|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  3 /  10 / 2020                                         ﺸﻪﻤﺎﻝ عادل سليم                                كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

وصية النصيرة الشيوعية مهاباد حمه رشيد هورامي

تَّرْجَمَة و إِعْداد : شه مال عادل سليم
(موقع الناس)

المقدمة :

نصيرات الحزب والوطن :
بعد الحملة الشرسة التي قامت بها السلطة الدكتاتورية واجهزتها الاخطبوطية القمعية عام 1978 ـ 1979 لتصفية الحزب الشيوعي العراقي اضطر المئات من خيرة بنات و ابناء شعبنا العراقي بعربه وكورده وتركمانه ومسيحييه وصابئته من اعضاء الحزب اللجوء الى مناطق امنة والانتقال الى العمل السري والانصاري بعد استحالة بقائهم في المدن والنواحي والاقضية دون التعرض لخطر الابادة والتصفية الجسدية .

و استطاع قسم من رفيقات ورفاق الحزب ان يهربوا إلى بقاع الدنيا حسب ما استطاعوا كخطوة اولى ومن ثم التحقوا بصفوف انصار حزبهم في جبال كوردستان الشماء وخاصة بعد ان لبوا نداء الحزب ثم طلبه في العودة إلى كوردستان والمشاركة في حرب الانصار بعد ان تقرر رسميا تبني الكفاح المسلح كاسلوب رئيسي في النضال من اجل الاطاحة بالنظام الدكتاتوري في عام 1981 . رغم ان تاريخ تشكيل أول مفرزة شيوعية انصارية يعود الى عام 1979 .

وضمن مقدمة هذه النخب والمجاميع البارتيزانية ، تقدّمت نصيرات شيوعيات طليعيات ، اللاتي لبّين نداء الحزب بروحية جهادية عالية ونكران ذات كبير.وكرسن حياتهن من اجل سعادة وحرية شعبنا وخاصة بعد ان اكمل قسم منهن دراساتهن الجامعية حيث وصلن إلى كوردستان مع مجاميع وجبات من الانصار كانوا اصحاب شهادات وكفاءات عالية بعد تخرجهم في معاهد وكليات ارقى دول العالم والبعض منهن رجعن إلى كوردستان ولم يكملن دراستهن واكتفين بدورات عسكرية في معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وفي دول عربية اخرى و غيرها.

خلال فترة الثمانينات وصلت مجاميع كبيرة من الفدائيين والفدائيّات إلى ارض الوطن بعد ان قطعن مسافات طويلة وعبر طرق واراضي دول مليئة بالمخاطر,حيث كانت عملية عبور ايّ من الحدود تستغرق اسابيع وشهور سيرًا على الاقدام لان الحركة كانت في الليل فقط …

ومع وصول النصيرات إلى ارض الوطن ارتدن الزي الكوردي الرجالي (كورته ك وشه روال) وحملن السلاح جنبا إلى جنب رفاقهم الانصار. فظهرت ولاول مرة في تاريخ حركة الكفاح المسلح في كوردستان عشرات من الفدائيات الشيوعيات وهن مدججات بالسلاح يعملن بجد واخلاص وتفاني في صفوف الحزب الشيوعي العراقي من اجل الاطاحة بالنظام الدكتاتوري واحلال البديل الديمقراطي ,اضافة إلى اللواتي لعبن دورًا بارزًا في استنهاض الجماهير في كوردستان وفي انتفاضاتها اعوام 1982 ,1984 , 1987 وانتفاضة اذار 1991 .

اول ما قامت به النصيرات البطلات كان مساعدة اهالي تلك القرى القابعة في اوقيانوس الاحزان ,في اعادة بناء ما خربته القنابل والصواريخ والكاتيوشات التي كانت تمطر عليهم اكثر من مطر وثلوج الشتاء .

نعم فالنصيرات او الفدائيات الشيوعيات ساعدن اهالي القرى في بناء ما دمرته الحروب وانفالات الحكومات العراقية المتعاقبة من البيوت و المدارس .

وبالاضافة إلى مهماتهن الكثيرة والمتعددة قمن على سبيل المثال لاالحصر : باعطاء وتقديم الارشادات الصحية لاهالي القرى وفتح دورات لمحوالامية ,حيث ولاسباب معروفة لنا جميعا حرمت هذه المناطق والتي سميت بمناطق (المحظورة) من حق التعليم والصحة والخدمات الرئيسية والخ.

كانت النصيرات يترددن على القرى للأطمئنان على مرضى العوائل ويقدمن لهن المشورة والنصائح وطرق الوقاية من الامراض التي كانت منتشرة في المنطقة وكن يساعدن ايضا النساء الحوامل عند الولادة ويقفن بجوارهن ويقدمن لهن كل المساعدات الطبية ومن خلال تلك العلاقة الودودة بين النصيرات واهالي القرى تعلمن اللغة الكوردية كطريقة للتفاهم المباشر وخاصة بين النصيرات اللاتي عملن في مجال الصحة (الطبيبات , الممرضات ، الخريجات) ,حيث وبفترة قياسية قصيرة ذاع صيتهن بين القرويات واصبحن محل التقدير والفخر والاعتزاز.

ومن هذا المنطلق عرفت كوردستان وشعبها اسماء لامعة ونجوم ساطعة في سماء النضال والتحدي والمقاومة .

كانت النصيرات ينتقلن من مقر لأخر ويقمن بالواجبات العسكرية رغم الظروف القتالية الصعبة وقساوة الطقس في كوردستان وكان لاغلبهن دورا متميزا في التنظيميات النسوية بالاضافة إلى القاء المحاضرات والندوات وايضا توزيع النشرات والجرائد والادبيات الحزبية اثناء نصب سيطرات الأنصار على الطرق والشوارع الرئيسية في عموم مناطق كوردستان والدخول إلى عمق اراضي التي كانت تحت سيطرة ازلام النظام البائد بجانب رفاقهم الشجعان ,فمن اولئك الفدائيات البطلات نستذكر هنا النصيرة الشيوعية البطلة (مهاباد حمه رشيد هورامي) المعروفة بالنصيرة (تانيا) .

(وصية عمرها 37 سنة)

كتبت النصيرة الشيوعية (مهاباد رشيد هورامي) المعروفة بـ( تانيا ) وصيتها بعد انسحابها مع رفيقاتها ورفاقها عبر جبل قنديل إلى المجهول اثناء تعرض مواقع الانصار التابعة للشيوعي العراقي في (قرناقاو وپشت ئاشان) إلى هجوم شرس ودموي من قبل مقاتلي الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة نوشيروان مصطفى ..

ومن الجدير بالذكر ان النصيرة الشيوعية (مهاباد) هي بنت الرفيق الشيوعي الخالد والمربي الفاضل (حمه رشيد هورامي) ...

تقول النصيرة (مهاباد) في وصيتها المكتوبة بخط يدها : (جلست بصحبة الرفيقة (تريسكة) للاستراحة على حافه غدير الماء , أخرجت ورقة من جيبي لأدون وصيتي هذه :

(طريقنا صعب وشاق ومليء بالمخاطر , لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحدث لنا اليوم.
رفيقاتي و رفاقي : اود ان اصارحكم واقول لكم : احبكم جميعًا دون استثناء ..ولم افرق يوما بين الكوردي والعربي والهورامي والتركماني والايزيدي والصابئي المندائي , وكل الذين جمعهم الحزب من كل زوايا الوطن ..

رفاقي في النضال , رفاق درب الشهداء (فهد وحازم وصارم وسلام عادل وصحبهم الكرام) كلكم احبة واعزاء على قلبي .. يجمعنا هدفٍ واحد ومصير واحد وطريق واحد , نتقاسم الحلو والمر,الجوع والعطش ,الحروالبرد,التعب والانتصار واللانكسار .. نتقاسم اللهفة، والخوف، والأمل .

اوصيكم يارفاقي , حين اموت ,واصلوا المسير ولاتتوقفوا, ضعوا جثتي على صخرة في اعالي الجبل و غنوا لي نشيد ميلاد الحزب (31 اذار) (1) , ثم واصلوا المسير , روحي فِداء التراب الذي تمشون عليه ....

وإرضاء لروحي بعد موتي , لا اريد ان تدفنوني تحت التراب , اتركوا جثتي في العراء لتلتهمها النسورالجبلية و تُحَلِّق بي إلى الافق البعيد...

اتعرفون لماذا ؟

لانني اريد ان اُحلق مع النسورفي سماء وطني واحوم حولكم واتابع مسيركم وانتصارتكم وافراحكم .

واذا صادف احدكم والدتي وسألتكم عن قبري , قولوا لها: انها تُحَلِّق مع النسور, ارفعي راسكِ إلى السماء وانظري اليها , فهي تُحلق فوق راسكِ.
قولوا لها : لا تبكي ولا تذرف الدموع ولا تحزن , ابنتكِ خالدة لاتموت ..
رفيقاتي ورفاقي : في النهاية اكرر واقول : احبكم وأتمنى لكم التوفيق .. وأن تكونوا مرفوع الرأس والجبين وان تستمروا في النضال حتى تحقيق الهدف المنشود (وطن حر وشعب سعيد) ..

(بكيت بحرقة) ......

تستطرد النصيرة مهاباد في وصيتها قائلة :
بينما انا غارق حد النخاع في خيالي , سألتني الرفيقة (تريسكة) : ماذا تكتبين ؟
ـ قلت لها : وصية مماتي ..!!
قالت : ايتها المغفلة , عن اي موت وعن اي وصية تتحدثين ؟ لم نمت اثناء انسحابنا عبرجبل قنديل فيما الرصاص يغطي طريق انسحابنا ,نجونا من غدر كمائن قوات (اوك ـ الاتحاد الوطني الكوردستاني) و صواريخ المدافع في (خانة و سيلوي) , تعرضنا لاقسى واصعب الظروف ولم نمت , بعد اجتياز كل هذه المصاعب ـ تخافين وتفكرين الان بالموت ؟
قلت لها : لا اخاف من الموت أبدًا , الا انني فكرت الان بان اكتب وصيتي .
قالت : أذن هل لديك صورة لنصمم لكِ بوستر بعد موتكِ؟
ـ قلت لها : نعم , صورتي موجودة عند الرفيق النصير (حسن خدر) (2) التقطناها مع عائلتها في (پشت ئاشان) , واذا لم تحصلوا عليها , فللحزب تشكيليين يٌصممون لكم ما تريدون .

ـ قالت : دعني أقول لكِ شيئا , على الرغم من اننا اصبحنا صديقتين مقربتين بل أختين تعرفنا على بعضنا منذ مدة قصيرة , ولكن أفهمكِ جيداً وأفهم ما يدور بداخلكِ وكأنني أعرفكَ منذ زمن طويل , فمن اللحظة الاولى تقاسمنا الحلو والمر والفرح والحزن , تقاسمنا الضحك والبكاء , كنا نبكي ونحزن بحقّ على رفاقنا الذين فقدناهم على طول الطريق , وفي بعض المرات كنا نتخاصم ولكنها كانت مشادات نبيلة ... قل لي ماذا افعل حين تموتين ؟
ـ قلت : لاشيء
ـ قالت : تموتين وتريدين ان لابكي عليكِ ؟
ـ قلت :اذن اغمري راسكِ بالطين ـ البكاء وحده لايكفي ...!!
ـ قالت : يا للهراء ...
ـ قلت : انا اخترت طريقي بمحض إرادتي الكاملة وكنت اعلم جيداً بانه طريق شاق ,طويل و مليء بالتضحيات والمخاطر .
ـ قالت : رفيقية (تانيا) كم انتِ شجاعة ...ولكن ارجوكِ لا تتركيني وحدي بين ركام الهموم ، أنتِ تعرفين جيداً مدى احتياجي إليك ...لاتموتي ...!
ـ ضَحكنَا بصوت عالٍ...
وبينما نحن جالسين , وصل إلى اسماعنا صوت احدهم يصرخ من بعيد ويقول : هيا استعدّوا للحركة ...!
وبعجالة كتبت :
امامنا طريق طويل وصعب .. ولا نعرف إلى أين يريدون أن يقودونا ..؟)

 

التوقيع ( تانيا ـ م ـ هـ )
1983
 

(1) نشيد لميلاد الحزب الشيوعي العراقي باللغة الكوردية , وهو نشيد ذائع الصيت (31 ئاداری نەمر جەژنی کارگەران / 31 اذار الخالد ـ عيد شغيلة اليد والفكر) .
(2) الصورة التي تتحدث عنها النصيرة (مهاباد ـ تانيا) في وصيتها , هي الصورة المرفقة بالمقالة .

* (ملاحظة : يمنع نشر او نقل هذه الشهادة او اي جزء منها بأي وسيلة من الوسائل الورقية او الالكترونية إلا باذن مسبق من الكاتب)


 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter