|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  27  / 6  / 2026                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



شخصيات أكاديمية مرّت على جامعة حضرموت (4)
المرحوم الأستاذ الدكتور محمد محمود الخوالدة

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

هذا أكاديمي وتربوي أردني بارز من أصول فلسطينية, عمل أستاذاً في كلية التربية بجامعة اليرموك وتولّى عمادتها خلال مسيرته العلمية, وجاء لجامعة حضرموت أبّان رئاسة المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد أول رئيس للجامعة وربما كان ذلك في العام 1998م, أي في البدايات الأولى لإنشاء الجامعة. ونظراً لخبراته الأكاديمية والإدارية عُيّن مستشاراً لرئيس الجامعة إضافة إلى مهامه التدريسية الذي كان يقوم بها خير قيام, فهو أستاذ أصول التربية, تحصّل على درجة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت في بداية الثمانينات ثم تولّى مناصب قيادية في جامعة اليرموك آخرها كان عميداً لكلية التربية فيها ولفترة طويلة. أسهم في تدريس أجيال من طلبة الدراسات العليا وفيهم الكثير من الطلاب العرب وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه ونشرَ بحوثاً في الإدارة التربوية والتعليم العالي والمواطنة والحرية الأكاديمية, كما صدرت له عدة كتب في أصول التربية والمناهج التربوية الإبداعية للطفولة المبكّرة. يُعد الأستاذ الدكتور الخوالدة من الشخصيات التي كان لها أثر في تطوير الدراسات التربوية في الأردن, كما كان من المشرفين النشطين على رسائل الدكتوراه والماجستير, ومن الأمثلة على اقترابه من اليمن وجامعاته رسالة دكتوراه للباحثة اليمنية فائزة عبدالله قحطان إسماعيل أشرف عليها, وأجيزت في كلية التربية بجامعة اليرموك عام 2006م بعنوان:
(الكفايات المهنية لدى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية)

توطّدت علاقتي بالأستاذ الدكتور محمد محمود الخوالدة بحكم عمله مستشاراً لرئيس الجامعة فكنّا نلتقي في كثير من المرات لتداول بعض قضايا الجامعة العلمية وهي في بداية تكوينها ومنها التفكير في وقت مبكّر بإصدار مجلة علمية خاصة بالجامعة. كنتُ اصطحبه بعض الأحيان في جولات عصرية لشواطئ المكلا ومنطقة بروم وأسواق السمك فيها, فقد كان مغرماً بسمك المكلا الطازج الذي لا يجده في إربد, ولكن شاءت مشيئة الله أن ينتقل الأستاذ الخوالدة إلى بارئه في هدوء وسكينة يوم 29 أغسطس 2019م في أحد المدن الكندية كما أخبرتني بذلك في حينه أسرته الكريمة وأبناؤه بهاء وحنين الذين كانوا معه في تلك الرحلة الأخيرة من عمره, ودُفن هناك في مقبرة المسلمين. كان المرحوم الخوالدة يمتلك خلفية دينية واضحة ووسطية دون غلو أو تطرف وله آراء عروبية وإسلامية متفتّحة على ثقافات الشعوب, وله حضور بارز ومؤثّر في الوسط الأكاديمي في الأردن من خلال إلقائه محاضرات في نادي المعلمين في إربد, لاحظتُ ذلك عندما قضيتُ فترة تفرّغ علمي قصيرة في كلية الحجّاوي للهندسة التطبيقية التابعة لجامعة اليرموك وكان حاضراً هناك بعد أن أنهى فترة عمله في جامعة حضرموت.

كانت للأستاذ الخوالدة سمات راسخة في قناعاته فهو مثلاً لا يقرُّ أبداً بمبدأ إن الكائن الجن يدخل في الإنسان ويتقمّص شخصيته بحجة اختلاف طبيعة التكوين لكليهما, فالإنسان مخلوق من طين والجن مخلوق من نار كما تقرّه مفاهيم ديننا الإسلامي الحنيف, ومن المستحيل أن يتم التداخل بينهما. إن هناك حالات يُقال إنها واقعية حصلت في قرانا ويتداولها الناس مثل إن فلان الفلاني دخل فيه الجنّي وصار يتكلم بلهجة مغايرة تماماً للهجته بل وصل الأمر غرابة أن يكون الجني من الجنس المؤنث فهو يتكلم على لسان الشخص الممسوس بلهجة الأنثى. وهناك حالات أخرى تُحكى لنا أن فلان الفلاني عندما يتقمصّه الجني يؤتى له بطبقٍ من الجمر يلتهمه على رؤوس الأشهاد. تطلّب مني هذا الأمر لإقناع الأستاذ الخوالدة أن اصحبه إلى بلدتي الديس الشرقية على بعد 120 كيلومتر من المكلا لزيارة الأشخاص الذين حضروا مثل هذه المواقف, امتدت بعض الزيارات إلى بلدات أبعد نحو الشرق مثل قصيعر والريدة الشرقية, ولكنه لم يقتنع البتّة بهذه الحكايات ووصفها بالخزعبلات والأوهام, ففي إحدى رسائله إلي والتي لم تنقطع بعد مغادرته حضرموت يقول في فقرة منها بالنص:
(أتساءل هل ما زال الجن ينتشر في البلاد ويتلبّس العباد؟ وما زال أطباء الجن يكذبون ويمارسون مهنتهم بكل حرية دون تمحيص أو سلطة علمية تخوّل لهم ذلك. أصلح الله أمتنا العربية والإسلامية وخلّصها من كل ألوان الوهم والفساد لكي تحيا حياة مستقيمة في هذه الدنيا التي تحمّل الإنسان أمانتها, ولكن شياطين الإنس أفسدوا الرسالة هذه وصغّروا دور الإنسان فيها وتركوه مذموماً محسوراً)

تبقّى أن أشير أن المرحوم الخوالدة شأنه شأن كثير من أفراد جيله, أُجبرت عائلته على النزوح أثر نكبة 1948م من موطنه الأصلي (يافا) إلى (اللد) لفترة بسيطة وعمره لا يتجاوز الثمان سنوات, ثم أجبرت أن تنزح من (اللد) لمراكز اللجوء في الضفة الغربية لتستقر أخيراً في (إربد), وتلك الرحلة المأساوية تلزمها وقفة أخرى خاصة بها, فقد تعرّضت أسرته لإطلاق نار من قبل العصابات الصهيونية الغاشمة أثناء نزوحهم من (يافا) ومات فيها أحد أشقائه الصغار. ومما لا شك فيه أن المرحوم الخوالدة كان دائماً يحن لتراب وطنه السليب, وأذكر في إحدى زياراتي للأردن, صحبنا مع عائلته لمنطقة على الحدود مع دولة الكيان الصهيوني تُسمّى (الحِمّة) حيث يوجد بها حمامات ساخنة كبريتية تشرف على أراضي فلسطين المحتلة وكانت هناك بحيرات صناعية للصهاينة لتربية التماسيح تظهرُ بكل وضوح في أسفل السفح, ولعلّي شاهدتُ حينها إن وجه ذلك الرجل الصلب والمرح قد اكتسى فجأة بلمحة حزن دارى فيها بصعوبة دمعتين تلألأت بكل وضوح في مقلتيه. رحم الله الصديق الراحل الأستاذ الدكتور محمد محمود الخوالدة الضيف الكريم الذي مرَ على جامعة حضرموت مرور الكرام.



المكلا في 27 يونيو 2026م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter