| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 8 / 5 / 2026 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
عدن, ذاكرةُ البحرِ وسردياتٌ لا تموتد. سالم رموضه *
(موقع الناس)هذا عنوان كتاب جميل صدر للباحثة عدنية المنشأ فاطمة جونسون وهي حالياً مؤرخة مقيمة في لندن, المملكة المتحدة وزميلة غير مقيمة في مركز سوث 24 للأخبار والدراسات الذي مقرّه الرئيسي في سويسرا وله مكتب إقليمي في عدن, المعلا الشارع العام, وهذا الكتاب هو ضمن مجموعة كتب طبعها المركز. يضم كتاب " عدن ذاكرة البحر وسرديات لا تموت" 11 قصّة شيّقة عن التاريخ العريق لمدينة عدن نُشرت عبر المركز خلال عامي 2022م و2024م وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 2025م. يستعرضُ الكتاب محطات محورية في مدينة عدن ذات الطابع العالمي, مسلّطاً الضوء على التحولات الاستراتيجية والأحداث التاريخية التي ساهمت في تشكيل ملامحها على مر العصور. كما يتناول الكتاب أيضاً شخصيات عالمية بارزة ومثيرة للجدل وأحداثاً دراماتيكية تركت بصماتها على مسيرة المدينة مستعرضاً قيم التعايش والتسامح والفن والجمال التي ازدهرت في مجتمعها المتعدّد الثقافات. وفي هذا السياق استهلت الباحثة فاطمة جونسون كتابها بالتعريف عن خلفيتها العدنية, فهي في عام 1967م وهو عام الاستقلال عن بريطانيا, كانت عائلتها قد استقرّت في المملكة المتّحدة على مسافة تزيد عن 3600 ميل من عدن بعد مرور 128 عاماً على اندماج عدن في رئاسة بومباي التابعة للهند البريطانية عام 1839م. فهي إذن قد ترعرعت دون أن تلحظ ذلك الهجين الثقافي الذي تربّت عليه في المنزل, ولقاءاتها مع أشخاص ليسوا ذوي صلة بعدن كانوا يعتقدون عن طريق الخطأ أن جنوب اليمن متجانساً ثقافياً وأنه يقتصر حصرياً على المسلمين العرب, جعلها تدرك إن إرثها العدني يتّسم بالانصهار الثقافي الجميل. وكان ذلك بمثابة دافع لها لاكتشاف المزيد عن تاريخ جنوب اليمن والبيئة العدنية بشكل خاص. لقد اكتشفت مجموعة من القصص الرائعة على حد وصفها والدراما العظيمة والأفراد المبهرين والأحداث الهامة وحاولت توثيق كل تلك الأشياء وتسليط الضوء عليها.
بدأت الكاتبة سردها الجميل بكولونيل بريطاني اسمه كولين ميتشل الشهير باسم " ميتش المجنون" لأنه الرجل الذي حاول قتل الصحوة السياسية في جنوب اليمن وكان القائد العام لعدن بدءا من يونيو إلى نوفمبر 1967م وهو عام الاستقلال عن بريطانيا العظمى. ويُمثّل 20 يونيو 1967م بالذات تاريخاً حاسماً في مسيرة المقاومة الوطنية في عدن, إذ استولت هذه المقاومة الوطنية على حي كريتر الشهير ومنعت دخول القوات البريطانية إليه. قاد ميتش المجنون القائد العام وقائد كتيبة " أرجيل ساذر لاند هايلاندرز" التي كان قوامها نحو 1000 جندي هاجمت عدن في تمام الساعة السابعة مساء الثالث من يوليو لعام 1967م, وأخبر ميتشل قناة " آي تي إن" التلفزيونية البريطانية المستقلّة بأن عليه العودة إلى كريتر وأن الهيبة الكاملة للجيش البريطاني تتوقّف على تلك العودة.
كان ميتشل عنيفاً وبدا كأنه لا يكترث بالالتزامات العالمية عليه باعتباره جزءاً من قوة محتلة محاربة بموجب القانون الإنساني الدولي مثل اتفاقية لاهاي الرابعة الموقعة في 18 اكتوبر 1907م واتفاقية جنيف الرابعة المبرمة في 12 اغسطس 1949م. وتمّت معاقبة ميتشل بعد ذلك من مؤسسته, رغم الاحتفاء به لفترة قصيرة بعد عودته إلى المملكة المتحدة, فقد احتقرته القيادات السياسية البريطانية وحُرم من الترقية في الجيش البريطاني. استقال ميتشل عام 1968م بعد أقل من عام من مغادرته عدن ومات عام 1996م لتطارده إلى الأبد أشباح اليمنيين الجنوبيين الذين زهق أرواحهم.
وتطرقت الكاتبة إلى شخصية شهيرة أخرى ارتبطت بتاريخ عدن في جوانب إيجابية هذه المرة وهو الشاعر الفرنسي رامبو من مواليد مدينة شارلفيل الفرنسية عام 1854م. لقد كانت مدينة عدن العظيمة ذات يوم موطناً لأكثر مشرفي عمال فرز البن بريقاً وأرفع من تولّى هذه الوظيفة على الإطلاق وهو جان نيكولاس آرثر رامبو الذي كان شخصية رائعة متلألئة وكان متمرّداً وشاعراً. إن تحول رامبو من أديب إلى مشرف عمال قهوة يبدو غير قابل للتفسير. لقد بحث مؤلفو السيرة الذاتية لرامبو عن مفاتيح في عمله ربما تشير إلى قراره النهائي باختيار حياة بدون أدب ومن الصعب عدم تخيّل أن المفتاح الرئيسي لوجوده الغامض في عدن يكمن في كتاباته.
وعلى سبيل المثال في ديوانه "إضاءات" الذي يضم مجموعة من القصائد النثرية ألّفها رامبو بين 1872م – 1875م كتب قائلاً : "أنا سيّد العلم". وخلال أحد الأجزاء تحت مُسمّى " الوداع" في قصيدة نثرية عام 1872م بعنوان " فصل في الجحيم" كتب رامبو:
" لقد جرّبت جحيماً تعرفه النساء جيّداً, والآن سأكون قادراً على امتلاك الحقيقة في جسد واحد وروح". وفي لحظة ما في تاريخ عدن, تم تجديد منزل رامبو في حي كريتر ليلائم القنصلية الفرنسية كمركز بحوث ومركز ثقافي ومكتبة. وبدءا من عام 1991م كانت تُعقد مؤتمرات شعريه سنوية في منزل رامبو. وللأسف لم يعد منزل رامبو يُستخدم لأغراض دبلوماسية أو ثقافية أو تعليمية وتعرّض لإهمال مؤسف كغيره من المواقع الأثرية المهمة في عدن كسياسة ممنهجة بتدمير الثروة المعمارية وتاريخ عدن. إن رامبو يُمثل جزءاً من نسيج عدن التاريخي وهو ما توضّحه حياته في عدن, وبالتالي فهو مرتبط بتاريخها المعاصر ويتوافق مع ذلك الضرورة الحيوية لفهم أن منزل رامبو ينبغي أن يتم الحفاظ عليه على نحو يعكس دوره في تاريخ عدن:
" عدن هي هويتي وتاريخي وإذا لم استطع الحفاظ عليها سوف أفقد الماضي والمستقبل".
وهناك مجموعة مقالات مثيرة أخرى احتواها الكتاب يصعب التطرق لها حتى بمنتهى الإيجاز ومنها جنوب اليمن الأحمر ويهود عدن وتحرير المرأة وهندوس عدن تاريخ وحضارة ومن الفجر إلى الظهيرة, هكذا فشل البرتغاليون في غزو عدن.
المكلا في 7مايو 2026م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق