| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 6 / 3 / 2022 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
المحضار في ذاكرة الطفولةد. سالم رموضه *
(موقع الناس)طَلبَ مني زميل عزيز في صحيفة 30 نوفمبر التي تصدر في مدينة المكلا وهو ضمن هيئة تحرير الصحيفة أيامها, أن أكتب خاطرة عن الشاعر الكبير الراحل حسين أبوبكر المحضار شاعر حضرموت الشهير, بمناسبة ذكرى رحيله يوم 5 فبراير 2000م في مدينة الشحر, ورضختُ لطلب الأخ العزيز بالرغم أنه لم تكن لي تجربة سابقة في كتابة مثل هذه المواضيع التي يلزمها إلمام أدبي وثقافي واسع أظن أنها ليست في نطاق إمكانياتي المتواضعة. صحيح أني تحمستُ قبل هذه التجربة الجديدة وكتبتُ في نفس الصحيفة ولأول مرة خاطرتين اختزلتُ في إحداها تعاطفي مع شعب مصر العظيم ومدينة بورسعيد التي تُعتبر بحق رمزاً للتضحية والصمود ومحاربة الأعداء والاستبسال وموطناً للشهداء وكما تقول أحد الأهازيج الشعبية المصرية دون الإخلال بالنص:
أمانة عليك أمانة يا مسافر بور سعيد
أمانة عليك أمانة لتبوس لي كل إيد
حاربت في بورسعيد
أما الخاطرة الأخرى فقد عكستُ فيها تجربتي الدراسية في فرنسا طوال خمس سنوات من عام 1982م حتى عام 1987م متنقلاً من مدينة روان في أقصى الشمال إلى مدينة بيزنسن في أقصى الشرق لدراسة اللغة الفرنسية وإلى مدينة تولوز الوردية الجميلة في أقصى الجنوب لتحضير رسالة الدكتوراه, فرنسا التي عرفتُ فيها من خلال تجربة شخصية الإنسان والثقافة والأدب والعلم ومنظومة القيم الإنسانية والاجتماعية.
تلك الأمور في كلا الخاطرتين أحسستُ بها وتفاعلتُ معها و في مقدوري, وأستطيع أن أتكلم فيها بتلقائية, أما الحديث عن قامة أدبية كبيرة بحجم المحضار ومدرسة فريدة في مجال الشعر بشتى فنونه وأشكاله ووظائفه عاشها الشاعر الفذ طوال فترة طويلة تجاوزت نصف القرن فهو التعجيز بعينه " ويا وحلة الوحلة " كما يقول المحضار نفسه في شطر من مقطع في إحدى قصائده, ويلزمه كتّاب متخصّصون وأصحاب نقد وأدب لا أزعم لنفسي على الإطلاق مكاناً بينهم. بل لعل طلاب الدراسات العليا في الأدب والشعر والنقد وكذلك الباحثين وأساتذة الجامعة أن يجدوا في التراث الأدبي والموروث الفني الذي خلّفه المحضار مادة غنية ومتنوعة لإنجاز أكثر من رسالة وأطروحة ودراسة في الجانب الاجتماعي وفي الجانب الديني وفي الجانب السياسي ببعديه الوطني الخاص والقومي العام من أشعار المحضار صناعة وحبكة وإبداعاً. إذن والأمرُ كذلك فإننا أمام ظاهرة أدبية وشعرية متفرّدة وحالة فنية قَلّ ما جاد الزمانُ بمثلها, ولهذا فإني سوف أكتفي بالتطرّق للموضوع من باب تسجيل بعض الخواطر التي رافقتني منذ أيام الطفولة وترسّخت في ذاكرتي خلال جزء بسيط وشوط قصير من مسيرة المحضار الثرية والمديدة. وربما أبدأ من نهاية المشوار فيها, فقد استأذنني في صباح يوم 6 فبراير عام 2000م أحد مدراء العموم في رئاسة جامعة حضرموت وكنت وقتها نائباً لرئيس الجامعة المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد أن ينصرف لحضور مراسم تشييع جنازة الشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار في مدينة الشحر, والذي انتقل إلى جوار ربه مساء اليوم السابق أي يوم 5 فبراير 2000م, وصعقتُ عند سماعي ذلك الخبر المفجع, ولكن تلك هي مشيئة الله ولا راد لمشيئته ولكل أجلٍ كتاب, نسأل الله له الرحمة والمغفرة.
ارتبط المحضار في طفولتنا بأشياء كثيرة جميلة ولولا أن الظرف والمناخ اليوم يختلف عن نظيره بالأمس لكانت لي وقفة ربما تكون طويلة. لم أكن مواكباً, بحكم انشغالي بالدراسة الابتدائية ثم المتوسطة ما بين الشحر والديس الشرقية, للشروحات والألعاب الشعبية التي كان للمحضار فيها صولات وجولات في بداية مشواره الإبداعي ولكني كنت أسمع من شقيقي الأكبر رحمه الله وهو صديق للمحضار, الكثير من نوادر المحضار ومسامراته وبساطته وحبه للناس ولطافة معشره ومغامراته ومساجلاته الشعرية مع أساطين الشعر الشعبي في حلقات الدان والشبواني أو في مدارات الشرح البدوي ومن ذلك ما يسمى الهبيش والحِفّة وهي مصطلحات بدوية مشقاصية, الغريب في الأمر أنها ما زالت عالقة في الذاكرة. يتبارى في هذه الألعاب الرجال الذين ينقسمون إلى فرق متباينة ومتنافسة بشكل حماسي عجيب وتدمى فيها الأكف من الصفق المتناغم مع أنغام المزمار وتبح فيها الحناجر بالأهازيج والقصائد التي يتفنن الشعراء في نظمها طوال ليال بأكملها خاصة أثناء موسم الزيارات الشعبية وهي كثيرة خاصة في مدينة الشحر وكل المناطق شرقها أو ما يسمى بالمشقاص. ولعل المرحوم شقيقي الأكبر كان على على رأس أحد هذه الفرق. أول ما تبادر إلي ذهني في مثل تلك الأجواء حادثة المرحوم علوي بن محفوظ مولى الدويلة الذي توفى بطلق ناري من مسدسه الذي كان مشحونا ومعلقاً في خاصرته وهو في أحد هذه الحلقات الشعبية والشروحات البدوية وهو صديق حميم للمحضار وقد رثاه بالقصيدة المشهورة " يا دمعة العين " وسأقتطف منها ما أتذكره . والديس الشرقية موطن الفقيد السيّد علوي مولى الدويلة يرحمه الله هي نفسها موطني ومسقط رأسي وبالمناسبة نحن وآل مولى الدويلة جيران وبيننا وبينهم من الود والمعروف الكثير, يقول المحضار :
إعادة الماضي إلى حاله محال لكن قلبي ما توقّع في محلّه
لا جئت بانسّيه تذكره الخيال وآثار بقيت بعد محبوبه وخلّه
وفراق من تهواه وحلة
ما أطول الأيام بعده والليال عاشوف ليلي طال
يا دمعة العين جودي عا رفيقي خففي بعض الذي في البال
قال المحضار في زواج شقيقي الأكبر المرحوم بعض الأبيات, كانت ترددها أمام سمعي وأنا صغير زوجته, والتي تحفظ للمحضار كثيراً من القصائد وقد انتقلت إلى جوار ربها من سنين مضت, يرحمها الله ولا أدري إن كانت مثل تلك الأبيات موثقة أم لا, وللشاعر المحضار مثله كبقية الشعراء الشعبيين إنتاج شعري غزير وبديع يقال على السليقة وبنت الساعة في المناسبات الاجتماعية وحفلات الزواج وما يرافقها من رقصات شعبية, ولكن ربما يضيع معظمه إذا لم يوجد من يوثقه. أتذكر بيتين من قصيدة قالها المحضار وإن كنت لم أسمعها منه مباشرة ولكن عن طريق من سمعها وحفظها عنه وهي في مدح مدينتي ومسقط رأسي الديس الشرقية والتي تُكنّى "بوادي عمر" وفي مدح تربتها ومائها الذي ينبع من عين الصيق في منطقة هبورك حاراً على مدار أجيال وأجيال والذي اشتهرت به, وإن كانت الذاكرة لم تسعفني في تكملة بعض الكلمات فيها, فشعر المحضار سلس و موزون و به إيقاع فني جميل, يقول المحضار مادحاً ومتمنياً :
وادي عمر في دبوره وسع ريت لي من قصبة الصيق ساعة
با بذل با عمر لمان قلبي يحب العمارات في الطين
وكان ماء الصيق هذا الحار في الأيام الخوالي يُوزّع منه جزء لشرب الناس يذهب لخزانات بدائية حتى يبرد وجزء منه يُوزّع بالساعات محددة ومتفق عليها للمزارعين المستفيدين حسب أسهمهم وحجم زراعتهم في جداول سطحية بسيطة تسمى عتوم ومفردها عتم تعكس بساطة الناس في ذاك الزمان وإن كان بعض من هذه التقاليد والتقنية ما زالت تمارس حتى يومنا هذا. وقد استخدم المحضار مفردة عتم في إحدى قصائده بقوله:
ولا زال عتم الهوى جاري وجيرة الحي يا خير جيرة
مصطلحات البادية بارزة في شعر المحضار وهو قد تشرّبها منذ صغره وزاد تعلقه بحياة البادية وعاداتهم أبان شبابه, أستمع إليه وهو يفاخر بأن تسألَ عن شعره الوديان وما تحويه من نباتها وخضرتها المحدودة:
سل عن نشيدي وفني كل وادي وتخبر العشب مني والبواسق والسمر والقتاد
في خير أنت ونا بانلتقي في سعاد
وسعاد هي مدينة الشحر مسقط رأس الشاعر الكبير. أو قوله في قصيدة أخرى جميلة فيها من الحكمة ما فيها:
النقش في الساج يصلح والحجر ما يصلح النقش في عود العشر
في المنجرة ما يقبلوه النجر وإنه في النار ما يشعل شعيل
بل تمعّن قوله الجميل المليء بالتصوير الفني البديع لمصطلحات البداوة والفلاحة والرمزية السياسية:
لا لا تلقي لها سوم كدها سومها الجبل
لا ما هي من اليوم تلقي من زمن عمل
من جاء منها أكل الشيبان والسقل والغربان والعول
وان شيء زاد في الوسل مكّن به ضميرك لا قد قال يا حول
ولأن شقيقي الأكبر كان من المشجعين لنادي كوكب الصباح بالشحر قبل توحيده مع نادي شباب الجنوب في نادي سمعون, أتذكر لاعبيه البارعين مثل أيوب وخاله وصحاليل وتمباكو وهادي زيدان وفرج با يوسف ومحمد طيب (وهو زميل دراسة في عام 1962م أثناء المدرسة الوسطى بباغ الشحر) وغيرهم, فكم كنت أسمعه يردد أبيات المحضار :
الكاف جاب الكأس من داخل العاصمة
جابه وكلين شاف
ويقصد بالكاف نادي كوكب الصباح بالشحر ويقصد بالعاصمة مدينة المكلا قبل فترة الاستقلال, أو يردد بنبرات واثقة ثقة الشاعر الخالد المحضار نفسه عليهما الرحمة والغفران من رب العالمين:
على ضوء ذا الكوكب الساري باقضّي الليل خبّة وسيرة
ولا حد بما أقصده داري غير الذي يعلم الأسرار
وعلى ذكر المدرسة الوسطى في الشحر التي درست بها سنة واحدة وهي السنة الدراسية 1962- 1963م, فأذكر في هذه السنة زار المدرسة وفد فني من عدن يضم بين أفراده الفنان الصاعد وقتها أبوبكر سالم بلفقيه وأحمد علي قاسم وفي المساء أقامت المدرسة حفلة فنية ساهرة في الساحة الجانبية للمدرسة, حضرها جمع غفير من أهالي الشحر وترنم فيها الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه للمحضار "نسّم القلب دنيا" والتي تقول:
نسّم القلب دنيا تاليتها إلى الطين
حُيّط العبد بتبارك وعم وياسين
هذا قطرة من فيض في بحر الشاعر المحضار, وليكن دعاء كل محبيه وكل مجموع الكلم في القرآن الكريم بما فيها سورة "تبارك" وسورة "عم" وسورة" يس" بلسماً على روحه الطاهرة, يرحمه الله رحمة الأبرار وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المكلا في 6 مارس 2022م
* نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق