| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 3 / 1 / 2024 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
المسافة صفرد. سالم رموضه *
(موقع الناس)ظهر هذا المصطلح "المسافة صفر" هذه الأيام مع أحداث قطاع غزّة وما يصاحبها من معارك ضارية بين فريقين غير متكافئين في العدّة والسلاح والعتاد والأفراد, بين قوات الجيش الإسرائيلي الوحشي المدجّج بأحدث تكنولوجيا العصر وأفراد المقاومة الفلسطينية الباسلة التي تحفر في الصخر لتصنع سلاحها البسيط ولكن فوق أكتاف رجال صنعوا منه نصرا مؤزّراً في 7 أكتوبر العام المنصرم. إنّ مشاهد القصف الهمجي بالمدفعية والأغارات الوحشية بالطائرات على سكّان المدن في قطاع غزة هو بمثابة حرب إبادة جماعية خرجت عن دائرة المعقول واستنكرتها وندّدت بها كل القوى الحيّة في كافة أنحاء العالم بما في ذلك شرائح واسعة من الشعب الأمريكي ومن طائفة من اليهود أنفسهم. لقد بلغ عدد ضحايا هذه الحرب أكثر من 22 ألف شهيد وأكثر من 53 ألف جريح, 70% من الأطفال والنساء, ومع ذلك نرى صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته لهذا العدوان الهمجي, ساعدهم في ذلك الصمود وجود شبكة الأنفاق التي عُملت في غزة وصُمّمت بشكل يشبه بيت العنكبوت. أي أن لهذه الأنفاق عدّة مداخل ومخارج ويستحيل إغلاق النفق منها بإغلاق منفذ واحد. يُقدّر عمق هذه الأنفاق بحوالي ثمانين متراً وطولها بحوالي خمسمائة كيلومتر وتحوي فتحات مؤدية للبحر بشكل يقف ماء البحر عند منطقة معيّنة حتى لا يغمرها. من هذه الأنفاق يخرج أفراد المقاومة ليواجهوا عدوهم من المسافة صفر في بطولات كنا نسمع عنها في كتب التاريخ ونكاد لا نصدّقها اليوم ليحققوا انتصارات لافتة من المسافة صفر ويصبح في هذه الحالة أن للصفر قيمة.
لقد كانت معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر من العام الماضي معركة فارقة جداً, فقد كسرت بنجاح وتفوّق نظرية الأمن القومي الذي تعتمد عليها دولة الكيان الصهيوني, ومن عناصر تلك النظرية التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي والجدار العازل حول غلاف غزّة المُزوّد بأجهزة الاستشعار الدقيقة والحرب خارج أراضيها مثلما حصل في حرب عام 1956 وحرب 1967 وحرب 1973 وتلك الحروب السابقة التي شنتها على قطاع غزة نفسه واجتياح بيروت.
ولهذا فقد لجأت إسرائيل من أجل استعادة هيبة دولتها المنهارة وسطوة جيشها الذي لا يُقهر كما تزعم, إلى شن حرب إبادة في غزة اتّسمت بالبشاعة والهمجية والوحشية ضد المدنيين تؤجّجها نوايا إسرائيل الخفيّة ومشروعها الصهيوني الذي يعتمد على أسلوب الترويع والإرهاب, حيث مرَّ هذا المشروع بعدة مراحل من المجازر الوحشية منذ عام النكبة في 1948م وهي مراحل الإبادة الجماعية المفرطة. أما المرحلة الأخيرة فقد وفّرت لها حرب 7 أكتوبر التبرير للبدء بها, وهي مرحلة التهجير والاستيلاء على الأرض وعلى الثروات. ولكن الشعب الفلسطيني المرابط أكّد موقفه الحاسم برفض عملية الترحيل والنزوح, وأن لا هجرة ولا خيار سوى الثبات على الأرض وعدم السماح لهذا الغريب الدخيل على الأرض أن يُمرّر أي مخطط يطمس فيه القضية الوطنية الفلسطينية أو يبعد الشعب الفلسطيني عن أرضه ومقدّساته.
والأمر المدهش واللاأخلاقي واللاإنساني, أن حاخاماتهم يفترون على التوراة ما أنزل الله به من سلطان في مقولات صارخة وفظة تحثُّ على قتل الأطفال والنساء بدون أي رحمة, ذلك أن لليهود الصهاينة عقيدة إبادة الآخر ورفض التعايش معه, وهذه بعض من مقتطفات فتاوي حاخاماتهم مع اختصار كثير من العبارات التي وردت على ألسنتهم:
"علينا محو حماس وما يتعيّن على إسرائيل فعله هو محو غزة وتدميرها "
" إن منطق الحرب قائم على الخطة الإلهية, فالتوراة لا تسمح بإحلال الرحمة على الأطفال ولا على النساء ولا على أي شخص آخر"
"أدخلوا ودمّروا, أمحهم وعائلاتهم, سنشهد أشياء لم نحلم بها أبداً, دعهم يلقون عليهم القنابل ويمحونهم, كل النبوءات التي أرسلها الأنبياء على وشك التحقيق"
"طوبى لمن يأخذ الأطفال ويهشّم رؤوسهم على الصخر, ثم نشكر هاشيم على الطعام الذي أكلناه"
" اقتلوا جميع الرجال والنساء, لا ترحموا الأطفال, وحتى الأطفال الرضّع"
" أقتلوا جميع أطفالهم, لا فرق بينهم وبين أطفالهم, في ظرف عشر سنوات سوف يهاجمونكم ويقتلونكم"
" كن منتصراً, لا تترك أحداً خلفك, أمح ذكراهم, امحهم وعائلاتهم. هذه الحيوانات لا مجال لتعيش بعد"
لا تصدر مثل هذه الأقوال عن أناس طبيعيين, ولا يمكن التصوّر أن تكون في التوراة نصوص بمثل تلك الحدّية والقسوة التي ذُكرت وأشك أن تكون توراتية, فهي معمّدة بالدماء وبروح الانتقام وشيطنة الآخر بمثل هذه الوحشية والبربرية, الأمر الذي يجعل المرء يتساءل هل كان هتلر على حق عندما كان يكره اليهود وأمر بحرقهم كما يزعمون؟
المكلا في 3 يناير 2024م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق