحد أكثر من سبعة ملايين متظاهر، مما إضطره لإنزال قوات الحرس الوطني لقمع المدن الرافضة لسياساته، في تصرف غير قانوني، وتحت عنوان حماية الامن الوطني!! مما يؤشر لإزدياد حدة الانقسام المجتمعي الاميركي والذي يهدد سلطة ترامب وقوة الرأسمال المحلي على حد سواء، فكان لابد من خلق عدو خارجي خطير في محاولة للتغطية على واقع مجتمع قلق، متوتر، وأيضا للتخفيف من حدة الانقسامات تلك.
في خضم كل ذاك لم ينس ترامب دعم صديقه النتن ياهو والدفاع عنه وعن جرائمه المشينة وإدامة سياسة القتل والتجويع والتهجير في غزة بظل صمت دولي أجهز على بقايا إحترام القوانين والاعراف الدولية، وشل الامم المتحدة عن قدرتها بالتصرف بأي شيئ، وهذا ما كان تمهيدا للقيام بفعلته الاجرامية في فنزويلا وعلى هذا ربطت الرئيسة المؤقتة (ديلسي رودريغيز) بين جرائم إسرائيل وعدوان ترامب على الرئيس (مادورو) واصفة ما حدث بأنه بعقلية إسرائيلية صهيونية.
يبدو إن ترامب يستلهم من التأريخ العدواني لأميركا الكثير لتبرير ما يقوم به من أفعال مشينة، فهو يستحضر مبدأ (مونرو) من أوائل القرن التاسع عشر القاضي بعدم السماح لوجود أي نفوذ ينافس الوجود الاميركي في القارتين الاميركيتين! فإن كان (مونرو) قد طرح ذلك بالضد من النفوذ الاوربي في أميركا اللاتينية فإن ترامب أراده لمواجهة النفوذ الصيني ـ الروسي في المنطقة. وبذلك فإن لا فصل بين السياسات الاميركية على مختلف المراحل حتى بتبدل الرؤساء أو الانتماءات الحزبية فالكل يسعى لتكريس قوة وهيمنة أميركية تضمن بقاء ونمو الرأسمال على حساب الشعوب الاخرى، وعليه يجب عدم الاستهانة بأي تصريح سابق أو لاحق للرئيس ترامب بخصوص الاطماع في أماكن أخرى في العالم ولابد من إستنهاض كافة القوى الرافضة للهيمنة والعولمة الاميركية شعوبا ومنظمات وحكومات في عمل منظم يستطيع الحد من الطغيان الترامبي ومواجهة الطور الجديد في العولمة الرأسمالية الذي يحاول ترامب أن يضع إسمه عنوانا له، ومن الضروري بمكان دعم وتطوير مراكز القوى القطبية الناشئة للحد من الغطرسة الهوجاء ولضمان تطور متوازن لكل شعوب الارض.