|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  5  / 11 / 2020                                 سعد السعيدي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ملاحظات مهمة حول التهيئة للانتخابات القادمة

سعد السعيدي
(موقع الناس)

لا يشك اثنان حول اهمية الانتخابات النيابية القادمة واهمية التعبئة الجماهيرية لها مع التطورات الكبيرة التي حصلت في العراق منذ الانتخابات السابقة واندلاع انتفاضة تشرين. وتمثل هذه الانتفاضة انتصارا كبيرا للقائمين بها ولمجموع الشعب العراقي كونها قد فرضت تغييرا كبيرا في الاحداث. فقد اسقطت الحكومة السابقة وفرضت تحديد اجراء انتخابات مبكرة واجبرت مجلس النواب على تغيير اولوياته نحو الاستجابة لمطالب المنتفضين. لهذا ومن باب حرصنا على إنجاح هذه الانتفاضة ولكي تعطي ثمارها ولقطع الطريق امام مناؤيها نقدم هنا بضعة ملاحظات نراها مهمة..

يعرف الجميع بان كامل نظام الانتخابات محرف عن اهدافه ولا يسير كما يجب مما يرى مع كل انتخابات وفيه تعقيدات غريبة لم تعالج منذ زمن. إن تكرار اللجوء الى استخدام البطاقة التموينية مع وثائق اخرى لاثبات الهوية هو سوء ادارة وسوء تنظيم شديدين للنظام الانتخابي. هذا الاستخدام المتكرر للوثائق المتعددة قد تحول بمرور الزمن الى تكاسل من قبل السلطات وتقاعس عن تحسين الاجراءات وتبسيطها للناخبين. والتكاسل والتقاعس هما ليسا إلا تسميات اخرى ملطفة للفساد وتعقيد اجراء الانتخابات. وكان يجب ان تكون هناك بطاقة هوية واحدة تستعيض عن كل الباقيات مع ورقة انتخاب واحدة. سنأتي على هذه الامور ادناه. البطاقة البايومترية التي يطبل لها كبطاقة انتخابية هي وسيلة غالية الثمن تشكل تبذيرا غير معقول لموارد الدولة الشحيحة اصلا. وكان يجب الانتباه الى ان وفرة الاموال لا تعني باي حال من الاحوال هدرها على خيارات باهظة الثمن مثل هذه البطاقة. وباعتقادنا انه لم يلجأ الى خيار هذه البطاقة الباهظة بهدف خدمة العملية الانتخابية والقضاء على التزوير كما يشاع على العكس ، إنما لغرض تأخير توفيرها للمواطنين كتعقيد اضافي على ما لديهم. واضافة التعقيدات الحياتية للمواطنين هو جزء من سياسة إلهاء وانهاك متعمدة. وها نحن نرى النتيجة في عدم اكتمال توفير هذه البطاقة للناخبين على الرغم من طرحها منذ سنوات كحل للتصويت في الانتخابات. فحسب اعلان المفوضية بتاريخ 28 ايلول 2020 لم ينجز من توزيع هذه البطاقة إلا لـ 10 مليون ناخب فقط من مجموع اكثر من 25 مليون اي 40 % !! ومن الاهداف الاخرى للجوء للبطاقة البايومترية الباهظة هو استخدامها كحجة لتأجيل الانتخابات او عرقلتها او حرمان بعض الفئات من العراقيين من المشاركة. يلاحظ في هذا المجال بانه لم يلجأ لحل ابسط وارخص يتمثل باستخدام الاوراق كما هو معمول في بعض البلدان مثلا. إذ تحتوي هذه على كافة معلومات الناخب وعنوان المركز الانتخابي الذي سيدلي به. وتحتوي على بضعة علامات لمنع تزويرها وتستخدم في يوم الانتخاب فقط حيث تسلم الى موظفي المركز لدى تدقيق الاسماء. نقول انه لم يلجأ لهذا الحل لانه بسيط وغير مكلف قياسا بالبايومتري. لكن السبب الاهم لعدم تبنيه هو لانه لا يوفر الاهداف التأخيرية ويقطع الطريق امام التعقيدات الفنية والسياسية الاخرى المراد تحقيقها اعلاه.
ايضا يتوجب وبالترابط مع عمليات التدقيق الجارية للرواتب المزدوجة والفضائيين تدقيق صحة صدور البطاقات التموينية.

في ما يتعلق بالدوائر الانتخابية المتعددة لاحتساب الاصوات تهدف هذه بشكل واضح الى تشتيت الاصوات وتخريب الانتخابات بعدما كانت طريقة سانت ليغو هي المعتمدة مع المحافظة دائرة انتخابية واحدة. فبعد اسقاط سانت ليغو وبهدف الحصول على نفس النتيجة بطريقة اخرى جرى تقسيم المحافظة الواحدة الى دوائر عدة حسب عدد ممثليها في مجلس النواب. وقد تظاهر المجلس على مدى اشهر ثلاثة بالصراع على اعداد هذه الدوائر وافتعال الخلافات المطولة حولها بهدف اضاعة الوقت بالتوازي مع الاعيب تحديد الجلسات والتحكم بالنصاب للوصول الى تأجيل الانتخابات. ولا ندري اي تعطيل وتأخير اخريين سيجري اللجوء اليهما عند الانتقال الى الامور الخلافية الاخرى بعد حسم امر هذه الدوائر. وكان يمكن الاستمرار باستخدام نظام سانت ليغو القديم مع تنظيفه من التعديلات غير المشروعة التي فرضت عليه. وطرق تخريب الانتخابات مع باقة العراقيل الاخرى هي مما لا ندري كيف فات امرها على ذوي المصلحة الاولى وهم العراقيين ومنتفضيهم دون القيام بدراستها لفرض تعديلاتهم هم عليها. فلما لم يعترض ذوي المصلحة كيف يراد منا الثقة بممثليهم المنتفضين لايصالهم الى مجلس النواب ؟

هناك امر آخر لا يقل اهمية في كل انتخابات ، وهو عمل المفوضية في التهيئة لها. كان يجب ايضا على المنتفضين القيام بانفسهم بمتابعة الطرق التي تتبعها المفوضية في اجازة الاحزاب. فـ 300 حزب مجاز حتى الآن حسب اعلان المفوضية آنف الذكر هو عدد غير منطقي في ضخامته وهو قطعا غير نهائي. وهو اعادة لما كنا قد نبهنا عليه في مقالة قبل الانتخابات السابقة حول محاصرة المفوضية للناخب بالوف المرشحين. هذه المحاصرة هي تخريب آخر متعمد لخيار الناخب الذي يعتمد على الوضوح في الانتخابات. فلما كان منتفضو تشرين يجهرون بعدم ثقتهم بالمفوضية لادارة الانتخابات لوحدها ، كيف وثقوا بها لتقوم بمنح اجازات الاحزاب فيما بدا من كونه حسب الرغبة والهوى وكيف سنثق بهم على هذا مرة اخرى لايصالهم الى مجلس النواب ؟ للعلم ففي بلدان الديمقراطيات المتقدمة في اوروبا مثلا تتراوح اعداد الاحزاب المشاركة بين 12 - 14 حزبا في كل انتخابات نيابية. ولا نعتقد بان الامر يختلف كثيرا في البلدان الاخرى. ونذكر بما طرحناه في مقالة لنا اخرى قبل سنتين حول البرامج الانتخابية وكيفية بمعيتها يمكن تمييز الاحزاب فيما بينها خصوصا العديمة التاريخ النضالي والمتشابهة الافكار. إن التثقيف بهذه النقاط هو من الامور الاساسية في بلدنا. نتعجب من النسيان البادي على المنتفضين حولها. وننتظر منهم التصريح بما ينوون القيام به حول هذه النقاط الاساسية والاعلان بوضوح كي يكون الجميع على بينة. يجب المحافظة على الزخم الذي تولد نتيجة المقاطعة في الانتخابات النيابية قبل سنتين والتضامن الجماهيري مع الانتفاضة بحيث يمكن ترجمة كل هذا الى نتائج على الارض ، اي في مجلس النواب ببرنامج واضح موحد متفق عليه.

من الامور الاخرى ذات الاهمية الكبرى التي يتوجب الانتباه اليها لتصحيح الانتخابات ومنع تكرار الخروق السابقة هو امر التصويت الخاص الذي هو تصويت القوات الامنية. إذ ما زالت وزارتا الداخلية والدفاع ملأى بالفضائيين. ولم نرى للآن ما يؤكد خلو هاتين الوزارتين منهم وفق اجراءات واضحة ولا يبدو ان ثمة احدا يريد معالجة هذه المشكلة بشكل جدي. وقد ظهرت تخمينات حكومية لاعداد الفضائيين في دوائر الدولة واجهزتها تراوحت ما بين الـ 50 الفا حسب تخمين وزير المالية علي علاوي الى الـ 200 الف فضائي حسب مصدر آخر !!! ولا يمكن عدم ملاحظة ضرب الرقم الاصلي للتهويل ، اي انها لا يعتمد عليها. والاكتفاء بالتخمين هو طريقة اخرى لاعلان عدم الجدية في معالجة الامر. وقد اكدت هذا النائب السابق شروق العبايجي ووزراء التي قالت بان ليس لدى الحكومة العراقية ارقام حقيقية للفضائيين. هذا يعني بان الانظمة العراقية وهذه الوزارات خصوصا ما زالت تعمل وفق منطق انعدام الاخلاص في العمل. يجب ان يعرف الجميع بان لا ضمان من اجراء انتخابات نزيهة مع وجود الفضائيين الذين هم وجه الفساد الاكبر. فهؤلاء هم آخر من له مصلحة بتغيير الواقع الحالي. ومع الفضائيين يوجد هناك المستفيدين من رواتبهم من الضباط الذين هم ايضا آخر من له مصلحة بالتغيير. وباضافة افراد الدمج المعدومي الولاء الى الفضائيين والمستفيدين ينتهي الكلام عن نزاهة الانتخابات. لذلك فمع غياب المعالجة الجادة لهذه الحالات ولتجنب هذا المستوى غير القليل من منسوب الفساد في الانتخابات لا بد من إلغاء التصويت الخاص. بموازاة هذا الاجراء يجب ايضا منع كامل حشد المتطوعين من التصويت حيث لا ندري إن كانوا يعانون هم ايضا من الفضائيين والفساد المرافق. كذلك فان ولاء هذا الحشد هو لبلد آخر يتطفل على بلدنا ويخنق اقتصاده خدمة لمصالحه. الغاء هذا التصويت يجب ايضا إلحاقه بعدم فسح المجال لكل هؤلاء بالتعويض في التصويت الشعبي العام.

وكان على ناشطي التظاهرات العمل بجد لانشاء الحزب السياسي وليس احزابا الذي سيدخل مجلس النواب لتحقيق الاهداف التي سقط من اجلها الشهداء والجرحى. فقد آن الاوان للقيام بهذا الجهد بعدما جرت اضاعة للوقت لم نرى خلاله اي شيء فعلي بهذا الاتجاه. ويجب من الآن تحديد الاهداف السياسية والاتفاق عليها. وبنفس الوقت استمرار الضغط على الكاظمي كي ينفذ تعهداته بلا مماطلة وتقاعس وتسويف.

إن انشاء حزب سياسي لا يتعارض برأينا مع التظاهر والاعتصام بنفس الوقت في الساحات. فالاعتصام هو البرلمان الشعبي الضروري لحماية الحزب الجديد وتصويب خطواته خصوصا مع وضعنا العراقي حيث لا يؤتمن السياسيون. وهو ليس فوضى إن احسن استخدامه. ويجب دائما تحسب حصول تبرم حكومي ونيابي من التظاهر الشعبي بحيث ترسل الشرطة للقضاء عليه. والاستمرار في التظاهرات والاعتصامات او انهائها هو امر يجب ان يبقى المنتفضون هم من يقرره بشرط استخدام الزخم الذي ولدته في انشاء الحزب السياسي والتثقيف الانتخابي. وعلى الاخص مع تواجد انصار الاطراف المقابلة بكثافة في البلد وتوافرهم على الدعم والمال السياسي. وما رأينا حدوثه هذه الايام من اخلاء لساحة التحرير في وسط بغداد بطريقة غامضة وبمعية شرطة النظام العراقي وصمت آخر لا يقل ريبة من لدن المنتفضين انفسهم يشير الى تخبط وتشتت للانتباه. إن اخلاء الساحة من المنتفضين مع الطريقة العنيفة التي جرت بها يشير الى نوايا حكومة الكاظمي. وكان يجب مع انخفاض مستوى اليقظة توقع حصول مثل هذه التطورات التي ادت الى هجمات لاحقة للشرطة ضد الساحات الاخرى الباقية في عموم البلد. نتائج هذا الارتخاء يجب ان تكون درسا للجميع مع العمل على عدم تكرارها.

لقد اخطأ منتفضو تشرين بترك مجلس النواب يحدد لوحده امر تنظيم قوانين الانتخابات وكذلك المفوضية. إذ كان عليهم المشاركة في تدقيق تفاصيل كل قانون مطلوب شعبيا حتى ولو من وسط ساحاتهم. فهل انهم قد تظاهروا لاجل فسح المجال لهذا المجلس بالاستمرار في التلاعب بمستقبل البلد ؟ إن من اكبر الكبائر الاكتفاء بطرح الامور بشكل عام وترك التفاصيل للآخرين ليحددوها كما رأينا. لم يبقى من الوقت الكثير ويتوجب الاسراع في القيام بما يجب بالاتجاهات التي ذكرناها اعلاه.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter