|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت   4  / 11 / 2017                                 سعد السعيدي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

دستور العراق... هو دستور تقسيم العراق
(1)

سعد السعيدي
(موقع الناس)

دائما ما يردد النواب والسياسيون باحتواء الدستور على الغام ، لكن دون ان يبادروا الى تكملة الجملة والقيام بتوضيح لما يقصدونه. ولما استنكف كل من هؤلاء من المهتمين بمصالحهم التجارية في اقليم الشمال وخارجه عن القيام بواجب التوضيح ، قررنا القيام به بانفسنا مما لفت انتباهنا من اعوجاجات في الدستور والغام ادت الى الضعف في اداء الدولة والتشرذم. لكن عملنا هذا لا يلغي مسؤولية اهل البلد الآخرين الذين كنا نتوقع منهم المبادرة قبلنا بالقيام بمثل هذا الجهد البسيط.

قبل الولوج في الموضوع نريد بداية التوكيد على ان كل ما يتعلق بالاقليم واحوال البلد هو شأن داخلي صرف. لذلك نتعجب من صمت العبادي ازاء الحرية التي تركت لكل من هب ودب لحشر انفه فيما لا يعنيه مثل الفرنسي ماكرون والامريكي تيلرسون. فيقومون بالاتصال برئيس الاقليم ويرسلون له المرتزقة ليشيروا له !! وهذا ليس إلا تآمرا على امن الدولة. لكن هل ان العبادي ومجلس النواب هما من يمكن الوثوق بهما لضمان الحفاظ على امن البلد ؟

نرى انه لم يكن يتوجب الموافقة على مبدأ الفيدرالية حسب مشيئة الاحزاب الكردية عام 2002 ، بل معارضته بكل قوة. ولما لم يتكرم احد لنا بشرح اسباب اللجوء الى هذا المستوى من التنظيم السياسي والاداري ، نستنتج من جهتنا بانه كان مخططا لاستخدامه كرافعة لابتزاز اقليم الشمال للمركز ومدخل لانفصال اية اقاليم اخرى يمكن خلقها بموجبه بعدما يجري حشره في الدستور.

كذلك فالدستور ليس لعبة يمكن التوقيع عليها لمرة ثم ركلها عرض الحائط مرة اخرى حسب المزاج. فلما كان الاكراد يريدون تقرير مصيرهم بمعزل عن العراق والاستقلال عنه ، فلماذا قبلوا بهذا الدستور ووقعوا عليه... ام انه رنين المال والحصة الدسمة من الميزانية ؟

ايضا لا يسع المرء إلا ان يقف حائرا امام المتملقين في امر الاستفتاء الكردي وما يسمى بحق تقرير المصير من سياسيي العراق ممن كنا نتصورهم على جهة الدفاع عن الحقوق الوطنية والاخلاص لوحدة البلد فرأيناهم يكررون وصف تجاوزات الاقليم بالمكتسبات ! كيف يمكن دعم تطبيق هذا الحق المفترض بمعية تلك التجاوزات على اراض تحتوي على نسبة كبيرة من الثروات الوطنية العراقية وسرقتها وتهريبها.. غير الكلام عن جرائم التطهير العرقي وعمليات تهجير اهالي تلك المناطق وتدمير مساكنهم وقراهم مما كان يقوم به قادة الاقليم ؟ وهذا ايضا من غير الاشارة الى الجوع والحرمان المتفشيان فيه ؟ الا من ذرة خجل يا متملقون ، الا من حياء ؟

وعلى افتراض ان اقليم الشمال كان سينجح في استفتائه وانفصل ، فاي ضمان من انه لم يكن ليتحول على ايدي رئيسه ذاك الى كيان عدواني ضد العراق مع كل الشحن القومي الذي كان يقوم به ؟ فهذه كانت اهم اهداف التقسيم : عزل الشعب عن بعضه تمهيدا لضربه ببعضه لاحقا. وطبعا هذا من دون الاشارة الى جارتي الاقليم اللتين كانتا ستحتلانه مناصفة بمجرد إعلان الانفصال وانسحاب السلطة العراقية ، او حتى استخدام احد اجزائه ضد الجزء الآخر. وليعلم الجميع بان السبب الوحيد لتنعّم الاقليم بالحماية والاستقلال هو بالضبط بسبب وجوده من ضمن الدولة العراقية ، لا بسبب قوى الاقليم الذاتية. وقطعا كان رئيس الاقليم يعلم بهذه الحقيقة على عكس شعبه الذين استغل جهلهم بها ، ثم عاد ليستغلهم مرة اخرى لاحقا في الاستفتاء بناء على هذا التجهيل. وقد رأى الجميع الكيفية التي تمت بها معاملة الاقليم من قبل القوى العالمية التي امدته بالمرتزقة خلال الاحداث الاخيرة. فلم يقف ايا منها معه وتركوه لمصيره عندما انقلبت الامور. وهو ما لم يتوقعه منظموا الاستفتاء.

ونقطة اخيرة قبل الولوج في الموضوع نريد التوكيد على ضرورة حذف كلمة المكونات اينما وردت في الدستور. فالمذاهب التي يعتنقها العراقيون ليست مكونات. إنما العراقيون طوائف وقوميات. وكلمة مكونات هي لعبة لفظية اريد بها إرساء قاعدة تقسيم العراق في العقول. وتكون المقولة المراد إرساؤها بالنتيجة هي ان الشعب العراقي يتكوّن من هذه المكونات القائمة بذاتها اصلا قبل ان تلتقي بشكل ما لاحقا لتتفق على تأسيس الشعب العراقي !!! وهي مغالطة بل وصفاقة لا متناهية لا ندري كيف قبل البعض بها وصار يستخدمها بكل خطاباته. اخيرا نذكر بأن رئيس لجنة كتابة الدستور هو المدعو همام حمودي ونائبه المدعو فؤاد معصوم. وقد ساعدهم ثلة من اساتذة القانون من مختلف الاختصاصات من اعضاء اللجنة الآخرين نذكر منهم على سبيل المثال نوري المالكي ومحمود المشهداني واياد السامرائي وعباس البياتي وبهاء الاعرجي وعلي الدباغ وسلمان الجميلي وجلال الدين الصغير.

نتوقع من القراء مراجعة مواد الدستور المذكورة في المقالة لمتابعة الموضوع ولتأشير ما يكون قد فاتنا.
سنراجع البابين الرابع والخامس فقط المتعلقين بالسلطات الاتحادية وسلطات الاقاليم. فهما البابان اللذان قد حشرت فيهما كل البنود التي ادت الى ما نحن عليه الآن من تشرذم وضعف في اداء الدولة.

الباب الرابع حول اختصاصات السلطات الاتحادية :
المادة (111) : النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات.

هذه المادة هي الاساس الذي تسبب بكل المشاكل المتعلقة بكيفية ادارة واستغلال هذه الثروة الوطنية حيث قد كتب حولها الكثير. تحتوي هذه المادة بشكلها الحالي على خلل كبير. ونظرا للاوضاع الاستثنائية التي كتب بها الدستور والتي كانت السبب في الاساس الاعوج الذي صيغت بموجبه هذه المادة ، نرى بانه يتوجب اعادة النصاب الى مكانه الصحيح وذلك باستبدال الكلمات الاربع الاخيرة منه بجملة تؤكد بان حكومة المركز هي الوحيدة المخولة إدارة واستغلال هذه الثروة دون اية جهة اخرى. مثل هذا التعديل سيعيد وضع كل العمليات المتعلقة بهذه الثروة الناضبة بيد وزارة النفط الاتحادية ، ويقطع الطريق امام اية جهة اخرى لحشر نفسها في هذا الموضوع السيادي.

نفس الكلام يطبق على المادة اللاحقة اي المادة (112). فيتوجب حذف كل اشارة منها الى (حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة) ليبقى الامر بيد الحكومة الاتحادية حصرا ولننتهي من هذه الالاعيب.

المادة (114) هي المتعلقة بالاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الاقليم ، مثل ادارة الكمارك وتنظيم مصادر الطاقة الرئيسة وتوزيعها ورسم السياسات التربوية والتعليمية.

تهدف هذه المادة في ما يخص الكمارك الى مد اي اقليم باسباب الحياة والاستمرار كما هو واضح. وهذا تعدي وتجاوز على سيادة البلد وسلطة الحكومة الاتحادية في امر يُعد من اختصاصها حصرا. فلا يمكن ان تتنازل اية دولة في العالم عن مثل هذه الصلاحيات السيادية لاجزاء منها. وهي ما يعتبر عملية نهب وتشتيت مقننة لموارد الدولة وإضعاف بالتالي لها. يتوجب على هذا إلغاؤها بالكامل او تعديلها لحصر إدارة الكمارك بالمركز فقط. يلاحظ ان المشرع قد حاول الالتفاف هنا على هذا الموضوع السيادي حيث استخدم كلمة الكمارك بدلا من كلمة المنافذ التي كانت ستؤدي الى تصاعد الاعتراضات عليها. باقي النقاط المذكورة هي ايضا ما يتوجب الوقوف عندها. فهل ان تنظيم مصادر الطاقة الرئيسة هو تمهيد لقيام المناطق الحاوية لهذه المصادر لوضع باقي المناطق تحت رحمة ابتزازها مثلا ؟ لا نستطيع الجزم بهذا الموضوع هنا. لكن بغياب التوضيح المفترض ممن قاموا بكتابة الدستور وما نراه من محاولات محمومة لخصخصة الكهرباء ، يدفعنا هذا الغياب لتصور اسوأ الاحتمالات. اما النقطة المتعلقة برسم السياسات التربوية والتعليمية فهي امر في غاية الخطورة. فهذا يعني بانه يمكن لمحافظات معينة ان تقوم بفرض تصوراتها فيما يخص سياسات التربية والتعليم في مناطقها بمعزل عن السياسة العامة المتبعة في البلد. وهو ما نرى انه ليس إلا التمهيد لقطع صلة اية اجزاء بالعراق مثلا والتهيئة لانفصالها عنه. وهذه المادة تذهب بنا الى الاخرى المادة (122) المتعلقة باللا مركزية. وهي ما سنبينه ادناه.

المادة (115) : كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، في حالة الخلاف بينهما.

وهي مادة يبدو وكأنها قد جرت صياغتها فقط لغرض حشر نصفها الثاني المتعلق بطريقة حل الخلافات بين السلطات !!! ما يرى في هذه المادة المخصصة لتدمير وحدة البلاد بشكل واضح هو حذف علوية القضاء في حل المنازعات الادارية في البلد ووضع الحل بشكل تعسفي بيد اجزاء البلد فقط. وهو كلام غير منطقي ويتعارض مع نفس هذا الدستور وبالتحديد في المادة (13) القائلة بانه لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور ، ومع المادة (120) القائلة بعدم جواز تعارض دستور الاقليم مع الدستور الاتحادي. من الواضح بان هذه المادة (115) تهدف الى تكريس ضرب وحدة البلد وذلك بضرب علوية دستور وقوانين الدولة ووضعهما في الدرك الاسفل تحت ولصالح سلطات الاقاليم والمحافظات. وهو ما يهدف لتسهيل تقسيم البلد. يتوجب على هذا إلغاء وشطب هذه المادة بالكامل.

ما اثار انتباهنا في هذا الباب الرابع هو تغييب إحدى الصلاحيات السيادية الاساسية لكل دولة وهي السلطة القضائية اي سلطة إنفاذ القانون وحل النزاعات. إذ جرى نقلها الى الباب الخامس المتعلق بسلطات الاقاليم وتحديدا في المادة (121). لاحظنا بان هذا التغييب يترابط مع صياغة المادة (115) اعلاه في تكريس تجريد السلطة الاتحادية من صلاحياتها لصالح إرادة الاقاليم وبالتالي القضاء على سيادة السلطة الاتحادية تمهيدا لتقسيم البلد.

كذلك لاحظنا بأن معظم المواد الدستورية في اختصاصات السلطات الاتحادية في هذا الباب الرابع قد وُضِعت لتدار بالشراكة مع الاقاليم والمحافظات. بينما لم توضع ايا من سلطات الاقاليم في الباب التالي لتدار مع السلطات الاتحادية !

يتبع الجزء الثاني.










 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter