|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأثنين  7  / 7 / 2014                                 سعد السعيدي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الفساد وانعدام الكفاءة في الجيش العراقي
قصة انهيار اللواء التاسع حدود

ترجمة : سعد السعيدي

عين التمر العراق - المنظر البائس في قلعة الاخيضر القديمة يروي قصة قوات حكومية في حالة من الفوضى العميقة. حيث يتواجد العشرات من الرجال المحبطين الذين يقضون اليوم بالنوم على أرضيات من الحجر المترب.

حتى أواخر حزيران / يونيو، كان حصن القرن الثامن هذا الواقع في جنوب العراق الشيعي موقع للسياحة والتراث. الآن وجدت بقايا اللواء التاسع حدود مأوىً ضمن جدرانه.

لم يكن لهؤلاء الرجال من واجبات ملحة ، حتى في اوقات الضرورة القصوى في العراق. بدلا من ذلك وعلى مسافة اكثر من 300 كيلومتر من المواقع التي كلفوا بالدفاع عنها ، يتجمعون حول الزوار ليرووا قصة تراجعهم المخجل.

"لقد جرى بيعنا ، إنها خيانة"، قال احد الجنود. يهز حشد من زملائه من حرس الحدود رؤوسهم مؤيدين. "الكل هنا كان على استعداد للقتال".

رواية جنود اللواء التاسع من حرس الحدود العراقي ، التي أكدها مسؤول كان شاهداً على الكثير من أحداثها ، هو صورة لقادة عسكريين غير مؤهلين للقيادة فترة الحرب , ولسوء الإدارة وانعدام الكفاءة وفي النهاية الخيانة , تحت قيادة رئيس الوزراء نوري المالكي.

في مطلع حزيران حينما قام مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام باقتحام شمال العراق ، انهارت قوات الامن العراقية. وقد قام بعض الجنود وضباط الشرطة بالتخلص من زيهم العسكري وانسحبوا فجأة. بينما قبض على آخرين أو غيروا ولائهم.

لكن ما وصف في بعض الأحيان كجبن أو خيانة لدى الجنود لم يكن غالباً اي شيء من هذا القبيل , كما قاله افراد من قوات الحدود في المقابلات في الايام الاخيرة. وفي حالة اللواء التاسع على الاقل ، أصر منتسبيه عن أنهم كانوا راغبين في القتال. إلا انه جرى تقويض قدرتهم هذه من قبل القيادات العليا التي لم تقم بتوفير الماء والغذاء لهم ، مما تسبب في تخلي اللواء عن مواقعه وسط حرارة الصحراء الحارقة.

لقد خرج معبرين حدوديين مهمين هما القائم والوليد عن سيطرة الحكومة الشهر الماضي. وامست كذلك مساحات شاسعة من الصحراء المفتوحة على طول الحدود السورية خالية من دوريات حرس الحدود منذ انسحاب اللواء التاسع منها منذ أكثر من أسبوع , كما قال الجنود. وقد منح هذا الانهيار لداعش حرية الحركة عبر الحدود.

وتزعم الحكومة العراقية أن معبر الوليد قد عاد تحت سيطرتها. ويقول حرس الحدود انه سيتم إرسال المزيد من القوات عبر الصحراء لتعزيز نقاط الحدود قريبا.

لكن التجارب المريرة للواء التاسع كما رواها منتسبيها ، أظهرت الوحدة العسكرية وقد جرى تقويضها عن طريق المحسوبية بحيث انها لم تعد قادرة على القتال إلا لاقل من أسبوعين قبل أن تنحدر نحو نزاع داخلي قاتل.

ويروي أفراد الوحدات هذه بأن الانهيار كان شديد القسوة، خاصة لأنه بعد سنوات من التدريب والتمويل الغربي والتزام المجندين , فإن كبار الضباط هم من فشلوا.
وقد بدأت قصة الانتقال من مقاتلين جدد الى متمردين يائسين قبل ثلاثة أسابيع بعدما استولى مقاتلو داعش على الموصل وتقدموا بعدها نحو تكريت.

واللواء التاسع هو جزء من الفرقة الرابعة حرس الحدود المرابط في البصرة. بعد الدعوة لحمل السلاح ضد المتشددين السنة التي اطلقها آية الله العظمى علي السيستاني في 13 حزيران، احتفلوا ورددوا بأنهم سينتصرون. وحضر صحفيو البصرة العديد من الاحتفالات وكذلك اللواء علي وهام المالكي ، قائد الفرقة.

غادر اللواء البصرة في 14 حزيران في مهمة هامة لتعزيز القوات في القائم , كما ذكر ضباطها. وكان لدى الجنود الطعام والماء الذي كان بحوزتهم فقط. وكانت درجات الحرارة تقرب الخمسين درجة في النهار.

وقال العديد من الضباط بان النظام الذي اعتمدته وزارة الداخلية لتموين قواتها لا يناسب إلا فترة السلم. وكان فشله متوقعاً في الحرب. وقد ذكروا أنه يعتمد على عقود مع شركات اهلية لإيصال الإمدادات إلى الحاميات العسكرية الرئيسية. لكن بمجرد توجه شرطة الحدود إلى الأراضي الواقعة تحت نفوذ أو سيطرة المتشددين ، لم يتبعوهم مجهزي المؤونة هؤلاء.

يقول عقيد في شرطة الحدود طلب عدم الكشف عن اسمه "إن لم تكن الظروف جيدة ولا يتوفر هناك الأمان ، ترفض الشركة تقديم الماء والغذاء حسب العقد الموقع".

في 17 حزيران ، كان اللواء يتواجد في موقع حول القائم لقطع حركة تنقل مقاتلي داعش من وإلى سوريا. وكان طعامهم من الشحة بحيث انهم كانوا بالكاد يقوون على القتال. وقال الجنود انهم لم يكونوا يعطونهم إلا قطعة صغيرة من الكعك وما مقداره قدح واحد من الماء يوميا.

ويقول جنود اللواء ان معنوياتهم قد تدنت اكثر بعدما نفد الماء والطعام لدى وحدة أخرى في القائم. مما دفع اللواء لمشاركتهم مؤنهم الشحيحة اصلآ. علاوة على ذلك ، رفض السكان المحليون إبداء المساعدة. وكما قال ضباط اللواء ، إما لأنهم كانوا خائفين، او انهم لم يرغبوا في استثارة غضب المتشددين.

ومع قرب نفاذ مددهم تماماً ، غادر آمر اللواء العميد صادق رشيد عبد العال القائم لكي يشتكي إلى كبار الضباط , كما قال الجنود. إلا انهم لم يسمعوا عنه شيئآ منذ ذاك. وقال الجنود انه تم القبض عليه وقطع هاتفه المحمول. ورفض ضباط اركان اللواء إعطاء اية معلومات عن مكان قائدهم.

وقد تبرع عقيد بالقول بان آمر اللواء غادر لان لديه "شغل في بغداد". وقال المتحدث باسم الفرقة الرابعة بأن العميد عبد العال ما زال في عمله ، لكنه رفض توفير وسيلة للوصول إليه.

يوم 22 حزيران ، قال الجنود أنهم تلقوا أمراً مفاجئاً بالتخلي عن القائم والتوجه الى منطقة الوليد. وقالوا أنهم قد صعقوا من الامر لأن القائم كانت ضرورية للدفاع عن العراق.

انطلقت قافلتهم حوالي الساعة 5 فجرآ دون ماء أو طعام ، في رحلة تستغرق 11 ساعة عبر الصحراء والمناطق التي تحت سيطرة المتمردين خلال الأوقات الاشد سخونة في اليوم.

وقالوا انهم تعرضوا لكمين أصيب فيه أحد الجنود. وقالوا ايضاً ان ضباطهم قد ضلوا الطريق ، ولم يصلوا الوليد إلا بعدما التقتهم وحدة من الشرطة الاتحادية التي اوقفتهم لأنهم كانوا يسيرون في الاتجاه الخاطئ.

وقال الجنود انهم بعد وصولهم الوليد، وجدوا اللواء الرابع وتوسلوهم للحصول على الماء والغذاء.

في صباح اليوم التالي، قالوا انه ظهر اثنين من الجنرالات كل على حدة. احدهم كان قائد فرقتهم ، اللواء المالكي ، الذي كان يرافقه فريق تصوير بالفيديو. وقال عدد من الحاضرين بان اللواء حاول توزيع الماء لجنوده العطشى وتصوير العملية بنفس الوقت.

رفض الجنود ذلك وطالبوا بمعرفة لماذا لم يجر توفير المؤن لهم ولماذا جرى سحبهم من القائم. وقالوا بان البعض منهم تظاهروا بتهيئة اسلحتهم وصواريخ الآر بي جي للاطلاق ، وقاموا بطرد اللواء المالكي.

واللواء المالكي ينتمي لنفس عشيرة رئيس الوزراء. كان قد خدم سابقا في العمارة كضابط اعلى في قوات الامن العراقية. اقيل من منصبه عام 2008 بعد اتهامه ببيع أسلحة الجيش إلى ميليشيات جيش المهدي.

تم منحه قيادة جديدة بعدما تلقى مساعدة من الشيخ سلام المالكي عضو البرلمان واحد شيوخ عشيرة بني مالك، الذي رافق اللواء المالكي في العاصمة للضغط من أجل وظيفة له.

يقول الشيخ سلام المالكي , " قبل أربع سنوات، ذهبت معه لزيارة الفريق عبود قنبر الذي كان القائد العام لعمليات بغداد. وطلبت منه أن يمنحه وظيفة في الجيش".

وقال مسؤول مطلع على الاجراءات الخاصة بالالوية العسكرية بان اللواء المالكي يفتقر إلى المهارات والقدرة الشخصية على القيادة. وقال الضابط انه كلما حققت داعش تقدما ، كان اللواء مهتما بترتيب الاحتفالات الوطنية للتلفزيون أكثر من الاهتمام بتهيئة وحداته للمعركة أو ضمان توافر الغذاء والماء والوقود لهم.

واضاف المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لحمايته من الانتقام , ان "هذا القائد لم يدرك وقتها أهمية تلك العناصر. كان مهتما فقط بالمقابلات ليكسب سمعة لنفسه. انه يفتقر الى الخبرة ولا يتقبل أي نصيحة ".
لم يتسن الاتصال باللواء المالكي للحصول على توضيح. وقال أحد مساعديه الذي أجاب على هاتفه المحمول بان اللواء غير موجود. ولم يجب على الرسائل الموجهة اليه في وزارة الداخلية.

بعد زيارة قائد اللواء ، بدأ اللواء التاسع بالتفكك. فقد قام الجنود بركوب شاحناتهم وترك المنطقة كيفما اتفق وبفوضى تامة.

وقد هرب المالكي إلى موضع أسفل الطريق. وقامت مجموعة من الجنود بمطاردته الى هناك. وصاروا يتظاهرون خارج المبنى الذي اختبأ فيه وهم يطلقون النار في الهواء ، وفقا لاحد جنود الحدود الذي كان هناك.
وأضافوا أن مجموعة أخرى لاحقت قائد قوات حرس الحدود العراقي الفريق حسين العوادي إلى مقر تستخدمه وحدة لمغاوير الداخلية ، حيث حوصر هناك لفترة وجيزة. "كان الجميع يلعنونه ويهددونه بالقتل" كما قال ضابط صف ممن شارك في المواجهة.

ذهبت هذه المجموعة من فلول اللواء بشاحناتها الى كربلاء , كما يقول ، ليكتشفوا بأن الفريق العوادي قد اوهم القوات المكلفة بالدفاع عن المدينة بان داعش قد هزمت اللواء التاسع وستهاجمهم مستخدمين زي شرطة الحدود.
تبع ذلك مجابهة قبل ان تتمكن مجموعة شرطة الحدود من إقناع جنود السيطرة بانهم ليسوا من الإرهابيين.
"كنا على وشك أن نقتل عندما وصلنا حاجز السيطرة هذا". قال ضابط الصف. "كنا قريبين جدآ من الموت."

بمجرد دخولهم كربلاء، قام جزء من جنود اللواء باعادة تشكيله. ودعتهم السلطات المحلية بالانتقال إلى مصنع الأسمنت والقلعة.
وفقط بعدما قام مراسل قناة الحرة ببث تقرير عن هذه القوات"، على حد قول الجنود ، حتى بدأوا بتلقي إمدادات كافية تبرع بها سكان عين التمر وكربلاء.

"أعطاهم الناس دعمآ معنويآ" قالت المراسلة إيمان بلال "، ودعوهم للحصول على قسط من الراحة."

 

النيويورك تايمز
1 تموز 2014
 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter