| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 21 / 8 / 2023 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الهجرة العربية من هدفٍ إلى هدفد. سالم رموضه *
(موقع الناس)إن التراث العلمي الذي خلّفه الأقدمون والانقلابات العلمية التي تتابعت هي التي أوصلت الإنسان اليوم إلى ما وصل إليه، وجهود فرد أو جماعة في ميادين العلم والمعرفة تمهّد السبيل لظهور جهود جديدة من أفراد أو جماعات أخرى, ولولا ذلك لما تقدّم الإنسان ولما تطوّرت المدنيات. فاليونان بداية قد قاموا بدورهم في الفلسفة والعلوم ولهم بصمات أولية مشهود لها على مدى الأزمنة والتاريخ، وتناقل العرب عبر الترجمة في فترات مزهرة من العصر العباسي وبالذات في عهد الخليفة المأمون هذا الدور في شتّى صنوف المعرفة الإنسانية وهو الدور الذي مهّد للأدوار الانقلابية العلمية المبهرة التي قام بها الغربيون فيما بعد. فوجود ابن الهيثم وجابر بن حيّان وأمثالهما كان لازما لظهور غاليليو ونيوتن، وعلى هذا الأساس يمكن القول لولا جهود العرب العلمية لبدأت النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر من النقطة التي بدأ منها العرب نهضتهم العلمية في القرن الثامن الميلادي, وأستند كل ذلك على حراك وهجرات علمية متبادلتين.
واليوم يشهد العالم العربي هجرة غير منظّمة لكثير من العقول العلمية في شتّى صنوف العلوم وبالذات في النادر منها نحو الغرب وعبر الأطلسي، والأسباب وراء هذه الهجرة كثيرة ومتعدّدة، الأمر الذي يستدعى البحث عن أي دور يمكن أن يؤديه هؤلاء العلماء المهاجرون في رفد العالم العربي بمردودات تنموية عبر وسائل وقنوات مشجعة، ديدنها طمأنة هؤلاء العلماء المهاجرين يكون أساسها بناء دولة الرعاية الإنسانية والحرية الأكاديمية في الوطن العربي الذي طالما تمنّت أجيال من القوى الوطنية التحرّرية وطلائعها المتنوّرة قيام مثل ذلك المشروع الحضاري المنشود عبر إنماء العنصر البشرى أولاً لأنه هو أهم العناصر التي تصنع التنمية الإنسانية المستدامة غير القابلة للارتداد. فالإنسان المتمسك بكل ما هو ايجابي في تاريخه وتراثه وحضارته، هو القادر على تحقيق التنمية العلمية والاقتصادية والاجتماعية، سواء كان هذا الإنسان داخل هذا الوطن العربي الكبير أو هاجر منه لأسباب مختلفة.
ومنذ سالف الزمن في تاريخ أمتنا العربية والإسلامية, رافق مصطلح الهجرة خطوات الدعوة المحمدية في بداياتها, لمّا طلب الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى أصحابه الهجرة إلى الحبشة عندما اشتد الحصار من حولهم في تلك البيئة المحدودة من مكّة المكرّمة, وربما يمكن القول إن هؤلاء الروّاد الأوائل من المهاجرين المستضعفين كانوا السبب في إسلام النجاشي ملك الحبشة. والهجرة عبر التاريخ الإنساني برمّته كانت عبارة عن موجات بشرية متداخلة كموج البحر تتولّد عنها طاقات هائلة تحرك السطح والأعماق وتعمل على توازن الحياة على ظهر هذه المعمورة. ثم جاء مصطلح التكفير والهجرة لدى بعض الجماعات الإسلامية في العقود الأخيرة من القرن الماضي دخيلا نشازاً في الحياة الفكرية والسياسية في عالمنا العربي والإسلامي وربما عانى من تبعاتها وما زال يعاني من نتائجها الكثير من مجتمعاتنا في كثير من الحصاد المر.
وبشكل عام فإن الهجرات العربية إلى بلاد المهجر تتعدّد إلى عدة أنواع منها:
- الهجرات التجارية عندما رحل كثير من التجّار العرب منذ قرون بعيدة وعلى وجه الخصوص من حضرموت إلى جنوب شرق آسيا لتجارة التوابل والأخشاب والنسيج وكذلك لبلدان السواحل الأفريقية لأسباب مشابهة وكان لهم دون ريب الفضل في انتشار الإسلام في تلك البقاع النائية لطيب معشرهم ولحسن تعاملهم مع الناس هناك.
- الهجرات العلمية فلا يكاد يخلو بلد من البلدان العربية من انتشار ظاهرة الابتعاث والهجرة إلى الخارج, ولكن أبرز حالات الهجرة هذه, هي هجرة ذوي المهارات والخبرات العالية من العلماء والمهندسين والأطبّاء وعلماء الفيزياء والرياضيات إلى البلدان الغربية من أجل العمل في مؤسسات الغرب العلمية ومراكزه البحثية. وتشير التقارير الدولية إلى أن هجرة تلك العقول العربية تؤلف خسائر اقتصادية فادحة تؤثر في الاقتصاد القومي للدول العربية تأثيراً سلبياً وفي اقتصاد دول المهجر تأثيراً إيجابياً.
- وهناك الهجرات السياسية, وهي من أكثرها خطورة ومجازفة هذه الأيام لا سيما لأولئك الذين يحاولون أخذ فرص اللجوء السياسي بالاستعداد لتغيير هوياتهم الوطنية والدينية لدرجة أن تجرأ أحدهم بحرق نسخة من القرآن الكريم أمام مقر أحد السفارات العربية على مرأى من الأشهاد. وواضح اليوم أن معظم المهاجرين العرب إنما هم لاجئون سياسيون أو فارّون من قسوة أنظمتهم السياسية المستبدّة الفاسدة أو فلسطينيون, عراقيون, سوريون وأخيراً سودانيون مهجّرون قسراً أو نازحون من وطنهم الأصلي بسبب الاحتلال والحروب الأهلية وصراعات الأنظمة العسكرية وميلشياتها فيما بينها في مشاهد مأساوية وعبثية.
المكلا في 20 أغسطس 2023م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق