|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  31  / 3   / 2024                                 تحسين المنذري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ذكريات على هامش الذكرى التسعين

تحسين المنذري
(موقع الناس)

كنا فتية صغار في السن، لم نكن نعي بعد معنى الشيوعية وكيف يكون المرء ماركسيا، بل لا نعرف ما هي تلك المبادئ .. فقط وعينا على أخوة وأقرباء وأبناء منطقتنا السكنية ممن ضربوا أمثلة في البطولة والاستبسال ، وكانت امهاتنا يقولون عنهم إنهم (شيوعيين قرص) والى اليوم لا أفهم لماذا " قرص" وماذا تعني، لكننا تمثلنا بهم وإعتقدنا عن يقين إن رجولتنا المقبلة لا تكتمل إلا أن نكون شيوعيين ...

كان من نتائج ذلك الانتماء المقاومة البطولية البطولية لأبناء الكاظمية لإنقلاب البعث الفاشستي في شباط / 1963، وكان أخي الكبير (عبد الوهاب) أحد المشاركين في تلك المقاومة، وعلى إثرها أعتقل وحكم عليه بالاعدام ومن ثم تم تخفيف الحكم الى السجن المؤبد. لكني ما زلت أتذكر تلك المعنويات العالية التي كان يتمتع بها صحبة رفاقه الاخرين في مختلف ظروف السجن وأحكامه ، وفي كل زيارة له في السجن كنت أحاول أن أتعرف على سجايا وخصال زملائه في السجن وأحفظ تلك الصور والمشاهد وما أسمع عن مواقف كل واحد منهم، أتذكر إن معتقلا إسمه (مد الله) من أهالي الموصل أضرب عن الطعام وفي كل زيارة كنت أذهب الى الغرفة التي يرقد فيها حيث أجده في حال أسوأ من قبله الى أن تم الاستجابة لطلبه وأطلق سراحه بعد أربعين يوما من الاضراب، وكان المعتقلين يتندرون معه بأن الاضراب أفاده أيضا بالتخلص من عادة التدخين ... وغير ذلك الكثير من الصور التي ما زلت احتفط ببعضها، كما إني أتذكر أثنين من المعتقلين من أهالي الناصرية وكما أتذكر إسميهما (عبد العال وشاكر) اللذان كانا يكلفاني بحمل رسائلهما لأهاليهما وإرسالها بالبريد، حيث إنهما لا يودان أن يرسلا تلك الرسائل عن طريق إدارة السجن لأنه ستقوم بفتحها وقراءتها وكذلك لأني كنت صغيرا في السن فلا أخضع للتفتيش عند مغادرة السجن، ومن مصروفي اليومي كنت أوفر مبالغ الطوابع لإرسالها بدون إخبار أحدا بالامر خشية التعنيف من الوالد أو غيره، تلك صور ومشاهد إنطبعت في الذاكرة ولا أظن إن الزمن سيستطيع محوها، وكانت من الاسس التي قادتني لاحقا نحو الطريق الوعر، المهم ما أن وصلت الى مرحلة المراهقة وكنت لما أزل طالبا في الدراسة المتوسطة، أتذكر إني ذهبت لإبن عم لي إسمه (شاكر) وطلبت منه أن يعيرني كتاب رأس المال لـ (كارل ماركس)، وللأمانة لم يسخر مني ولم يقلل من قيمة طلبي هذا بل سألني وماذا ستفعل بالكتاب، فقلت له سأقرأه لأني أريد أن أكون شيوعيا!! عندها أخبرني إن فكرة قراءة الكتاب مازالت مبكرة ولابد من قراءة كتب أخرى تمهد الطريق لقراءة هذا الكتاب فأعارني كتاب إسمه (الاشتراكية على ضوء تجارب الشعوب) ولا أتذكر الان إسم المؤلف ، لكني باشرت بقراءته ، وكنت أعيد قراءة بعض الاسطر والعبارات كي أستطيع فهم ما فيها، لكني لم أستطع إتمام قراءته، فقد حدث أن داهم أزلام الامن بيتنا بحثا عن شقيقي (بديع) مما أضطر الوالدة أن تقوم بتجميع كل الكتب التي لدينا وحرقها بالتنور خوفا علينا من مداهمة أخرى!!! وللأمانة الى اليوم لم يطالبني إبن عمي (شاكر) بالكتاب فألف شكر له... إلا إن تلك الفترة كانت حاسمة في الاختيار حيث عرفت كيف ينتمي المرء وكانت المسيرة الطويلة بكل عذاباتها وحلوها وألمها ورفقتها الجميلة والتي لم ولا أظن أن تتكرر ، ولست نادما على الاختيار بل مازلت أرى نفسي فيه فتيا يبحث عن الجديد ومواصلة المسير .

فطوبى للحزب ومجدا للشهداء وتبقى الذكرى عاطرة أبدا لكل من رافقتهم وبقوا محافظين على تلك المبادئ السامية

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter