|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  19 / 11 / 2020                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



رواية 67

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

صدرت الطبعة الأولى من رواية 67 في عام 2017م عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة للروائي المصري صُنع الله إبراهيم, أي بعد مضي نصف قرن بالوفاء والتمام على تلك الحرب المأساة عام 67 والتي سُمّيت تخفيفاً بالنكسة. وكنت قد تابعت حلقة نقاش خاصة حول هذه الرواية في برنامج لإحدى القنوات الفضائية المشهورة, الأمر الذي جعلني أكلّف أحد الزملاء الذاهبين للقاهرة لإحضار نسخة منها لقراءتها كاملة. وربما كان هناك دافع شخصي حفّزني لمحاولة فهم ما يدور في خلد الأدباء في تلك الحقبة الدرامية الفاصلة في تاريخ هذه الأمة المنكوبة بأنظمتها الشمولية, سيما وأني كنت شاهد عيان على تسلسل الأحداث في تلك الأيام, إذ كنت في عاصمة المعز في إجازة صيف خلال دراستي الثانوية في مدرسة حنتوب الثانوية بوادى مدني في السودان. أنهى الروائي صنع الله إبراهيم كتابة مسودّة تلك الرواية وسافر في صيف عام 1968 إلى بيروت بعد سنةٍ واحدةٍ من تلك الحرب, وأطلق على الرواية اسم (67) ولم يفكّر في محاولة نشرها في مصر كما يقول لظروف الرقابة على النشر وقتها, ولكن جو السماح السائد في لبنان شجّعه على تقديمها إلى عدّة دور نشر ولكنه جوبه بالرفض منها جميعاً. من تلك الدور الدار التي أنشأها الشاعر الراحل نزار قبّاني وهي التي كانت مقتصرة على نشر دواوينه ودار الآداب التي أسّسها الأديب الراحل سهيل إدريس, ولكل من هذين الدارين أسبابه في رفض نشر الرواية. الملاحظ أن الرواية تتكون من اثني عشر فصلاً, كل فصلٍ منها يتناول شهراً من شهور عام 1967, عام الهزيمة القاسية. ومن الملاحظ كذلك بوضوح أن الكاتب قد انشغل بتفاصيل هامشية وبحوارٍ مقتضبٍ لأبطال روايته تركّز معظمه حول نواحٍ جنسية لا تمت بحال من الأحوال لطبيعة سلوك السواد الأعظم للشعب المصري الكادح البسيط. بل كانت هناك علاقات جنسية غير سويّة, منها تلك التي نُسجت بشكلٍ صادم بين المتحدّث بلسان البطل في الرواية غير المتزّوج وزوجة شقيقه الأكبر وهو أمر مستهجن في مجتمع محافظ يراعي القيم المجتمعية وثوابت الأخلاق المتعارف عليها. وبالرغم أن الكاتب كان يبحث عن شكل روائي يعبّر في فضائه عن الواقع الموجود وبالتالي فإنه إذا اقترب من زوايا تاريخية فإنه يظل في الأساس روائياً ولا يمكن أن يكون الروائي مؤرِخاً لأن الرواية كما يقول صنع الله إبراهيم هي مجرد كذبة ومن حقّه أن يستخدم في النسيج الروائي تفاصيل حقيقية في الحياة والتاريخ والجغرافيا.

لم أجد شيئاً في الرواية ذا بال مما كنت أتوقعه, وأنا استرجع ذكرى عبر عليها نصف قرن ونيف غير خواطر عادية لأناس عاديين جمعتهم أروقة مبنى الصحافة اليومية الذين يرتادونه بحكم طبيعة عملهم. لا تخلو أي صفحة من صفحات الرواية من ذكر عادات شرب السجائر بلسان المتحدّث الأساسي في الرواية كما تعكس صفحات محدودة من عادة أخرى مناظرة وهي عادة احتساء المشروبات الكحولية. ودعونا نلج قليلاً في صلب أحداث الرواية في الفصل السادس بالذات والذي فيه وقعت ذروة الأحداث السياسية وهو شهر يونيو من عام 1967 يقول بطل الرواية المتحدث " استيقظت فجأة على صوت دوي بالخارج. رفعت يدي لأرى ساعتي وكانت التاسعة والنصف. بقيت ممدداً أتطلع إلى ضوء الشمس من النافذة. وتكرّر صوت الدوي. وكان أشبه بصوت القنابل... فغادرت الفرش. سمعت جرس التليفون فانطلقت إلى الصالة ورفعت السمّاعة. كانت زوجة أخي. قالت: ألم تسمع بعد؟ بدأت الحرب ....." ثم استرسل الكاتب في سرد بسيط سطحي لأحداث الأيام الصعبة في ذلك الشهر الحار بما في ذلك قرار التنحّي وتداعياته. تضاءل حماسي بعد ذلك في قراءة ما تبقّى من أجزاء الرواية فلست بالناقد الفني الذي يمكنه أن يدلي برأي حرفي في الجماليات الفنية للرواية ولكني قارئ كان يود أن يعرف المزيد من تفاصيل ما دار من أحداث أثّرت بكثير من الضغوطات النفسية على جيل مقهور بالرغم من بعض البلاسم العاطفية التي طرأت فيما بعد في فترة حرب الاستنزاف وبطولات الرجال الشجعان في حرب العبور العظيمة في العاشر من شهر رمضان المعظّم الموافق السادس من أكتوبر 1973م.


*
نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter