|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  29  / 3  / 2025                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



صفحات في كتاب غربة دراسية

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

كُتب علي أن اغترب منذ مرحلة الصِبا وإن كان ذلك داخل الوطن عندما أكملتُ مرحلة الدراسة الابتدائية في بلدتي الديس الشرقية عام 1962م, وكان ذلك للانتقال لمرحلة الدراسة المتوسّطة في مدرسة الباغ المتوسّطة بمدينة الشحر التي كانت تُسمّى مدرسة مكارم الأخلاق وكان بها سكن داخلي للتلاميذ من خارج مدينة الشحر. ولكني بعد انقضاء السنة الأولى في تلك المدرسة بتفوّق عدتُ لبلدتي الديس الشرقية التي فُتحت فيها المدرسة المتوسطة حتى توفّر لتلاميذ الأرياف وأطراف مدينة الشحر عناء الاغتراب والابتعاد عن الأهل في هذه السن المبكّرة. وحال انتهائي من الدراسة المتوسطّة والتي كانت مدّتها أربع سنوات ونيلي درجة ممتازة في الدراسة أهّلتني للحصول على بعثة السلطنة القعيطية للسودان التي كانت تُعطى للعشرة الأوائل في امتحانات الشهادة المتوسّطة, وكان حظّي أن التحق بمدرسة حنتوب الثانوية بوادي مدني في السودان من عام 1966 حتى عام 1970م وهذا كان بمثابة أول اغتراب حقيقي خارج الوطن في سن مبكّرة أيضاً. شَهِدت هذه الفترة بعض الأحداث التاريخية المهمّة منها نكسة 5 يونيو 1967م ونيل سلطنات الجنوب ومشيخاته استقلالها عن بريطانيا في 30 نوفمبر 1967م ومعركة الكرامة في 21 مارس 1968م في بلدة الكرامة الأردنية بين قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي والقوات المسلّحة الأردنية ومعها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية, ثم انقلاب جعفر النميري في 25 مايو 1969م وتلاه انقلاب العقيد معمّر القذافي في الفاتح من سبتمبر 1969م.

عدتُ لبلدتي الديس الشرقية من السودان مُتوّجاً بشهادة الثانوية العامة عام 1970م لأخوض فترة اغتراب جديدة بحصولي على منحة دراسية لدراسة الهندسة المدنية في جامعة طرابلس التي كانت تُسمى آنذاك الجامعة الليبية وكنتُ ضمن أول دفعة من طلاب اليمن الديمقراطية للدراسة في ليبيا من عام 1970م حتى عام 1975م. ومن الأحداث المهمة أثناء تلك الفترة أحداث أيلول الدامية التي اندلعت بين قوات الملك حسين وفصائل المقاومة الفلسطينية, أعقبها وفاة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970م واندلاع حرب 6 أكتوبر 1973م. بعد حصولي عام 1975م على بكالوريوس في الهندسة المدنية من كلية الهندسة بجامعة الفاتح الاسم الجديد للجامعة عدتُ للوطن, وعُيّنتُ مهندساً في وزارة الأشغال العامة والطرق في مدينة عدن لفترة قصيرة انتقلتُ بعدها مباشرة للعمل مدرساً في المعهد الفنّي العالي في المعلا.

وجاءت مرحلة جديدة من الاغتراب نحو الشرق هذه المرّة, إذ بُعثتُ من قبل ذلك المعهد لدراسة الماجستير في معهد الهند للتكنولوجيا في نيودلهي من عام 1977 حتى عام 1979م أيام وزير التربية والتعليم المرحوم الدكتور سعيد عبدالخير النوبان والذي أصبح رئيساً لجامعة عدن فيما بعد, وأصبح المعهد الفني العالي الذي التحقتُ به في البداية كلية للتكنولوجيا ثم كلية للهندسة بعد عشر سنوات.

ثم جاءت المرحلة الأخيرة من الاغتراب ولكن هذه المرّة نحو الغرب لدراسة الدكتوراه في فرنسا ما بين عام 1982م حتى عام 1987م بما فيها قضاء ما سُمّيَ بسنة الاستقبال لدراسة اللغة الفرنسية في مدينة روان شمال باريس وتطبيقاتها في مدينة بيزنسن شرق فرنسا. إن ما يأتي هنا من سرد هو عبارة عن انطباعات ذاتية عبر تجارب شخصية ليس بالضرورة تعميم مضامينها, كما إن استعراضنا هنا لبعض من سلوكيات الناس في حضارة فرنسا لا يعني أننا نروّج لها ولكن ذلك الاستعراض بقصد فهمها ثم العمل على اقتباس ما يتناسب مع حضارتنا العربية الإسلامية ولا يتعارض معها.

والملاحظ إن أول قاعدة لهذه الآداب هي احترام الآخرين واحترام سلوكهم وهي الشرط الأساس لاكتساب الإنسان احترام الآخرين. وقد حثّنا الرسول (ص) على احترام آداب الأمم كلها حيث قال:

"إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء"

وهكذا يجد المسلم الواعي أن الدين الحنيف يحث على مكارم الأخلاق ويدعو إلى احترام أخلاق الأمم الأخرى وآداب الأديان السماوية كلها, وبالتالي فإن الجهل بقواعد السلوك في الغرب هو أحد الأسباب الرئيسة في السخرية من الإنسان العربي, أضف إلى ذلك تراكمات من الأحقاد الطويلة الناتجة عن الفتوحات الإسلامية في أوروبا ثم الحروب الصليبية التي شكّلت بداية الانتقام التاريخي العنيف الذي تمكّن فيه الغرب من محاولة إخضاع العالم العربي والإسلامي, وأخطر من هذا كله هو الدعاية الصهيونية التي تحاول استعداء الرأي العام الغربي ضد العرب واستغلال عدم فهمهم للتقاليد والسلوك في الغرب وتصوير سلوكهم بالبربرية والهمجية وخشونة الطباع والتخلف.

شدّتني في هذه الغربة الأخيرة الخصائص العملية والجمالية للمساكن لديهم, ففيها العناية بالجانب العملي والوظيفي, فتجد عند دخولك المنزل علّاقة للبالطو أو المعطف وغطاء المطر, وتخصيص سلّة خاصة قريبة من باب الدخول لحفظ المظلاّت وهناك كذلك علاّقة أو رف أو طاولة صغيرة للقبّعات وللحقائب أو أكياس حمل المشتريات البلاستيكية.

شدّني كذلك المكتبات العامة التي تفتح أبوابها للجمهور في كافة المدن الفرنسية بما في ذلك مدينة باريس نفسها وفي كافة أحيائها, تقدّم فيها أهم الصحف اليومية والمجلات وبنسخ كافية للقراءة والتصفّح. وهناك مؤسّسات وطنية تُسمّى "رفاهيات فرنسا" بها صنوف الكتب التي تصدرها دور النشر الفرنسية وتتصدّرها كتب الأطفال وبمجرد شرائك أي كتاب من فرع من هذه المؤسّسات يُرسل لك هديّة حسب اختيارك من المنتوجات الإلكترونية الشهيرة في فرنسا كخلّاطة كهربائية أو مكواة وخلافها.

يُلاحظ كذلك الاعتناء بالبيئة المحيطة وكبار السن بتوفير مساحات خضراء ومتنفّسات جميلة في الأحياء لقضاء الوقت في رياضة التنزّه أو ممارسة الرياضة ولعب بعض الألعاب الميدانية الخاصة بهذه الفئة.

وعلى مستوى العلاقات الإنسانية يتّسم الإنسان الفرنسي البسيط بحب الأسرة والاعتناء بسلوك الأطفال فيها وتربيتهم على حب النظام والعناية بنظافة المنزل واحترام الغريب لديهم ومقابلة الجميل بجميلٍ مثله, فقد حدث أن عزمتُ فنيا فرنسياً يعمل معي في المختبر على كوب شاي في المنزل الأمر الذي جعله يبادر من تلقاء نفسه للمساعدة في طلاء جدران المطبخ وتلصيق أوراق الحائط على جدران الشقة التي أسكنها بكاملها.

ومن المواقف التي لا تُنسى حادثة سقوط الوالدة في البلدة وطلبي إذناً بالسفر لليمن ولمّا يمضي شهر واحد على وصولي تولوز. ومن المواقف الجميلة كذلك تنبيهي لصلاة الجمعة من قبل أستاذي في المختبر رغم أن يوم الجمعة هو يوم عمل كامل لديهم. هناك كذلك إجراءات الضمان الاجتماعي والعلاج المجاني, إذ عملتُ عملية قرحة في الاثنى عشر في أفضل مستشفى حكومي في تولوز. كما مكّنتني إدارة المختبر للذهاب لسويسرا وأمريكا وإسبانيا وبريطانيا لتمثيل أساتذتي في مؤتمرات علمية دولية.



المكلا في 29 مارس 2025م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter