|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  5 / 3 / 2016                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



 الإنسان العربي وكرامته المهدورة

د. سالم رموضه
(موقع الناس)

أن تتعرض كرامة الإنسان العربي لانتهاكات خطيرة وممارسات غير إنسانية في سجون الأجانب أو في سجون الاحتلال الصهيوني, فذاك أمر ليس بالمستغرب ويبدو أنه لن يصيب القوم بردة فعل آنية, فقد تعوّد الضمير العربي اليوم على التبلد وعدم الاكتراث وهو شيء قاس ومؤلم للغاية. أما أن تتعرض تلك الكرامة لانتهاكات أخطر وأشنع في أقبية السجون العربية أو في ساحات الاعتصام ومظاهرات الاحتياج الشعبية, فذاك فيه من تجاوز المنطق الأخلاقي والإنساني الشيء الكثير, إذ أن كرامة الإنسان في بلادنا العربية للأسف الشديد لا تُحترم من قبل كثير من الأنظمة الحاكمة. حتى أثناء مشادات عصبية بعد مباراة لكرة القدم تحصد أرواح ربما يفوق عدد ضحاياها اشتباك مع عدو كاسر متربص. ويطلق الرصاص الحي على متظاهرين في أماكن تتعالى أصواتهم : سلمية ! سلمية ! لا للحرب الأهلية, ووصل الأمر من البشاعة أن تنقل جثة الإنسان العربي في أماكن أخرى بالجرافة كبرميل زبالة إذا سقط أثناء مظاهرة شعبية لمجرد طلبه رغيف الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والعيش بشرف وكرامة.

وللأسف الشديد تبقعت خارطة الوطن العربي بالبقع الحمراء في كل مكان طالت حتى الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال, ولم تحرَك مشاهد الدماء والأشلاء شعرة ممن يتمسكون بسدَة الحكم الواهية في تلك الأنظمة المهترئة. وكنا لوقت قريب ننظر بتقدير وامتنان لدول عربية تنظر للإنسان العربي بأنه لا يحد من تحركه أي إجراءات أمنية أو تأشيرات دخول لبلدانها, لا سيما لتلك البلدان التي يضطر أبناؤها للسفر لدراسة أو علاج وما شابههما. ولكن يظهر أن ظلال سيكس – بيكو ما زالت تعشعش في عقول تلك الأنظمة لندخل في النفق المظلم من جديد.

يبدو أنه كُتب على الإنسان العربي أن يتغرَب داخل وطنه العربي الكبير في أجزاء منه, وكُتب عليه أن يُهجَر قسراً في أجزاء أخرى, والأقسى من كل ذلك أن يُشرَد في العراء وعلى تخوم الحدود وفي البحار طلبا للجوء وللأمان وهروبا من الموت من جرَاء حروب عبثية قضت على الأخضر واليابس دون حد لضراوتها أو مجرد تفكير في إنهائها. ويفاجأ ذلك الإنسان المشرد في المنافي بموت آخر بطيء من الهوان والإذلال وضياع القيمة والهوية الإنسانية, هذا إذا لم تبتلعه البحار قبل أن يصل إلى مبتغاه, أو تقذفه أمواجها إلى الشواطئ النائية بعيدا عن تراب وطنه المنكوب. وإذا كان الله قد حبا هذه المنطقة العربية بثروات متعددة في باطن أرضها ومنها ثروة النفط فإنه لأمر يدعو للأسى والتوجع أن يصل الاستخفاف بحقوق العربي وإنسانيته الحد الذي تتبجح فيه إحداهن من دول الغرب بالقول: أن الرب أعطانا هذا البترول في أرضكم فلماذا تمنعوننا من استرداده؟

وعلى كل فقد استمرأ النظام الاستبدادي العربي قهر كرامة الإنسان فوق أرضه وفي المنافي المتعددة, فكم من لاجئ وصاحب فكر ومواقف وطنية مشرفة هرب من عسف واضطهاد نظام بلاده إلا إن أيادي الغدر وخفافيش الظلام تطارده حيث حل, وما قصة اختفاء الزعيم المغربي المهدي بن بركة في العاصمة الفرنسية باريس في أواخر عام 1965م, أو اغتيال مبدع الشخصية الكاريكاتيرية حنظلة المناضل الفلسطيني ناجي العلي في العاصمة البريطانية لندن وكثير غيرهما ببعيد. أما نصب أعواد المشانق ورافعاتها القاسية في الساحات العامة لأصحاب الراي والفكر يكاد يتفنن فيها بسادية مروعة زبانية الأنظمة القهرية داخل الوطن العربي وحواليه من الأنظمة المشابهة. لقد بهتت قيمة الإنسان العربي وكرامته وحقه في العيش بشرف وكرامة لدرجة أن يطلق عليه الرصاص الحي لمجرد الاشتباه في حمله سكينا لطعن عدوه ومغتصب أرضه.


 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter