|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  28  / 7  / 2023                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



عندما يكون الهم العام بأبعاد شخصية

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

عندما تغيب لغة الحوار وتتغلّب بين أطراف النزاع لغة السلاح يحصل ما لم يكن في الحسبان من مآسي جمّة. وعندما تبتعد الأنظمة السياسية عن ممارسة الحق الديمقراطي في مجتمعاتها بعدالة وشفافية تجرُّ إليها كوارث اجتماعية وأخلاقية متعدّدة. ولكن الأدهى من كل ذلك أن تغيب هيبة الدولة وينتاب المجتمع حالة من الفوضى والانفلات الأمني وعدم الاكتراث للأنظمة والقوانين بله الأعراف الاجتماعية وبالأخص الحضارية منها والسلوك المدني المتحضّر كما هو الحال دائما في مدينة عدن على وجه الخصوص وفي الجنوب على وجه التعميم, فقد يختلط الشأن العام بما هو شخصي بحت كما قد حصل في ليلة من ليالي شهر يوليو في صيف عدن الحار والذي زاد من حرارته أحداث حرب 1994م التي خلقت حالة سياسية غير مستقرة في البلاد ما زالت تعاني منها حتى اليوم.

على أثر مكالمة هاتفية جرت منذ قرابة ثلاثين عاماً من داخل عدن نفسها مساء يوم 13 يوليو 1994م بعد الساعة التاسعة, وكنت في شقتي المتواضعة التي تقع في الدور الثالث من العمارة رقم (9) في وحدة الفقيد سعد بحي (كريتر), أحد أحياء مدينة عدن العتيقة. كنت جالساً أتابع مراسيم بداية المباراة النهائية بين المنتخب البرازيلي والمنتخب الإيطالي في كأس العالم لدورة 1994م في ملعب باسادينا بولاية كاليفورنيا بالولايات المتّحدة. وكنت كملايين البشر الذين يتابعون بشغف وترقّب نهاية العرس الكروي العالمي الجميل, بيد أنه للأسف لم تكتمل فرحتي بتلك المشاهدة المثيرة, إذ تدخّلت تلك المكالمة الفارقة لتحرمني من المتابعة الفاصلة, ولكني عرفتُ فيما بعد أن النتيجة أسفرت عن فوز المنتخب البرازيلي بضربات الترجيح 3-2 وربما كان ذلك الفوز متوقّعاً.

كان ذلك الصوت الذي انساب من سمّاعة الهاتف ليس غريباً علي أذني ولعلّني عرفته من أول وهلة وما زال يطنُّ في أذني حتّى اليوم رغم تعاقب السنين. كان يريد صاحب ذلك الصوت الكئيب أن يستيقن من أنني موجود في البيت, لأنه انقطع فجأة دون أن أفهم ما قصده؟ أو ماذا يريد؟ ولكن قصده تبيّن لي بعد عشر دقائق بالضبط من تلك المكالمة الفارقة, فقد كان الأمر مدبّراً بليل, إذ سمعتُ طرقا على باب شقتي المتواضعة جداً وهي التي خرجتُ بها بعد خدمة عشرين سنة في عدن الحبيبة. نظرتُ من عدسة العين السحرية بالباب فإذا بثلاثة جنود بلباسهم العسكري أحدهم برتبة رائد واقفين خلف الباب مدجّجين بالأسلحة الآلية. لم ينتابني أي شعور بالقلق, كيف لا وقد وضعت الحرب المشؤومة أوزارها في يوم 7 يوليو في ذلك الصيف المشهود, أي قبل ستة أيام فقط من تلك المكالمة الفارقة, وظننتُ أن ما يحصل الآن ما هو إلا إجراءات أمنية روتينية تقتضيها ظروف ما بعد الحرب الظالمة.

دخل الجنود تحت إشهار السلاح زاعمين أن لديَّ سلاح وفتّشوا كل أركان غرف الشقّة دون جدوى بما في ذلك دواليب الثياب والغسّالة وأدوات المطبخ وغيرها. صحيح كان عندي في الشقّة في آخر فترة من تلك الحرب الجائرة أولاد المرحوم العقيد فرج مبارك باحمبص, قائد اللواء 30 في (مكيراس) وقد تركوا شقتهم في حي (المنصورة) عندما ازداد القصف على تلك الأحياء الطرفية من محافظة عدن, وقد فرّ كثير من سكّان المنصورة والأحياء الأخرى المجاورة لها إلى أماكن أخرى آمنة في كريتر اتقاء شدّة القصف العشوائي. والمرحوم العقيد فرج باحمبص زميل دراسة في المرحلة الابتدائية ومن بلدياتي, بل نحن جيران وأقرباء. كانت الوشاية المدبّرة كبيرة وهم يظنون أنهم إذا تم اكتشاف سلاح في الشقة سيكون ذلك مبرراً لإخراجي منها لدوافع انتقامية وذلك كان منتهى قصدهم, وربما كان أولئك النفر مرتزقة مستأجرين للقيام بتلك التمثيلية الآثمة. لم يتبقّ للمقتحمين بعد ذلك التفتيش الدقيق والشامل إلا حقيبة دبلوماسية صغيرة ومغلقة تركها عندي أولاد المرحوم العقيد.

أشّر لي الرائد النحيل العبوس بفتحها وقلت له هذه الحقيبة ليست ملكي وليس لديَّ مفتاحها أو الرقم الذي تُفتح به. أشّرَ الضابط النحيل لأحد الجنديين بفتحها عنوة بسكين الرشاش الآلي, لحظتها فقط اعتراني بعض القلق مخافة أن يجدوا بها مسدسا ماكريوف روسي الصنع للعقيد كان معي, ولكنّي كنت قد سلّمته لحسن الحظ بعد يوم 7 يوليو لأبنائه. عند تفتيش الحقيبة اتّضح أنها تحتوي على وثائق بسيطة وكتيبات حزبية وصور تذكارية عادية للعقيد منها صورة كبيرة للعقيد مع الأمين العام للحزب الاشتراكي وقتئذ الأخ المناضل علي سالم البيض ولم يكن المسدس بداخلها. ولكنّهم مع ذلك وجدوا مبرراً أقوى لاقتيادي خارج البيت مع ابن أختي المريض الموجود معي في الشقة, أمام أنظار الجيران الذين لم يحركوا ساكنا وأني أعذرهم على ذلك, فمن ذا الذي يستطيع أن ينبس ببنت شفة في تلك الأيام العصيبة؟.

كانت سيارة صالون بيضاء في الانتظار أسفل الشقة وبها رجل بثوب أبيض وبلباس مدني في مقعد السائق والتي نقلتني مع ابن شقيقتي لأحدى مخيمات النازحين من (دار سعد) وهي عبارة عن مدرسة إعدادية للبنات في (شعب العيدروس). ومع ذلك كما يقال رب ضارة نافعة, فقد انتقل عملي بتوجيه قدري من قبل الأستاذ الدكتور محمد سعيد العمودي رئيس جامعة عدن في تلك الظروف الصعبة أطال الله عمره لفتح قسم للهندسة المعمارية في المكلا يتبع كلية الهندسة جامعة عدن والتي لا يوجد بها هذا القسم في تلك الفترة. ولم يكن قراره ذلك إلا بعد أن استنفذ عدّة محاولات شجاعة مع وكيل وزارة الداخلية الذي كان مقرّه في (معسكر طارق) لاستعادة شقتي المُقتحمة والمنهوبة.

تصادف وجودي في المكلا إنشاء جامعة حضرموت والتي كان مكلفا برئاستها المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد في أواخر شهر اكتوبر من العام 1995م, والذي رحّب بي كنائب لرئيس الجامعة. إن قصدي من سرد هذه الحكاية دون تفاصيلها وهي كثيرة, إلا تبرئة لذمّتي أمام الجميع, وليعلم بها من أراد تقصّي حقيقة الواقعة وفي هامشها الضيق والمحدود ولكن بدقّة وصدق, وبذلك أكون كمن يقدّم كشف حساب لمرحلة من مراحل العمر انصرمت, مرحلة فارقة جدا دامت عشرين سنة في عدن الحبيبة أثر مكالمة فارقة جدا لم تدم إلا عشر ثواني, بيد أن تلك المكالمة قد غيّرت مجرى حياتي المتواضعة رأساً على عقب ومكّنتني من التعرّف على أساتذة من عمالقة القانون والمحاماه في عدن لعل منهم المحامي المرحوم محمد محمود ناصر الذي تعيّن وزيراً للعدل في الدولة التي حاولت استعادة وضعها الدولي باسم جمهورية اليمن الديمقراطي ولكنها وُلدت ميّتة والمحامي صالح عبدالله البعداني أطال الله عمره ومن الطرف الآخر المحامي صلاح الدين حامد أتمنى أن يكون على قيد الحياة والمحامية المرحومة راقية عبدالقادر حميدان, وطائفة كبيرة من رجالات الشرطة والقضاء والقانون ووجهاء محترمين في مدينة عدن المحروسة.


(بين الأقواس أحياء وأماكن في عدن)


المكلا في 13 يوليو 2023م
 


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter