|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأحد  24  / 11 / 2013                                 سعد السعيدي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

قانون عقد المعاهدات الجديد ناقص وقاصر ولا يخدم مصلحة البلد

سعد السعيدي

ينظر مجلس النواب حاليآ في مشروع قانون عقد المعاهدات الجديد. وهو القانون الذي ينظم إجراءات عقد المعاهدات إذ يعرف اجزائها واهدافها والمصادقة عليها. سيأتي هذا القانون بعد التصويت عليه محل القانون القديم الذي سن فترة النظام السابق.

لاحظنا عند مقارنة النصين بان نصوص القانون الجديد قد جرى استنساخها بحذافيرها وبكل نواقصها وقصورها (ويبدو ايضآ بدون نقاش) من نصوص وتنظيم القانون السابق قانون عقد المعاهدات رقم (111) لسنة 1979 المعدل. الفرق الوحيد بينهما هو ما يتعلق بآليات التصديق تبعآ للنظام السياسي الجديد. وقد لاحظنا في بعض فصول القانون الجديد قصورا بحيث تم تغييب دور مجلس النواب في بعض الاجراءات وتكرار عدم الوضوح في اماكن اخرى وكأن القانون قد جرت تهيئته على عجالة.

من قراءة مشروع القانون (نسخته توجد على موقع مجلس النواب / القوانين) انتبهنا الى انه عدا عن كون تاريخ تقديمه الاول يعود الى نيسان 2011 , فان ثمة امور من الواجب التنبيه عليها انطلاقآ من واجبنا كمواطنين في هذا البلد كونها تمس المسؤولية الحكومية والنيابية في تصديق اي معاهدة وإعلام الرأي العام بها إعتمادآ على البند 5 الدستوري القائل بان "الشعب مصدر السلطات وشرعيتها". فالحكومة ومجلس النواب مسؤولان امام الشعب بكل ما يتعلق بسلامة البلد وصون مصالحه وامواله ووحدة اراضيه. وعلى هذا لا يجوز التلاعب بالتشريع او محاولة الالتفاف عليه او سنه بإهمال ولامبالاة.

سنقوم بابداء ملاحظاتنا على المواد الاكثر اهمية في مشروع القانون.

نبدأ بالفصل الاول وهو الفصل المتعلق بتعريف المعاهدة.
"المادة /1 البند اولآ :
يقصد بالتعابير والمصطلحات التالية لأغراض هذا القانون ، المعاني المبينة ازاؤها :
اولا ـ المعاهدة : توافق ارادات مثبت بصورة تحريرية ، ايا كانت تسميته بين جمهورية العراق او حكومتها وبين دولة او دول اخرى او حكوماتها او منظمة دولية او أي شخص من اشخاص القانون الدولي تعترف به جمهورية العراق ، لغرض احداث آثار قانونية تخضع لأحكام القانون الدولي بصرف النظر عن تسمية الوثيقة او عدد الوثائق التي يدون فيها احكام التوافق كالمعاهدة او الاتفاق او الاتفاقية او البروتوكول او الميثاق او العهد او المحضر المشترك او المذكرات او الرسائل او الكتب المتبادلة او غير ذلك من التسميات . ويشار اليها في هذا القانون بالمعاهدة"

نلاحظ فيها انه استثنى من مجموعة التعاريف التي تضمنها جملة "مذكرات التفاهم" , واكتفى بدلها بكلمة "المذكرات" وهي كلمة مبهمة. فالمعروف والمتداول هو "مذكرات التفاهم". فهل يا ترى يوجد تسمية اخرى غيرها مثل "المذكرات" فقط ؟ وحتى إن وجد فلماذا لم تضف "مذكرات التفاهم" الى مجموعة التعاريف ؟ فاي ضمان لدينا يقول بان تسمية "المذكرات" لوحدها تشير رأسآ الى تسمية "مذكرات التفاهم" ؟ يتوجب إذن إضافة هذه الاخيرة او وضعها مكان الاولى كي لا يحدث تلاعب لاحقآ حيث رأينا - وما زلنا - محاولات متكررة حكوميآ ونيابيآ للتلاعب بتفسير نصوص قانونية واستغلال ثغرات ونواقص في التشريع لغرض الالتفاف على القانون.

كذلك في نهاية نفس البند يلاحظ وجود جملة غريبة هي "او غير ذلك من التسميات". وهي جملة نتعجب كيف ان مشرعينا الذين يفترض إلمامهم بالشأن القانوني استنسخوها من القانون القديم الذي شرع في فترة القائد الاوحد , دون النظر والتدقيق فيها. خصوصآ مع انعدام الشفافية في عمل مجلس النواب وانعدام النقل الحي لمجريات النقاش للجمهور الذي من حقه معرفة ما يجري في المجلس كونه مصدر السلطات حسبما اشرنا. فهل هناك تسميات اخرى للمعاهدة غير معروفة يا ترى ؟ ولماذا استنكف المشرع عن ذكرها واكتفى باشارة عامة غير واضحة المقاصد اليها ؟
سن القوانين يتوجب ان يكون بلغة واضحة مفهومة وعدم ترك الجمل والكلمات للصدفة او اعتمادآ على جمل عامة , وان يصار الى الدقة تجنبآ للارباك. فلماذا نرى هنا وكأننا بحضور تسمية عامة غير محددة تبدو وكأنها حشرت حشرآ في سطور من التعريفات المحددة ؟
نطالب بشطب هذه الجملة المبهمة.

في نفس "المادة /1 البند رابعا ـ التصديق :
مجموعة الإجراءات القانونية التي يطلب بموجبها مجلس الوزراء موافقة مجلس النواب ومصادقة رئيس الجمهورية على الالتزام بمعاهدة سبق التوقيع عليها بأسم جمهورية العراق او حكومتها او سبق اقرارها من منظمة دولية او مؤتمر دولي."

الجملة الاخيرة "او سبق اقرارها من منظمة دولية او مؤتمر دولي" في هذا البند , عدا انه لا وجود لتعريف اطراف المعاهدة في اولآ اعلاه حيث لم يرد تعريف "منظمة دولية او مؤتمر دولي" , فلا يجوز فرض استحصال تصديق مجلس النواب على معاهدة سبق اقرارها فقط من منظمة دولية او مؤتمر دولي بعيدآ عنا دون ان يكون لنا حضور فيه ودون ان تناقش وتدقق بمعية الخبراء القانونيين باستفاضة في مجلس النواب لاستبيان المصلحة الوطنية فيها قبل تصديقها. إذ رأينا كيف جرى التصويت على القرارات الاممية بتثبيت وضع الاحتلال الاجنبي على بلدنا بعد الاحتلال الاخير بغيابنا ومن خلفنا.

المادة 4 اولآ (الفصل الثالث المفاوضات") :
تعرض الجهات المختصة مشروع المعاهدة الثنائية قبل التفاوض في شأن عقده بفترة مناسبة على الجهات ذات العلاقة بالمعاهدة وعلى وزارة الخارجية لدراسته وإبداء الرأي فيه وتعرضه مع أراء الجهات ذات العلاقة على مجلس شورى الدولة لإبداء المشورة القانونية في شأنه ، ثم يعرض على الأمانة العامة لمجلس الوزراء للوقوف على رأيها ."

من تكون هذه "الجهات ذات العلاقة" ؟ هذه جملة مبهمة لم نرها مذكورة من ضمن تعاريف المعاهدة. بكلمة اخرى لماذا لا نرى مجلس النواب مذكورآ هنا ؟
نقترح إضافة عبارة "في مجلس النواب" بعد جملة "الجهات ذات العلاقة" كي لا يتم إجحاف حق ممثلي الشعب المنتخبين من الاطلاع على ما يجري ولكي لا يكون المجلس آخر من يعلم في هذه الامور. اي يتوجب حصول موافقة مجلس النواب على كل مبادرة عقد اتفاقية من قبل الحكومة لابداء الرأي فيها.

المادة 6 (الفصل الثالث المفاوضات") :
اي عمل يتعلق بعقد معاهدة يقوم به شخص غير مأذون بتمثيل جمهورية العراق بموجب المادة (5) من هذا القانون ولكنه يحمل صفة رسمية ومارس العمل بحكم وظيفته فان عمله هذا لا يكون له اثر قانوني الا اذا تمت إجازته في وقت لاحق طبقا للإجراءات القانونية المقررة في هذا القانون وتم تبادل وثيقة الإجازة اللاحقة عن طريق وزارة الخارجية ."

هذه المادة غير واضحة. كان من الافضل إضافتها الى فصل التعاريف في الفصل الاول لتوضيح صفة المفاوض وكيف ومتى يكون مخولآ. فالاكتفاء في الفصل الاول بتعريف وثيقة التفويض يبقى منقوصآ. فهنا نرى في هذه المادة بان ثمة طرف لم يجر تعريفه وهو ممثل العراق في المفاوضات.
كذلك حول المصطلحات ففي الفصل الاول يجري الكلام عن تفويض بينما نجد هنا استخدام مصطلحات مأذون او تخويل او إجازة. فالتعبير المستخدم لإبرام المعاهدات في المادة 80 من الدستور هو "تخويل". يتوجب إذن توحيد المصطلحات منعآ لحصول تجاوز.

الفصل التاسع"
التصديق والانضمام
المادة ـ 17/ : يخضع التزام جمهورية العراق بالمعاهدات المعقودة وفقـا لأحكام هذا القانون الى موافقة مجلس النواب على قانون التصديق على المعاهدة او قانون الانضمام اليها بالأغلبية البسيطة ، عدا المعاهدات التالية التي يجب حصول الموافقة عليها بأغلبية الثلثين :
(1) معاهدات الحدود والمعاهدات التي تمس السيادة الاقليمية لجمهورية العراق .
(2) معاهدات الصلح والسلام .
(3) معاهدات التحالف السياسية والامنية والعسكرية .
(4) معاهدات تأسيس المنظمات الإقليمية ."

هذه المادة هي المادة المحورية في كل القانون. إذ تحدد مجلس النواب بالاسم كونه الجهة المخولة بالتصديق وهو شيء جيد. اي انه الجهة التي لها الكلمة العليا والاخيرة في قبول اية معاهدة من عدمه. كذلك فهي المادة التي تحدد اية معاهدات يتم تصديقها وباية اغلبية نيابية.
ما يلاحظ في النص انه وإن يبدو احاطته بجميع الاحتمالات , إلا انه اغفل عن ذكر نقطة مهمة جدآ. هذه النقطة هي التي تتعلق بالتصديق على اية معاهدة تتضمن ايداع اموال عراقية خارج العراق او الاستدانة او استلام المنح او القروض مهما كانت تسميتها ولاي غرض كان. إذ يعرف الجميع انه جرى في وقت سابق ايداع اموالآ تقدر بالمليارات في الاحتياطي الفدرالي الامريكي. فلم يعرف للآن حسب اي قانون جرى إخراج هذه الاموال ؟ وإن كان ثمة اتفاقية فأين هي ؟ هل جرت المصادقة عليها ومن قام بها ؟ كذلك معروف ان الحكومة العراقية تستلم منحآ واموالآ من بلدان لاغراض وتسميات غير واضحة لا نعرف الهدف الحقيقي منها. وكل هذا مع توفر ميزانية وفيرة. وقد جرى تركنا في الظلام فلا نعرف مقابل ماذا يجري استلام كل هذه الهبات السنوية ؟

واضح ان المصادقة على إخراج هذه الاموال وايداعها في بلد اجنبي قد تم بالاتفاق مع مجلس الوزراء لاحدى حكومات عهد ما بعد الاحتلال وبتصديق المجلس فقط دون عرضه على البرلمان حسب قانون المعاهدات السابق. وهي سابقة خطيرة لا يجوز ان تتكرر خصوصآ مع هذا القانون الجديد.

وقد لاحظنا وجود مادة "تائهة" من ضمن الفصل الثاني المعنون "نطاق سريان القانون" , هي المادة 3. فعند الاطلاع على المحتوى نجد فيه الاجراءات المتعلقة بالاتفاقيات التي لا تحتاج لموافقة نيابية وهو اجتزاء متعمد من موضوع الفصل التاسع وهو بيت القصيد. فمن قراءة نص الفصل يتبين الغرض الحقيقي الذي يشي به المحتوى في هذه المادة وهو عزل موضوع الاتفاقات المتضمنة التزاما ماليا على العراق او المتضمنة قبول المنح المقدمة من الدول والمنظمات الدولية عن الفصل التاسع المتضمن اشتراط الموافقة النيابية. إذ تحصر المادة نفاذ هذه الاتفاقيات لموافقة وتصديق مجلس الوزراء عليها فقط دون البرلمان ! وهذه طريقة تصرف تعود للنظام السابق بامتياز. إذ اننا ذكرنا في بداية المقالة بان القانون باكمله قد جرى استنساخه بحذافيره وبكل نواقصه وقصوره عدا بما يتعلق بمؤسسات النظام الجديد , من نفس نص وتنظيم القانون السابق. لذلك فنحن ولدواعي المصلحة الوطنية نطالب بإستبدال موافقة مجلس الوزراء باشتراط تصديق مجلس النواب. وكذلك بوضع المادة من ضمن الفصل التاسع

نؤكد إذن بوجوب وضع كل هذه البنود حول الاموال الممنوحة والمستلمة تحت شرط التصديق النيابي المطلق وبجعل تطبيقها ذو اثر رجعي بالضبط ليكون العراقيون على بينة مما كان قد جرى الاتفاق عليه في غفلة منهم من لدن الحكومات العراقية قبل سن القانون.

ونطالب كذلك بتوسيع الاثر الرجعي ليشمل جميع بنود الفصل التاسع خصوصآ المتعلق بالبند 1 اي معاهدات الحدود. إذ يتذكر الجميع اتفاقية خور عبدالله التي جرى إبرامها قبل اكثر من سنة ونصف وجرى التعتيم عليها رسميآ حتى آب الماضي حيث لم يجر التصويت عليها بأغلبية الثلثين المنصوص عليها في هذا القانون بل باقل منه. اي انها لم تستوف الشروط المطلوبة للمصادقة ويتوجب اعادة التصويت عليها.

ليس آخرآ نريد إضافة بند اخير الى مجموعة بنود الفصل التاسع. وهو المتعلق بتاريخ التوقيع الوزاري. إذ انتبهنا في حالة اتفاقية خور عبدالله الى مرور فترة حوالي السنة ونصف السنة بين تاريخ توقيعها الحكومي وتاريخ تصديقها النيابي. وهي حالة فريدة من الخداع والتضليل. لذلك نطالب بإضافة بند للفصل التاسع يشترط وصول المعاهدة الى مجلس النواب في فترة اقصاها اسبوعين لغرض التصديق. بخلافه اي عند وصولها بعد هذه الفترة , تعتبر المعاهدة ساقطة ومرفوضة.

للدلالة على اهمية توفر اكبر إجماع ممكن على موضوع عقد المعاهدات نذكر الى ان في بعض دساتير العالم وعلى الخصوص في الدستور الفرنسي جرى اشتراط إجراء استفتاء شعبي لغرض إتمام تصديق اي معاهدة. ولا ندري إن كان من الاهمية إضافة هذا الشرط الى هذا القانون بعدما رأينا انواع التجاوزات التي جرت وتجري كل يوم لحقوقنا القانونية والدستورية ليس اقلها ثبوت حصول حالات تزوير في مجلس النواب في عمليات التصويت وتفاقم حالات غياب الاعضاء مما هدد اكتمال النصاب لعدة مرات متتالية.

كل هذا بعلم رئيس مجلس النواب... !

 


 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter