|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  1  / 1   / 2026                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



أثر السودان على التعليم في حضرموت

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

يُطلق على حضرموت الساحل والداخل المحمية الشرقية لبريطانيا منذ ثلاثينات القرن المنصرم حتى عام الاستقلال عنها في 30 نوفمبر 1967م. وكانت حضرموت الساحل وأجزاء من الداخل تحكمها السلطنة القعيطية وعاصمتها مدينة المكلا, وبقية أجزاء حضرموت الداخل تحكمها السلطنة الكثيرية وعاصمتها مدينة سيئون. والدولتان محميتان بريطانيتان تتبعان مستعمرة عدن, وبعد توقيع معاهدة الاستشارة مع الدولتين أصبح لهما مستشار بريطاني يتبع والي عدن. وكان التعليم في حضرموت في الثلاثينات وبداية الأربعينات يقتصر على اللغة العربية بفروعها المختلفة وعلى القرآن الكريم وتفسيره وعلى الفقه وفروعه وسير الأنبياء والصحابة وشيء يسير من علم الحساب في أبسط مفاهيمه ومعانيه, والمؤسسات التي تقوم بهذه العلوم وفق مستوياتها المختلفة هي الكتاتيب والأربطة الدينية وحلقات المساجد ومدارس أولية وربما بعضها أهلية قليلة في عددها ناقصة في احتياجاتها من مدرّسين متدرّبين ومن وسائل تعليمية وكتب مدرسية مناسبة ومناهج عصرية.

وبهدف تطوير التعليم الأساسي في حضرموت, قام المستشار البريطاني المقيم في المكلا المستر انجرامس بدعوة المستر قريفس عميد معهد التربية بخت الرضا بالسودان بزيارة قصيرة لحضرموت الساحل والداخل عام 1938م, وكانت نتيجة تلك الزيارة خطة عام 1938م لتنظيم التعليم الحكومي بحضرموت على أن تنتهج هذه الخطّة النهج السوداني, منهج تجربة معهد التربية بخت الرضا في الدويم, والتي أشرف المستر قريفس عليه منذ افتتاحه في العام الدراسي 33/1934م في قرية صغيرة تُسمّى بخت الرضا بالدويم وتبعد بخت الرضا عن مدينة الدويم إلى الشمال بثلاثة كيلومترات على ضفاف النيل الأبيض في الجانب الغربي منه.

وجد المستر قريفس عميد معهد التربية بخت الرضا أثناء زيارته لحضرموت الساحل وحضرموت الداخل أن هناك تشابه بين السودان وحضرموت في النواحي الاجتماعية والظروف البيئية, وأنه بالإمكان تطبيق تجربة معهد التربية بخت الرضا على التربية في حضرموت الساحل والداخل, الأمر الذي جعله يوصي باستقدام الشيخ القدّال سعيد القدّال البالغ من العمر 38 سنة ليكون مساعداً ثقافياً للمستشار البريطاني المقيم بالمكلا المستر انجرامس لتنفيذ خطة تنظيم التعليم في حضرموت التي اقترحها. وقد حضر بالفعل القدّال باشا من السودان إلى المكلا في شهر أبريل من عام 1939م, وهو تربوي قوي الشخصية وذكي وله قدرات فائقة على الإقناع, ومكث في حضرموت حتى عام 1957م تقلّد خلالها منصب ناظر المعارف ثم سكرتير الدولة الذي يُعتبر رئيس الحكومة في المصطلحات السياسية الحديثة.

اُستحدث في بداية تنظيم التعليم الأساسي في حضرموت سلّم تعليمي يتمشّى مع السلّم التعليمي السوداني ويتكون من ثلاث مراحل تعليمية هي:

- المرحلة الابتدائية ومدّتها أربع سنوات
- المرحلة المتوسّطة ومدّتها أربع سنوات
- المرحلة الثانوية ومدّتها أربع سنوات

وجاءت مرحلة الثانوية متأخرة في عام 1962م في المكلا وفي عام 1965م في سيئون ليكون مدة التعليم العام 12 سنة. فقد تم افتتاح مدرسة المكلا الثانوية للبنين (بن شهاب حالياً) عام 1962م وتُعد أول مدرسة ثانوية في حضرموت في عهد الدولة القعيطية, وتم افتتاح ثانوية الصبان للبنين بسيئون عام 1965م في عهد الدولة الكثيرية وكان أول مدير لها السوداني عبدالفتّاح أحمد عيسى وكان الامتحان النهائي للثانوية يأتي من السودان ويُصحّح في السودان. وبطبيعة الحال فإن هناك جوانب غير مباشرة أدخلها الاستعمار البريطاني على نظام التعليم سواء في المستعمرة الأساسية عدن أو في المحميات التابعة له ومنها محمية حضرموت ومن هذه الجوانب:

- خلق قناعة ذهنية وفكرية بوجود الاستعمار والحصول على كوادر مناسبة للإدارة الاستعمارية وقد بُطّنت هذه القناعة بعبارة العيش بسلام وانسجام.
- إدارة المعارف بالدولة القعيطية بحضرموت جعلت سياسة التعليم وأهدافه عام 1944م هو عملية محو للأمية في المرحلة الابتدائية وتأهيل كتبة وضاربين على الآلة الكاتبة بعد المرحلة المتوسطة.
- الجماعات ذات النفوذ الروحي والسلطان في حضرموت آنذاك ترى أن التعليم هو التربية الإسلامية ولا يمكن أن تتطاول عليها أي فئة اجتماعية.
- اُدخلت بعض المفاهيم الحديثة في مناهج التعليم الثانوي والانفتاح على العالم الخارجي.

وكان تأثير المناهج السودانية على التعليم العام في حضرموت واضحاً من خلال استنهاج الكتب التربوية والتعليمية في معهد التربية بخت الرضا بالسودان, خاصة مقررات اللغة العربية والرياضيات والتاريخ والجغرافيا والعلوم. أما مقررات التربية الدينية بفروعها رغم إنها ألّفت على أساس المذهب المالكي السائد في السودان إلا إنه روعي ألا يكون هناك جوانب اختلاف مع المذهب الشافعي المتبع في حضرموت.

أما اللغة الإنجليزية للمستوى المتوسط فهي الكتب الأربعة الشهيرة لمايكل وست (
Michael West) المعدّة خصيصاً للعالم العربي مع الملحق الخاص لكل كتاب وبعض الكتب الانجليزية الأخرى لقواعد النحو, وتم التركيز بشكل واضح على الأدب الإنجليزي في المستويين المتوسط والثانوي مع اختيار روايات أدبية أُعيد كتابتها بلغة مبسّطة ومختصرة لروائيين إنجليز مشهورين, ومن أمثلة هذه القصص والروايات التي يتم الاختيار منها:

- A tale of two cities
- Monte Christo
- Tom Brown school days
- Great expectations
- David Copperfield
- Treasure island
- Oliver twist
- King Solomon mines
- Adventures of Tom Sawyer
- Adventures of Huckleberry Fin
- Black tulip
- Blue lagoon

ولتنفيذ هذه السياسة التعليمية المتأثرة بالمناهج السودانية, توالى قدوم المعلمين السودانيين أصحاب الخبرات للمدرسة الوسطى بغيل باوزير المدرسة النموذجية التي تم تطبيق التجربة فيها أولاً, ثم لبقية المدارس المتوسطة الأخرى في حضرموت مثل وسطى الباغ بالشحر ووسطى القطن ووسطى الديس الشرقية. وتم كذلك الاستعانة بمعلمين سودانيين وفلسطينيين للمدارس الثانوية بقسميها البنات والبنين, وكان لهؤلاء المعلّمين دور كبير في تطبيق خطة تنظيم التعليم في حضرموت في جانبها التعليمي وكذا نشر الأنشطة اللاصفية مثل فرق الكشّافة وأندية المسرح والفنون والألعاب الرياضية ككرة القدم والسلّة والتنس الأرضي والروندس وكرة الطائرة والقفز بالزانة والجري والسباحة وألعاب القوى المختلفة والجمباز. ومن المعلمين النموذجيين الذين لا يُنسى فضلهم في المدرسة الوسطى بالديس الشرقية وهي المدرسة التي تعلّمتُ فيها الأستاذ أحمد خوجلي معلم الرياضيات والأستاذ فيصل هلال معلم التاريخ وكذلك المعلمون الذين درسوا في ثانويات السودان النموذجية مثل الدكتور سعيد عبدالله باعنقود ومحمد عبيد واتين. كما يقوم بالتدريس في أغلب المدارس المتوسطة مدرسون تخرجوا من معهد التربية بخت الرضا أو من المدارس النموذجية في السودان.

وفي جانب آخر ابتعثَ من المدارس المتوسطة في ساحل حضرموت أوائل الطلاب للسودان وبالذات إلى ثانوية حنتوب الثانوية في وادمدني وإلى مدرسة بوتسودان الثانوية وقد تخرج من هذه المدارس معظم النخبة الحضرمية في مجال التربية والسياسة والإدارة والاجتماع والثقافة وكافة المهن الطبية والهندسية والزراعية. والجدير بالذكر إن أول مبتعث لمدرسة حنتوب الثانوية هو المرحوم محمد عبدالقادر بافقيه أول وزير للتربية والتعليم في حكومة الاستقلال عن بريطانيا في 30 نوفمبر عام 1967م, كما تخرج من جامعات السودان العريقة وخاصة جامعة الخرطوم طائفة أخرى من الكوادر العلمية والدينية والعلوم الشرعية.



المكلا في 1 يناير 2026م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter