| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 22 / 8 / 2025 تحسين المنذري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
أحمد الشرع ... المشروع الامريكي الكبير
تحسين المنذري
(موقع الناس)لم يكن لقاء ترامب مع الشرع في السعودية وليد لحظة طلب محمد بن سلمان، فتسلسل الاحداث قبل ذلك وما حصل بعده تشير الى إن كل شيئ، كما يبدو، كان مخططا له ولم يأتِ صدفة أو رغبة آنية.
فهذا الذي أمضى خمسة أعوام في سجن بوكا الامريكي صحبة إبراهيم عواد البدري (أبو بكر البغدادي) وخرجا سوية متحالفين قبل أن ينشق الشرع ويؤسس جبهة النصرة التي إنفصلت بدورها لاحقا عن القاعدة وتحولت الى جبهة تحرير الشام، في مسارٍ تشوبه الكثير من الشبهات، فعلى من إعتمد الشرع في تأسيس تنظيمه المستقل؟ ومن كان الممول؟ ومن أين حصل على الاسلحة؟ وهل كان قائدا ملهما لدرجة يستطيع تجميع كل تلك الحشود خلفه وهو لما يزل في بدايات الثلاثينات من عمره؟ كلها أسئلة وربما غيرها تثير الريبة، وهو الذي إختار لقبا لإسمه يرتبط بالجولان المحتل لم يقترب منها بأية عملية عسكرية وهي محتلة وإكتفى بعمليات بعيدة عنها مكانيا لكنه لم يكن بعيدا عن المحتل نفسه، فقد أفاد إعلاميون كانوا شهود عيان على تلقي المصابين من جبهة النصرة للعلاج في مستشفيات إسرائيل، وتأكدت كل تلك الشكوك بتحرك الشرع تنفيذا لأمر نتنياهو مع لحظة وقف إطلاق النار في لبنان يوم 27/ نوفمبر/ 2024 ، وهذا ما كان، فقد تمكن الشرع من إسقاط حكم بشار الاسد وتوليه هو مقادير سوريا في التاسع من كانون أول 2024 .
لم تكن عملية إسقاط حكم الاسد فقط تبديل نظام حكم بآخر وإنما إنطوت على تغيرات هامة جدا، فروسيا القطب العالمي الذي برز بشكل أكبر مع معارك أوكرانيا، قد خسرت الحليف الاهم في الشرق الاوسط ومنفذها الاوحد على البحر المتوسط حيث قاعدة طرطوس والتي من غير المحتمل إستمرار إشغالها مستقبلا، وكسر تغيير النظام هذا حلقة مهمة جدا في سلسلة ما عُرف بالهلال الشيعي، وأيضا شكل التغيير ضربة قوية جدا لحزب الله في لبنان حيث إنقطاع طريق التمويل الايراني الاوحد بالسلاح والمعدات، ومما يؤكد أهمية تلك التغييرات ردود الافعال التي ترافقت مع سقوط الاسد، فتركيا الاخوانية والحليف الاكبر للشرع قبل التغيير كانت أول المرحبين مع وعودٍ بمساعدات جمة للنظام الجديد، ومن ثم جاءت تصريحات الترحيب من السعودية والاردن والامارات وقطر في مؤشر واضح على هوية النظام الجديد، فتوالت الزيارات الرسمية المتبادلة وصحبتها بيانات إعلامية أوربية مرحبة بالتغيير حتى مع التحفظ الرسمي الذي أبداه بعض المسؤولين الاوربين بسبب أيديولوجية النظام الجديد، إلا إن الموقف الاسرائيلي يحتاج الى تأكيد على إنها ليست معادية للنظام الجديد بل هي إنتهزت الفرصة لتحطيم قدرات الجيش السوري النظامي بعمليات قصف جوي دمرت كل القدرات اللوجستية للجيش، وقامت بإحتلال المزيد من الاراضي السورية، وهي عملية إذلال للنظام الجديد ـ الحليف وصولا الى خضوعه بالتمام والكمال لمشيئتها، وترافق ذلك مع خطوة الشرع بحل الجيش السوري والاستعاضة عنه بمليشيات جبهة تحرير الشام وحليفاتها، وعلى الصعيد الدولي كانت العقوبات الدولية السلاح الاشد الذي هددت به دول الغرب النظام الجديد لكي يتماشى مع رغبات القطب الاوحد وحلفائه الاوربيين، وحتى مع قرار ترامب برفع العقوبات تدريجيا فهو أيضا يلوح بإعادتها في حال الخروج عن المسار المطلوب وربما المرسوم له مسبقا.
أما على الصعيد الداخلي السوري فقد ظهرت جليا رغبة النظام الجديد بالهيمنة المطلقة على كل مقدرات سوريا ولا سيما ما تمتلكه مكونات سوريا المختلفة من إمكانيات عسكرية وإقتصادية، فكان شعار الدولة المركزية الذي يخفي رغبة كتم حريات القوميات والطوائف الاخرى خضوعا لنهج السلطة الجديدة بما تحمله من فكر إقصائي وإرث ميليشيوي، فجاءت الاعتداءات على بعض رجال الدين المسيحيين وحرق كنائس وشجيرات عيد الميلاد ومن ثم المعارك الطاحنة في الساحل الغربي ومحافظة السويداء وبعض المناوشات المسلحة مع قوات (قسد)، كلها مؤشرات واضحة على رغبة النظام بكسر شوكات الجميع، وإقترنت بدعوة الشرع لحصر السلاح بيد الدولة دون أية ضمانات ولا مراعاة للأوضاع الخاصة التي تعيشها مكونات الشعب السوري .
لقد وصل الشرع الى السلطة ومعه بعض القنابل الموقوتة أهمها الاجانب المنضوين تحت ألوية الميليشيات المختلفة ورغبة الشرع العلنية بمنحهم الجنسية السورية، وأيضا فإن أغلب نزلاء مخيم (الهول) لا يرغبون بالعودة الى بلدانهم ولاسباب شتى (من بينهم أكثر من خمسة عشر ألف عراقية وعراقيا) وحصلوا على وعد من الشرع بتوطينهم داخل سوريا بعد الانتخابات المزمع إجرائها في شهر أيلول (سبتمبر) القادم ، فكل هؤلاء سيكونون بالتأكيد مدينين لنظام الشرع بالولاء المطلق ويشكلون جنودا فدائيين تحت رغبته متى ما يشاء.
لكن الاخطر من كل هذا وذاك الاتصالات الرسمية العلنية مع إسرائيل ولقاءات على مستويات متقدمة بين مسؤولي الدولتين، وما تحمله تلك العلاقات من إرث تعاون سترتيجي سابق لوصول الشرع للحكم، ستؤدي حتما الى إقامة معاهدة بين الدولتين لكني لا أظنها ستكون مجرد معاهدة تطبيع أو سلام كما فعلت دول عربية أخرى بل ستكون معاهدة تعاون ستراتيجي قد ترتقي الى معاهدة دفاع مشترك، وهنا ستبرز بشكل أكبر أهمية وصول الشرع الى سدة حكم سوريا.