| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 15 / 1 / 2026 صبيح الزهيري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
دور الوعي في صناعة تاريخ الشعوب /العراق نموذجا
صبيح الزهيري
(موقع الناس)ترى الماركسية وانطلاقا من قوانين الديلكتيك ان التاريخ يسير في تطوره على سكة تطور الوعي الاجتماعي الناتج من تطور القوى المنتجة للخيرات المادية وهذا الوعي هو الذي ينتج حركة الرفض الاجتماعي و الذي يؤدي الى التغييروالذي طالما يغلف باغلفة لا مادية مثل الدين و العزة القومية و القبلية و المتمسكة بوعي ماضوي تجاوزه قطار التطور الحضااري الصاعد.
وكما هو معلوم فان الوعي لايسير بخط مستقيم بل يسير بشكل متعرج او لولبي وليس غريبا ان نرى ان الوعي التقدمي قد يتراجع تحت ظروف معينة تشبه النكسة و لكن هذه الحالة هي حالة مؤقتة تاريخيا ذلك ان التطور يسير دوما من الاسفل الى الاعلى وهذا ما يرعب القوى الرجعية و المحافظة .
وهذا ما حدث بالعراق على سبيل المثال قبل و بعد ثورة14 تموز 1958
فقد تصاعد الوعي الاجتماعي بشكل سريع و ملفت للنظر منذ الحرب العالمية الاولى بفعل نتائج الحرب العالمية الاولى و قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917و التي من ابرز نتائجها انها ايقضت شعوب المستعمرات الكولنيالية وجعلتها تطالب بالاستقلال وهذا ما حدث بالعراق.
مرحلة تصاعد الوعي الحداثوي بالعراق
بدات بوادر هذا الوعي تظهر منذ بداية القرن القرن العشرين حيث ظهرت بوادر حركة وطنية عراقية سميت بثورة العشرين طالبت باستقلال العراق وتوجت ذلك الطموح و المطالب بثورة شعبية عامة ساهمت بها كل قطاعات الشعب الامر الذي جعلها تظفر بتكوين دولة اسمها العراق ثم عززتها بجملة فعاليات وطنية و طبقية فنجحت في ظهور نقابات و احزاب وطنية على راسها الحزب الشيوعي العراقي و اردفتها بانتفاضات شعبية مثل وثبة كانون و انتفاضة 1952 و معركة كاور باغي و اضرابات عمال البصرة و الشعيبة و الحبانية و انتفاضة الايزيج الفلاحية في ريف ميسان و انتفاضة الفلاحين في كل من الناصرية و كردستان ثم ختمتها بثورة 14 تموز علم 1958 وقد مثلت ثورة تموز قمة وعي الشعب العراقي في القرن العشرين.
ثم بدأ العد التنازلي على يد مخطط اعدته الامبريالية و على مراحل و تحت شعار (اعادة الحصان الجامح الى الاسطيل) و اوكل التنفيذ الى القوى الرجعية المحلية و الاقليمية وتم التنفيذ على مراحل امتدت لاربعة عقود وانتهت باحتلال العراق ثم تسليم السلطة الى عملاء الامبريالية و حثالات المجتمع العراقي .
فقد بدأ المخطط باسقط ا ثورة تموز بانقلاب دموي لغرض ابادة طليعة الثورة وقادتها بعد ذلك اغراق البلاد بالانقلابات ا العسكرية و احياء الافكار و الايديولوجيات الرجعية و المحافظة مثل العشائرية و الطائفية و الانفصالية وكانت للمرحلة الثالثة هي:
الاحتلال المباشر ثم تسليم السلطة الى القوى الرجعية و المتخلفة و الفاسدة
بعدما جوعوا الشعب و اذلوه ايما اذلا بواسطة الحصار الاقتصادي و الحروب المفتعلة و الابادة الجماعية لكل القوى الوطنية و الديمقراطية وقد شرعنوا عملهم هذا بدستور ملغوم كاداة تشريعية لزرع الطائفية و الاثنية و العشائرية و المحاصصة ومسخ كل حس وطني و ديمقراطي وقد تجلت مثالبه الخبيثة في فرض اسلوب النظام البرلماني(الخدعة) غير المناسب لظروف العراق حيث الاقتصاد الريعي و الذي يعتبر الرحم الذي ينتج الفساد بكل انواعة و كذلك واقع العراق الاجتماعي حيث افرازات الحصار الاقتصادي ايام الدكتاتورية و الذي اذل الشخصية العراقية و خفظ وعيها الوطني و الديمقراطي وساعد في تصاعد النزعات الاثنية و العشائرية و الدينية و الطائفية .
فالمعروف في علم السياسة ان لنظام البرلماني نظام حكم عالي التطور و يحتاج الى شعب بمستوى تطوره وهذا غير موجود بالعراق ولذلك فشل فشلا ذريعا في العراق .
تشخيص المرحلة الحالية :
اعتقد ان العراق لا يمتلك مقومات الدولة الحديثة واعتقد ان الوصف الذي ينطبق عليها هو انها :- كيان شبه دولة بيروقراطية ثيوقراطية هجينة وراسمالية اوليغارشية ومشوهة الى حد الثمالة.
الادلة المادية بعدم وجود دولة حديثة العراق :
1- اذ لا توجد دولة بالعالم لها رئيسان وجيشان و علمان و ميليشيات مسلحة تنوب عن الدولة في تسيير امور المجتمع و يحكمها نظام محاصصاتي و مصنفة عالميا كواحدة من بين ثلاثة دول اكثر فسادا بالعالم .
2- كذلك لا توجد دولة بالعالم تسمح للدول الاخرى باختراق سيادتها و تستولي على اراضيها و مؤانئها و تقيم قواعد للاجانب غلى اراضيها كما في العراق الان .
ولا توجد دولة بالعالم تسمح بتدخل الدول الاخرى في شؤنها الداخلية وتجعل حدودها مفتوحة لدخول و تغلغل الاجانب في اراضيها او يقيمون قواعد عسكرية على اراضيها و يتسلل الاخرون الى مؤسساتها الرسمية و الامنية بدون رقيب كما في العراق.
3- ولعل من اساسيات بناء الدولة الحديثة ان يكون لها برنامج اقتصادي يستند الى مبدا التصنيع وكهربة البلاد ومد الطرق المواصلات الحديثة فيه وبناء مستلزمات حفظ الثروة المائية و خصوبة التربة و خلق السوق الوطنية الواحدة و حماية الانتاج الوطني و تطويره و تنوع الاقتصاد وديمومة هذا التنوع وليس ما يرد له من بيع النفط الذي هو افة التخلف و التبعية و الركود و الرشوة و كل انواع الفساد وكل هذه المسميات غير موجودة بالعراق.
4- كذلك من شروط وجود الدولة الحيثة ان يكون لديها مؤسسات نقابية و مهنية واحزاب سياسية وطنية ذات برامج تنموية وبعيدة عن اي توجه ديني او طائفي او قومي وكذلك صحافة حرة وملاعب رياضية و مسارح ومؤسسات خاصة للبحث العلمي و الادبي و الفني وان تتمتع جامعاتها العلمية بالاستقلالية الكاملة وبعيدة عن التسييس و المتاجرة بالشهادة العلمية ويكون للدولة الحديثة مؤسسات مصرفيةحصينة و بنك مركزي مستقل وبعيد عن توجهات السلطة التنفيذية وان يكون لديها جهاز مركزي يشرف و يتابع وضع السلطة التنفيذية وحاصة متابعة ظواهر الفساد الاجتماعي و الاقتصادي وكل هذه المسميات غير موجودة بالنظام العراقي القائم ولذلك لا يمكن اعتبار العراق دولة حديثة بل شبه دولة او دولة المسخ وقد نتج عن كل ذلك ان تمسخ شخصية المجتمع العراقي بشكل مرعب وتحوله الى ما يشبه قطيع فاقد الهوية و الامل و تحولت غالبيته الى مجرد قطعان جائعة و متامرة على بعضها ومنافقة ومغسولة من الوعي وولاء بعض سكانها للاجنبي بشتى اصنافة وتعشعش في صفوفها الخرافة و الاسطورة بدلا من العلم مما يجعلها بعيدة بمسافات عن ركب الحضارة العالمية الحديثة .
اذن بعد هذا الاستعراض السريع هل يمكن انعاش الوعي الوطني مرة اخرى ؟
لغرض مناقشة هذه الموضوعة علينا ان نقر بان الوعي هو بناء تراكمي يحتاج الى ظروف مادية على الارض و زمن كاف لغرض الاختمار .وهنا تلعب العوامل الداخلية بالتكامل مع العوامل الخارجية الدور المطلوب .
وفي ضمن الوضع الدولي و الداخلي القائم هنالك تداخل و اتمتة وتشابك بحيث ادى الى جعل العراق جزا لا يتجزا من الصراع الدولي القائم و المشحون الى حد الانفجار و الذي هو افراز طبيعي للازمة العامة للنظام الراسمالي .
وهنا يأتي دور التيار الوطني و خاصة التيار اليساري ان يعمل لترجيح كفة العوامل الداخلية الخاصة بالتغيير وهي مهمة صعبة طبعا و لكن ممكنة لكنها تحتاج الى عقل سياسي جديد وبعد نظر زمني ليس بالقريب و استعداد كاف للتعامل مع المفاجئات الداخلية و الخارجية .
ولعل من الاسباب التي تعجل في تقريب ساعة الخلاص هو تفاقم ازمة النظام الحالي المتخلف و الذي بدت عليه علامات التعفن وبشكل متصاعد باتجاه مرحلة التفسخ ، ولذلك نستطيع ان نذكر بعض الاشتراطات التي يمكن ان تقرب من لحظة انهياره وهي كالاتي:
1- النضال الجاد من اجل تصنيع البلد باقصى سرعة كي يجعل البلاد تساير حركة التطور العالمي الجارية وتجعل من الصناعة العراقية هوية خاصة للمجتمع العراقي و سدا منيعا امام التدخلات الاجنبية في شؤؤن العراق من باب الاقتصاد .
2- و لعل مسالة اصلاح الدستور الحالي تعتبر من ابرز وسائل اصلاح العملية السياسية وخاصة في مواده الخاصة بدين الدولة.
فكيف يكون للدولة دين وهي مجرد خيمة لجميع الناس على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم و انتماءاتهم الفكرية في بلد كالعراق الذي يحوي كل انواع الافكار و الايديولوجيات و المعتقدات و التي يرجع بعضها الى صدر بناء الحضارة الانسانية.
3- وكذلك اجتثاث مصطلح المكوانات من العقل الجمعي الاجتماعي لانها الرحم الذي افرز كل الامراض الاجتماعية و السياسية و الفكرية المتخلفة وكل الفساد الاجتماعي وكل انواع المحاصصة المقيتة و الفساد و الانشقاقات الاجتماعية و العزلة و التقوقع .
4- كما يجب الترويج لمصطلح العدالة الاجتماعية لانه -غاية بالاهمية ومادة اساسية في كل برنامج سسياسي او اجتماعي.
5- الكفاح الايديلوجي والذي يقتضي القيام بحملة فكرية و تنويرية ضد الافكار و الايديولوجية الغيبية و الخرافات و الاساطير و القيم العشائرية و الطائفية و الافكار القومية الانفصالية و الفاشية و الانعزالية وفضح جذورها الطبقية و المستفيدين منها وابراز دور العلم و التطور الحضاري و الفلسفات التقدمية ويعتبر هذا المحور غاية بالاهمية رغم صعوبته في مراحله الاولى و لكنه ممكن التنفيذ بسبب وجود التكنولوجية الحديثة و وسائل التواصل الاجتماعي و الانترنيت وحتى الذكاء الاصطناعي.
كما ان الترويج للوحدة الوطنية وجعلها على راس برامج القوى الوطنية بكل فصائله وفضح خطر كل التوجهات العشائرية و الاقليمية و الدينية و الطائفية باعتبارها معاول لهدم الدولة العراقية المنشودة و المجتمع العراقي صاحب التاريخ الحضاري المديد.
6- المحور التربوي و التعلمي حيث يجب ان يكون التعليم في خدمة التمية المستدامة ولذلك يجب تخليص المدرسة و الجامعة العراقية من الافكار و المقولات الماضوية الفاسدة و الضارة و الكاذبة وكل ما له علاقة بقولة (قال الراوي) ومن الضروري جدا غلق مدارس و جامعات التعليم الاهلي كونها مؤسسات فاسدة واسواق لبيع الشهادات العلمية المزورة. وكذلك اعطاء اهتمام استثنائي للابداع الفني و الادبي و الفكري و الرياضي وذلك بانشاء الؤسسات التي ستحتضن تلك الفعاليات.
كما يجب ايلاء اهمية كبرى للشباب و احتضانهم و تغذيتهم بالافكار الوطنية و الديمقراطية وتخليصهم من عفن الخرافات و الاساطير الي تعشعش في اذان بعضهم.
و بالنسبة للحزب يجب ان يقر بانه الاب الروحي للوعي العراقي و المحرك الاساسي للعملية النضالية و تطويرها و الحصن المنيع للدفاع عن قضية الطبقة العاملة و عموم الكادحين و التقدميين و الاب الروحي لكل اليساريين و التقدميين وعليه احنضانهم جميعا و التعامل معهم بمرونة علمية ويجب الاقراربمقولة بان الحزب الشيوعي وجد ليبقى طالما هناك صراع طبقي ومستغلين بفتح السين ومستغلين بكسر السين ولا يتاثير بالموجات و التقلبات السياسية الي يفرضها النظام الراسمالي المهيمن ذلك ان الحزب الشيوعي وجد ليبقى الى يوم بناء المجتمع الشيوعي و ليس لمرحلة محددة و لذلك فلا تهمه النكسات او التراجعات لان نظريته العلمية تعرف مقدما تلك العثرات و الانعطافات وتعتبرها ظواهر موضوعية مؤقتة في مسيرة التاريخ الانساني المديد.
و لعل اول عمل نضالي ضروري هو توحيد الحزبين الشيوعيين العراقي و الكردستاني تكون اولولية رقم واحد لدى الحزب وعقد مؤتمر استثنائي له باسرع وقت ممكن
8/01/2026