|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  5  / 8  / 2023                                 تحسين المنذري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

هل بات الموقف من المثلية معيارا سياسيا؟

تحسين المنذري
(موقع الناس)

تشغل موضوعة المثلية حيزا كبيرا من إهتمام وسائل الاعلام العالمي، وتتبنى جمعيات متنوعة فكرة الدفاع عن المثليين والمتحولين جنسيا وذلك ما أصطلح على تسميته بـ (مجتمع الميم).. وكل ذاك لم يأتِ بمعزل عن رعاية ودعم حكومات غربية وأميركية عديدة، حتى إنها شرعت العديد من القوانين التي تجيز زواج المثليين وترعى الراغبين بالتحول الجنسي (وبعضها تمادى في ذلك ففي أميركا تسمح القوانين للأطفال بالتحول الجنسي حسب رغباتهم وهولندا كذلك على سبيل المثال لا الحصر)، وبنفس الوقت تروع رافضي المثلية في إزدواجية معايير واضحة تماما، فحرية الرأي ديمقراطيا يجب أن تضمن حق إبداء الرأي في أي موضوع كان للرافض والموافق بدون رهاب أو أحكام مسبقة. وفي حقيقة الامر لم تكن للمثلية الاهمية السياسية التي عليها الان إلا بعد إنفراد القطب الاميركي بالعالم ومحاولاته المستمرة ليس فقط بفرض نموذجه السياسي أو الاقتصادي بل وأيضا فرض قيمه المجتمعية حيث تمزيق صورة العائلة الطبيعية المكونة من رجل وأمرأة كقطبين رئيسين (أب وأم) لأن في تشويه وتحلل العائلة تفسخ لقيم المجتمع وهذا ما يضمن للرأسمال الغربي ـ الاميركي سيادة أكبر وعمرا أطول. وقد إستخدمت الرأسمالية وسائلا عدة لفرض موقفها من المثلية منها مثلا ما قررته منظمة الصحة العالمية من أن المثلية مرض بيولوجي لا يمكن علاجه لإرتباطه بالجنيات وما قبلها من تكوينات مما يستحيل علاجه!! وهنا يبرز التساؤل المشروع : أين كانت منظمة الصحة العالمية من هذه الظاهرة قبل سيادة العولمة الرأسمالية والمنظمة تشكلت في العام 1948، وظاهرة المثلية قديمة تأريخيا؟

اليسار والمثلية :
رغم التشوه الكبير الذي لحق بمفهوم اليسار عالميا (فهل يعقل مثلا أن يكون الحزب الديمقراطي الامريكي يساريا؟)، إلا إن الدفاع عن المثليين إلتصق باليسار في مواجهة المحافظين واليمين والمتطرف منه خصوصا... وهنا لابد من التوقف برهة لنظرة ما كان عليه الموقف من المثلية حينما كان اليسار يتحكم بنصف العالم حكما مباشرا أو فكريا، فآنذاك لم نسمع ولم يسجل أي موقف لحزب أو قوة يسارية تدافع عن أو تروج للمثلية.

أتصور إن بروبغاندا قوية جدا تقف خلفها دوائر الرأسمال الغربي مارست ضغطا على قوى اليسار في لحظة معاناة من نكوص وتراجع نتيجة الهزة الكبيرة والتخبط الفكري الذي رافق بعض قوى اليسار في العالم بعد إنهيار تجارب الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية أو أيضا ربما في محاولة سد فراغ فكري، جاء التبني لموضوعة الدفاع عن مجتمع الميم من قبل بعض تيارات اليسار وأتسع ذلك لاحقا.

بدايات نهاية عصر القطب الواحد :
كان من الطبيعي عدم ديمومة سيادة قطب أوحد عالميا، وتأكد ذلك مع جملة من الممارسات اللاإنسانية التي إتسمت بها السياسة الاميركية كالإستغلال الاقتصادي لدول الاطراف والحروب القذرة التي شنتها بشكل مباشر أو دفعت بها أطرافا أخرى في بقاع عديدة من العالم بالاضافة الى محاولتها فرض نموذجها وقيمها المجتمعية على الاخرين، وغير ذلك الكثير. وقد بدت بوادر ظهور قطب آخر يتمثل بالقوة العسكرية الروسية متحالفة مع قوة الصين الاقتصادية وتجلى ذلك بشكل كبير في الحرب الروسية الاوكرانية القائمة حاليا، إضافة الى توقعات ظهور أقطاب أخرى كآسيان أو الاتحاد الافريقي ومع تداخل بعضها مع منظمة (بريكس) وتوجهاتها الاقتصادية ، فإن كل ذاك ينذر بحدوث صراعات عالمية متعددة لن تغيب عنها صراعات القيم المجتمعية كركيزة مهمة جدا من مسببات تلك الصراعات. فدول مثل السعودية وخليجية أخرى نفطية كانت حليفا ثابتا ودائما للولايات المتحدة الاميركية إنحازت الى روسيا في تحالف (أوبك +) وثبتت على مواقفها في تخفيض طوعي لإنتاج وتصدير النفط رغم كل الضغوطات الاميركية والغربية عليها للعدول عن مواقفها ، وأتصور إن ومضة إختلاف القيم المجتمعية لم تكن غائبة عن تلك الدول الرافضة لقيم أميركا رغم تشابه النمط الاقتصادي الرأسمالي ، مثل هذه الانحيازات قد تتفاقم مستقبلا مع تعدد الاقطاب وتلاقيها أو إختلافها قيميا .

إن محاولات دوائر الرأسمال الاميركي ـ الغربي ستستمر للبقاء مهيمنة ومتسيدة المشهد عالميا وقد تأخذ أشكالا عدة لا تغيب عنها صراعات القيم المجتمعية ومحاولات فرض قبول مجتمع الميم كشكل إجتماعي مفروغ منه وعندها سيكون لكل حادثة حديث .
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter