| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 27 / 7 / 2026 سعد السعيدي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الحقائق المغيبة بشأن اقليم البصرة
سعد السعيدي
(موقع الناس)
من خلال خبر نشر في الاعلام تفاجأنا نهاية العام الماضي بمحاولة جديدة لبعض مغامري البصرة لاجراء استفتاء لانشاء اقليم البصرة. نقول تفاجأنا وذلك بسبب ان المحاولة الثانية التي جرت قبلها بسنوات طويلة قد باءت كسابقتها بالفشل. وكنا قد تصورنا وقتها بان ابناء البصرة واعتمادا على ما آلت اليه التجربتين السابقتين قد انتبهوا الى عدم صلاحية انشاء مثل هذه الاقاليم بسبب رفض غالبية اهل المحافظة لها. لكننا كنا متوهمين مع ظهور المحاولة الآنفة. بسبب هذا فقد انتبهنا الى ان هذا الموضوع لم يعطى نصيبه كما يجب من البحث والتدقيق. ونلاحظ قلة اهتمام مريب بشأنه سواء من الطارئين على العمل الصحفي او من محترفي تجهيل العراقيين في كل ما يتعلق بشأن الاهداف الحقيقية وراء انشاء اقليم البصرة.
يستند المطالبون بانشاء هذا الاقليم بمظلومية المحافظة من قبل الحكومة الاتحادية بشأن استمرار تردي الخدمات الأساسية. لا نعلم إن كانت ثمة امور اخرى يستند عليها هؤلاء لتبربر مطالبتهم بالاقليم. لكن هل هؤلاء هم من المعروفين بحرصهم على مصالح المحافظة واهلها ؟ لننظر فيما نشك من كونه الاسباب الحقيقية برأينا من هذه المطالبة.
يعرف الجميع بان محافظة البصرة هي المحافظة الوحيدة التي تحتوي على المنافذ البحرية في العراق لتصدير النفط وباقي المنتجات واستيراد البضائع التي يحتاجها البلد. وهذه الميزة تجعل من المحافظة ذات اهمية كبرى بالنسبة لباقي البلد. بالنتيجة فلو اختفت هذه الميزة فسيدخل البلد في ازمة ستؤثر قطعا على استقلاله. بكلام آخر لو قيض لمحافظة البصرة التحول الى اقليم كما هو اقليم الشمال وربما حتى الانفصال عن العراق فسيتحول البلد باكمله الى آخر مغلق بحريا. وحصول مثل هذه الحالة سوف تقلب اوضاع البلد الى عكس ما هو الآن وسيؤدي الى تداعيات اقليمية ودولية. وليس لدينا شك من ان الساعين الى اقامة اقليم البصرة هم من غير الجاهلين بهذا الامر. بيد اننا نراهم جميعا ومنذ اول مطالبة بانشاء اقليم البصرة قد صمتوا عن هذه الحقيقة فلم يعلموا احدا بها. والسبب واضح وهو انهم لا يريدون التسبب بقتل الفكرة في مهدها.
ولا يمكن عدم الشك بعدم اهتمام دول الخليج بالمطالبين بانشاء اقليم البصرة هذا او حتى بغياب كل علاقة لهم بهم. فهم يتابعون كل حدث او تطور يمكن ان يحول هذه المحافظة الى اقليم بحد ذاتها وعلى انفصالها عن العراق وتحويلها الى دولة مستقلة. فتحويل العراق الى دولة مغلقة بحريا هو من الاحلام التي تداعب خيال حكام هذه البلدان قطعا منذ تأسيسها. وهو في حال تحققه سيكونون قد تخلصوا وباجراء بسيط من العراق وما يسببه لهم تأثيره الاقليمي من صداع وما يروه من مزاحمة. وهو ما سيمكن ترجمته الى حرية في العمل في الخليج لتحقيق مصالح هذه الدول الاقتصادية والسياسية. وعدا هذه الحرية فتحول العراق الى دولة مغلقة سيحول هذا اراضي هذه الدول في السياق الى طريق مرور البضائع منه واليه مع ما يؤدي اليه هذا الوضع المثالي من خلق فسحة للابتزاز. ولن يكون باقي جوار العراق فيما نرى منزعجا من حصول مثل هذا التغيير. فلن تكون دولة مثل ايران غير مرحّبة من حصوله. فلها هي ايضا احلامها المشابهة فيما يتعلق ببلدنا. ولن نتكلم عن باقي دول الاقليم او تلك الاخرى خارجه من ذوات التأثير العالمي. فمصالح هؤلاء واهدافهم واحدة فيما يتعلق بالعراق. بهذا نستطيع القول بان دولة مثل هذه هو تريد وتتمنى حصوله كل دول جوار العراق وغير جواره تقريبا.
وقد رأينا في السابق بان فشل هذه المحاولات لم يثن بعض دول الجوار مع ذلك من محاولة دفع العراق قسرا ولو باساليب اخرى للتحول الى دولة مغلقة بحريا. وذلك عن طريق الضغط لغلق ممراته المائية سواء بالكذب او بالتحايل. من مثل هذه فرض الاتفاقيات المجحفة سواء بالرشوة او بالتدخل الدولي لتضييق النافذة البحرية الضيقة اصلا او للحصول على موطيء قدم في المياه الاقليمية العراقية بهدف السيطرة عليها لاحقا وفرض غلق الممر البحري العراقي.
وتأكيدا لمحاولة تحقيق المصلحة من خلال محاولة غلق النافذة البحرية إن لم يكن فصل المحافظة فعليا تلاحظ الاستماتة الايرانية منذ سقوط النظام السابق لفرض سياسات على محافظة البصرة وقمع اهلها وذلك من خلال فرض مأجورين وطارئين على رأسها تمهيدا للسيطرة عليها. ولدينا شك بان إهمال خدمة المحافظة واهاليها من قبل هؤلاء الطارئين هو جزء من خطة لدفع سكانها لتأييد اقامة اقليم محافظتهم. والهدف النهائي هو مثلما قلنا للسيطرة عليها تمهيدا لاستخدامها كوسيلة للضغط على باقي البلاد. وثمة سوابق للاطماع الايرانية في بلدنا. ففي سبعينات القرن الماضي هدد شاه ايران باحتلال المحافظة حيث نشر قواته على طول شط العرب مطالبا بمنحه كل الجهة المقابلة له. والهدف كان لخنق العراق بحريا. انتهى الامر باتفاقية الجزائر. وخلال حرب الثمانينات استمات الايرانيون لاحتلال مركز المحافظة ايضا لخنق العراق بحريا. فلما فشلوا حاولوا من خلال التقدم نحو القاعدة البحرية في ام القصر غلق الساحل انطلاقا من الفاو. بيد ان محاولتهم هذه قد باءت بالفشل الذريع حيث فقدوا المئات من جنودهم عليه بعدما اجبرهم الجيش العراقي الى التراجع والانسحاب بمعية قواته البحرية التي بنيران اسلحتها حولت من جهتها الجنود الغزاة الى اشلاء. ايضا لدينا شك من ان استماتة الايرانيين لانشاء الربط السككي مع البصرة عبر الشلامجة يهدف وتحت غطاء ما اشيع من اهداف اقتصادية لتسهيل السيطرة على هذه المحافظة عسكريا. وليس لدينا تفسير آخر لهذه الاستماتة بشأن هذا الربط.
هكذا نرى بان اقليم البصرة مع المنادين به هو احد ادوات دول الجوار لغاية تحجيم العراق والسيطرة عليه ولو بالتحايل عند فشل القوة وللتخلص مما يسببه لهم تأثيره الاقليمي من صداع وما يروه من مزاحمة.