|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  5 / 4 / 2017                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



استهداف الذاكرة

د. سالم رموضه
(موقع الناس)

لا ذنب للجيل الذي ننتمي إليه إذا كان قد تربي معظمه على إن الأمة العربية أمة واحدة من المحيط إلى الخليج؟ وما زالت الذاكرة تحتفظ بأناشيد وأهازيج جميلة مثل: أنا واقف فوق الأهرام وقدامي بساتين الشام؟ أو أنشودة :علم العروبة يا غالي يا منور فوق في العالي؟ أو ذلك البيت الجميل الذي يقول:

بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان      ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصر فتطوانِ

إنه من سوء الطالع أن تكون أول محاولة للوحدة العربية في العصر الحديث قد طُعنت في مقتل يوم 28 سبتمبر 1961م رغم أنه تم الاستفتاء على هذه الوحدة بين مصر وسوريا يوم 21 فبراير 1958م, باستفتاء شعبي وبرضاء كامل من شعبي القطرين, في حين أن الانفصال تم باستخدام القوة والرشوة ولم يتم أي استفتاء على الوضع الجديد. ولا ريب أن هناك جملة من الممارسات السياسية الخاطئة في إدارة شؤون دولة الوحدة هيأت مناخاً محفزاً لنجاح حركة ذلك الانفصال. ومنذ ذلك التاريخ المؤلم بل وما قبله بحوالي نصف قرن لم يتعاف عالمنا العربي من الهزائم والنكسات آخرها ما نعايشه اليوم من تدمير وخراب وكوارث حلّت به بدء من العراق العظيم أرض الرافدين حتى سورية المثخنة بجراحها. تدخلت التحالفات الإقليمية والدولية في الشأن العربي بشكل سافر لدرجة أنها لا تراعي أي قواعد للاشتباك في المدن الآهلة بالسكان مثل الموصل وحلب والرقة وغيرها ولا تحسب للأبرياء من النساء والشيوخ والأطفال أي حساب ناهيكم عن تهجيرهم قسرا وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم ومنجزاتهم وبناهم التحتية. وها نحن قد رأينا قبل أيام انعقاد مؤتمر القمة العربية في دورتها 28 على ضفاف البحر الميت, البحيرة الميتة الواقعة في أدنى الأرض البقعة الأكثر انخفاضاً في الكرة الأرضية, وعلى مرمى حجر من الكيان الصهيوني الغاصب.

هل هي دعوة لمشاريع الأمم الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية والروسية بالقدوم إلى فضاءاتنا الكئيبة لتملأ فراغ التاريخ بعد أن فشلت الأنظمة وإصرارها على البقاء عبيداً للأمم الأخرى الأقل منا عراقة وأهمية استراتيجية. لقد اختار العالم المعاصر اتجاه التوحد في تكتلات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى, بينما اختار عالمنا الواسع الممتد خطوات نحو التشرذم بين أجزائه وفصم عرى الوشائج التاريخية بينها بفعل عوامل التخلف والأنانية والذاتية وغياب الرؤى الاستراتيجية والمصيرية. فاليوم على مستوى الساحة اليمنية كمثال وبعد وحدة هلل لها الناس واستبشروا فرحاً بتحقيقها, ودخل صانعوها التاريخ من أوسع أبوابه في يوم الثاني والعشرين من مايو 1990م, ولكن صاحبتها بعض التجاوزات الخاطئة ومنها عدم أخذ رأي الناس والاستفتاء على قيامها كما حدث في حالة الوحدة المصرية السورية عام 1958م وشهدت أثناء مسيرتها القصيرة ممارسات غير مسئولة وأخطاء قاتلة تقع على عاتق من كان قائماً علي تسيير دولة الوحدة, منها تفشي ظواهر الفساد ونهب المال العام والظلم الاجتماعي وانفلات الأمن وغلاء الحياة المعيشية على شرائح واسعة من المجتمع والقهر الاقتصادي وانعدام مفاهيم الضمان الاجتماعي وغياب العدالة الاقتصادية في توزيع ثروات البلاد والعدالة الاجتماعية في توزيع الوظائف المدنية والسياسية والأدهى من كل ذلك غياب هيبة الدولة المدنية ومؤسساتها القانونية والدستورية. ومما زاد من تعقيد الأمور التمدد الحوثي الطائفي الذي لم يجن منه الناس إلا المزيد من الضحايا الأبرياء وهدم مكتسبات الشعب وقوت يومه ومتطلبات حياته الشريفة.

كان بالإمكان الاستفادة من تجارب الأمم والشعوب الأخرى فيما يتعلق بأنظمة الحكم كالأخذ بالنظام الاتحادي أو الفدرالي, وهذا ما تبلور إلى حد كبير في وثيقة مخرجات الحوار الوطني الذي رعته الأمم المتحدة. ولعل الجميع يدرك أن عدد الدول الاتحادية أو الفدرالية كبير في عالمنا المعاصر, فالاتحاد هو الذي قامت على أساسه الولايات المتحدة والأمة الأمريكية, وبالاتحاد أمكن في سويسرا لقوميات تتباين في اللغة والعرق والدين أن تتعايش في دولة واحدة. وهناك أمثلة كثيرة لدول اتحادية مثل ألمانيا الاتحادية وكندا واستراليا والهند وماليزيا وروسيا الاتحادية والبرازيل والأرجنتين والمكسيك ودولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها. مع الحرص على مبادئ الاختيار الشعبي والخيار السلمي الديمقراطي واحترام الرأي والرأي الآخر وكفالة حقوق الإنسان وحرية التعبير واحترام وتطبيق مبادئ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ورد المظالم لأهلها ورد ما نهب من حق الدولة والناس تحت أي مبرر كان وعدم التعرض للحقوق العامة والخاصة في ظل دولة مدنية وحديثة باسطة سلطانها بالحق وهيبتها على الجميع مع عدم انتقاص أو غمط حقوق أي منطقة أو ولاية أو إقليم في الثروة والسلطة وسط مناخ سياسي حر وتعددي ودون الإخلال بعلامات الجغرافيا وحقائق التاريخ أو استهداف الذاكرة.

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter