|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  28  / 5 / 2017                                 سامي سلطان                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

عرض كتاب ...
مساهمة في كتابة تأريخ الحركة العمالية في العراق حتى عام 1958
(*)
(2)

سامي سلطان
(موقع الناس)

في الحلقة الأولى تحدثنا عن مقدمة كتاب مساهمة في كتابة تاريخ الحركة العمالية في العراق حتى عام 1958 م  من تاليف الباحث الكبيرعزيزي سباهي والذي نشره تحت اسم سعيد نصير الكاظمي والذي تألف من 331 صفحة، احتوت مقدمة وعشرة فصول وملحق ومراجع، وانتهينا الى:

وهكذا امتزجت نظريا وتطبيقيا حدود الحركة السياسية للطبقة العاملة بحدود حركة حزبها السياسي ،الحزب الشيوعي العراقي .

وفي هذه الحلقة سوف نتناول موضوعة ،العراق في ظل الاحتلال والانتداب الذي تعرض له الكاتب في الفصل الاول ، وفي مستهل الفصل أشار الكاتب إلى ،) أن المستعمرين البريطانيون كانوا يتهيأون منذ سنين طويلة للسيطرة على العراق إذ كانوا يطلقون عليه قبل الاحتلال اسم " بلاد العرب التركية " وكانوا قد نشطوا للتغلغل في جوانب مختلفة من حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متوسلين الى ذلك بمختلف الوسائل حيث صرح اللورد كرزن الحاكم البريطاني في الهند عام ١٨٩٢قائلاً (بغداد تقع ضمن موانئ الخليج ويجب أن تدخل ضمن السيادة البريطانية التي لا تنازع ويضيف من الخطأ أن نفترض أن مصالحنا السياسية تنحصر بالخليج ،فانها ليست كذلك، حيث قلنا انها ليست منحصرة في المنطقة الواقعة بين البصرة وبغداد وإنما تمتد شمالا إلى بغداد نفسها "(واستطرد الكاتب في اطار تاكيد النويا الاستعمارية في فرض سيطرته الكاملة على العراق مشيرا الى انهم شكلوا) لجنة بريطانية خاصة ألفتها حكومة الهند في ١٥ كانون الثاني 1912 لدراسة أمر احتلال العراق وقد اقترحت الشروع باحتلال" بلاد العرب التركية " بذريعة تعزيز مركز بريطانيا في وجه الموقف العدائي الذي كان يبديه الموضفون الأتراك، وكانت والواقع أن التفصيلات الخاصة بهذا الشأن والكتب العسكرية وأعمال المسح الجغرافي والخرائط الضرورية قد أعدت جميعها قبل ذلك بزمن طويل .

ويضيف لقد كشف المقيم البريطاني في بغداد في برقية له بعث بها في ٢٤حزيران ١٩١٣ الى حكومة الهند والسفير البريطاني في استنبول عن النوايا التي كان يببتها الاستعمار البريطاني تجاه العراق .

(نظرا لاحتمال تجزئة تركيا وما نجده في الوقت ذاته من نشأة لمناطق نفوذ أجنبية فإنه على ما يظهرلابد للحكومة البريطانية أن تحتفظ بما أحرزته حتى الآن من ارجحية في بلاد ما بين النهرين منطقتها الطبيعية في الدولة العثمانية)
وتحقيقا لهذا الغرض بادرت بريطانيا فور دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب المانيا الى انزال قواتها في الفاو في ٣ تشرين الثاني 1914 وواصلت زحفها على امتدادي دجلة والفرات واحتلت القوات البريطانية بغداد في 11مارس 1917 وحين وقعت هدنة (مودرز) بين بريطانيا والدولة العثمانية في 30 تشرين الاول 1918 كانت القوات البريطانية قد بلغت (القيارة) التي تقع إلى جنوب الموصل بنحو 40 ميلا وطبقا لشروط الهدنة انسحبت القوات التركية عما كانت تحتله حتى ذلك الحين من ولاية الموصل وسارعت القوات البريطانية إلى احتلال الولاية كلها وبذلك تكون قد أتمت احتلال كل الأراضي التي تكون العراق الحديث وانصب اهتمامها الاول على توطيد هذا الاحتلال حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية والبطش .

كانت تتوزع سياسة المحتلين دوافع واغراض متضاربة فمن جهة كانت سلطات الاحتلال تتوخى تأمين سيطرتها في مجتمع مضطرب تغلب عليه القبلية وتتنازعه ولاءات مختلفة لم يألف الإذعان الكلي إلى السلطة المركزية ولا يخفي نفوره من حكم اجنبي لا يجمعه وإياه جامع في الدين والجنس وكانت هذه السلطات بحكم عقليتها الاستعمارية وما درجت عليه من ممارسات في الهند تتعجل تحقيق المشاريع التي راودتها طويلا في جعل وسط وجنوب البلاد مستعمرة استيطانية ملحقة بالهند .

لكنها من الجانب الٱخر حرصت على أن تحقق مشاريعها بالتوافق مع الخطط التي أتفقت عليها مع حليفتها فرنسا لتقاسم النفوذ فيما احتل من الولايات التي كانت تتبع الدولة العثمانية وان يتم ذلك في إطار السياسات المرئية التي درجت عليها في التعامل مع العرب والتي تمثلت بوجه خاص في الوعود التي قطعتها للشريف حسين أو تلك التي جسدها التصريح البريطاني -الفرنسي الصادر في تشرين الثاني ١٩١٨.

كذلك لم يكن بوسع الحكومة البريطانية أن تتجاهل الاتجاهات المضادة لاحتلالها العراق التي تمثلت في تنامي الحس الوطني هذا الحس الذي تجسد بنشاطات سياسية مختلفة لا سيما في بغداد وبعض المدن الأخرى واشكال المقاومة والانتفاضات التي جابهتها في عدد من المدن والمناطق المختلفة والمقاومة الدينية الواسعة لا سيما في المراكز الدينية الشيعية والآثار التي خلفتها الدعاية الى الاستقلال والدولة العربية التي نادت بها حركة الشريف حسين في مكة والحركات التي ايدتها في سوريا وغيرها وتاسيس الحكومة العربية في سوريا وكذلك التأثيرات التركية التي انعشنها واعطتها مضمونا معاديا للإستعمار الغربي والثورة الكمالية في تركيا وتاثيرات الثورة الاشتراكية في روسيا السوفيتية على حركة التحرر الوطني لا سيما الثورة في مصر واخيرا ما تكشفت عنه ثورة العشرين التي عمت مناطق واسعة مختلفة من البلاد من مقاومة جدية للإحتلال البريطاني والحكم الاجنبي وما ألحقته بقوات الاحتلال من خسائر كبيرة في الأرواح والأموال والمعدات .

لقد عجزت ثورة العشرين التي اندلعت في ٣٠/حزيران١٩٢٠ وعمت مناطق واسعة من العراق لبضعة أشهر والحقت بجيش عصري يزيد عدد افراده عن ١٢٠ الف جندي وضابط خسائر فادحه وشلت حركته في اكثر من موقع عن أن تحقق الاستقلال السياسي للبلاد وان تطرد الغزاة المحتلين لعوامل مختلفة ،لكنها من الجانب الآخر أجبرت بريطانيا على التخلي عن فكرة الحكم المباشر وادخال الاستعمار الاستيطاني أسوة بما فعلته في بلدان أخرى.

بعد ثورة العشرين اتجهت السياسة البريطانية في العراق في مسارين يكمل أحدهم الآخر :ايجاد انسب الأوضاع والعلاقات السياسية بين الطرفين تؤمن للرأسمال البريطاني نهب ثروات البلاد وتبعيتها للإستعمار البريطاني من الجانب الٱخر، خلقت قاعدة اجتماعية لها مصلحة في المحافظة على الهيمنة الاستعمارية واستمرارها.

في المسار الاول عملت على أن تحصل من عصبة الأمم على تفويض بالانتداب على العراق وطبقا للاتفاق الذي توصلت إليه مع حلفائها في سان ريمو نيسان ١٩٢٠ والذي يقضي بتأليف حكم ملكي في العراق تحت الإنتداب البريطاني وللالتفاق الذي عقدته مع فيصل في كانون الاول ١٩٢٠ سارعت إلى تكوين حكم ملكي برلماني تحت الإنتداب البريطاني يرتبط ببريطانيا بمعاهدة تضمن لبريطانيا الهيمنة الفعلية في العراق وطوال السنوات العشر التي تلت إعلان الإنتداب البريطاني عملت دوائر الإنتداب على أن تستعير من النمط البريطاني للحكم نموذجا تسعى إلى ترسيخه في الدولة الوليدة "ملكية دستورية" وزارة مقيدة برلمان، نظام قضائي، حكم محلي، احزاب سياسية، ولكن دون أن يكون لهذه المؤسسات حتى شكليات الديمقراطية للبرالية البريطانية التي صيغت على غرارها وكان الرصافي الشاعرمحقا في فائيته المعروفة ...

"علم ودستور ومجلس أمة.......كل عن المعنى الصحيح محرف"

وكان ترشيح فيصل الى عرش المملكة الجديدة من أهم القرارات التي اتخذتها في هذا الشأن فقد كانت وزارة المستعمرات البريطانية ترى في هذا الترشيح وسيلة للهيمنة عليه وعلى ابيه في الحجاز ، لقد بات فيصل شخصية مهزوزة محبطة وعلى استعداد كامل للتعاون مع الاستعمار البريطاني والصهيوني بعد أن اسقط الفرنسيون عرشه في دمشق ومثل ما دخل مع الزعيم الصهيوني وايزمن في اتفاق يرضي مصالح الصهيونية في فلسطين في ربيع ١٩١٨ دخل مع وزارة المستعمرات البريطانية في إتفاق يتعهد فيه بتوقيع معاهدة تربط العراق ببريطانيا إذا ضمنت هذه ترشيحه الى عرش العراق وهذا ما حدث بالفعل على الرغم من معارضة الشعب من الجانب الآخر فلكي توفر بريطانيا القاعدة الاجتماعية المحلية التي تؤيد هيمنتها على البلاد عملت على تكوين فئة حاكمة تعبر عن مصالح فئات اجتماعية تدرك أن مصالحها الخاصة لا تُؤمن إلا بالارتباط مع راس المال الأجنبي والتبعية المباشرة له واتخذت من جهاز الحكم وملكية الارض الزراعية والتجارة الخارجية الطعم الذي تجذب به نحوها تلك العناصر المتنفذة في المجتمع من تجار وعوائل كانت تحتل موقعا متميزا في العهد العثماني وأبرز العناصر المثقفة والضباط الذين خدموا في الجيش العثماني وانضموا إلى صف الشريف حسين في الحجاز ورؤساء القبائل ولم يكن من السهل لبريطانيا أن تصطفي فئة حاكمة بالصفات المطلوبة في بلد متخلف تتفشى فيه الأمية وتندر فيه الكفاءات والخبرات السياسية والإدارية والفنية وتضمر غالبية مثقفيه والعاملين في الحقل السياسي الحقد للمحتلين الأجانب ومع أن العمل في هذا الإتجاه لم يتوقف في حدود سنوات الإنتداب (السنوات العشر الأولى من هيمنة الاستعمار البريطاني) وان الحاجة إلى إدخال التعديلات الضرورية على تركيبة الفئة الحاكمة ظلت قائمة ، بحكم التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد إلا أن اساسا قد أرسى هنا في سنوات الإنتداب هذه .وكان ما يدفع بريطانيا الى التعجيل بتحقيق سياستها هذه عاملان مترابطان الاول ، استمرار نضال الشعب العراقي للتعبير عن رفضه للانتداب البريطاني والمعاهدات التي فرضها الاستعماريون البريطانيون وحاجة بريطانيا من الجانب الآخر إلى خفض اعبائها المالية في العراق فبرغم اعتماد سياسات المكر والخديعة وشراء الذمم ولجوء بريطانيا الى العنف ونفي زعماء الحركة الوطنية ورجال الدين المناوئين لها وإغلاق الصحف الوطنية وتلويحها بمشكلة الموصل والتجائها الى التهديد بغارات الوهابين على المخافروالمدن الواقعة جنوب وغرب البلاد برغم ذلك كله ظل الشعب العراقي يواصل رفضه للوجود البريطاني وكان هذا النضال يتصاعد بوجه خاص مع تجديد المعاهدات من جانب آخر فإن المقاومة الواسعة التي أبداها الشعب العراقي للإحتلال البريطاني وللانتداب فيما بعد . كانت تلزم الحكومة البريطانية بالانفاق الواسع على قوات عسكرية كبيرة ابقتها طوال سنوات الاحتلال والانتداب مرة بذريعة الحفاظ على (التزاماتها ) تجاه عصبة الأمم ومرة باسم الحفاظ على ولاية الموصل في وجه الأطماع التركيه وكانت هذه النفقات العسكرية موضع استياء دافع الضريبة البريطاني وحملات الصحف البريطانية التي كانت تطالب بجلاء القوات البريطانية تخفيفا للنفقات العسكرية في الشرق الأوسط .

يتبع
 


(*) مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي
الطبعة الاولى 1991
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter