|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  18  / 11  / 2025                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



هُدهُد حنتوب
رسول التعليم لكل أنحاء السودان

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

ماذا يحدث في السودان؟ وبالذات في منطقة دار فور ومدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دار فور من فظائع وأحزان؟ السودان بأرضه وشعبه الذي عرفته في فترة من الزمان؟ ذلك المضياف الكريم الذي تنعم طوائفه كلّها بالتآلف والأمان؟ إذ كنتُ أتعلّمُ في مدرسة ثانوية نموذجية اسمها حنتوب وشعارها الهدهد الرسول إلى الملكة بلقيس ملكة سبأ من سيدنا سليمان؟ وقد سرّني للغاية أن أرسل إلي مهندسٌ صديقٌ من سراييفو رابطاً لصحيفة (السوداني) بها مقال رائع للأستاذ سليمان عثمان فقيري, وهو من خريجي مدرسة حنتوب الثانوية بوادي مدني في السودان في عام1952م, شرح فيه بشكلٍ جذّاب الحياة التعليمية والتربوية في مدرسة حنتوب الثانوية وتطرّق لمختلف الأنشطة الثقافية والرياضية فيها, بل حتّى للحراك السياسي وتياراته المختلفة, موضّحا أن مدرسة حنتوب الثانوية حَظِيت بناظرٍ ومعلّمٍ تربويٍ فذ قلّ أن تجودَ به بريطانيا العظمى التي لا تغربُ عنها الشمسُ كما كان يُقال. وهذا الناظر هو المستر (براون) الذي قصدَ أن تكون حنتوب التعليمية كنظيراتها في بريطانيا مثالاً يُحتذى به كمدينة كمبردج الجامعية وكذلك كمدينة أكسفورد الجامعية رغم إن المؤسسة التعليمية في حنتوب آنذاك كانت بمستوى المدارس الثانوية.

لقد أعاد لي ذلك المقال الرائع ذكريات جميلة خلال فترة دراستي بهذه المدرسة النموذجية خلال الفترة 1966- 1970م, إذ تطرّق الأستاذ سليمان عثمان فقيري لوصفٍ كاملٍ للحياة الداخلية اليومية في حنتوب بمبانيها التعليمية والإدارية ومرافقها الخدمية والإعاشية والرياضية والثقافية, كما استعرض بعض النماذج من مدرّسيها والقائمين على خدمتها في الفترة التي عايشها, وربما فيهم أشخاص قُدّر لنا أن نعاصرهم مثل الصول ضارب جرس المدرسة, وسائق رفّاص (قارب) المدرسة الذي ينقلُ الطلاب كل يوم خميس للضفّة الأخرى لنهر النيل لمدينة واد مدني, حيث كنا ننجذبُ لمكتبة القرشي ومكتبة مضوّي لشراء كتاب أو كتابين منهما إضافة لدخول محل الحلواني ياسين لأكل البسبوسة والباسطة وغيرها من الحلويات المشهورة في المحل. وفي بعض الأحيان كنّا نذهبُ لبيت العم يحيى الشرفي في ضاحيةٍ متطرّفةٍ من واد مدني وهو من ثوّار 1948م في اليمن, وفي البيت نلتقي بابنه المرحوم محمد يحيى الذي كان يكبرنا سنّاً والذي أصبح وزيراً للصحة في حكومة الجمهورية العربية اليمنية وكذلك بالأخ عبدالجليل غيلان والذي أصبح عضواً بارزاً في سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني وسفيراً فيما بعد في الجزائر ومصر.

ومن محاسن الصدف أن يكون معنا حاليا أستاذ سوداني فاضل في كلية الهندسة والبترول بجامعة حضرموت من خريجي مدرسة حنتوب في عام  1982 م وهو الأستاذ الدكتور فتح الرحمن الطيّب نور الدائم, كما كان أول عميد لهذه الكلية كذلك من السودان الأستاذ سعد عثمان البشير. وتضمُّ مدرسة حنتوب في تلك الفترة الزاهرة من الخمسينات والستينات خمسة فصول دراسية في كل مستوى دراسي وبأسماء علماء عرب ومسلمين وعالميين, ففي المستوى الأول ثبُتت الأسماء مثل ليوناردو وهو الفصل الذي التحقتُ به ثم المتنبي وغاندي وطارق وماركوني , وفي السنة الثانية ابن بطوطة, وباستير والرازي وفيتاغورس وحيّان وفي السنة الثالثة أبقراط وبيتهوفن والفارابي ونيوتن وشوقي وفي السنة الرابعة كوري وهو فصل الطلبة المتميّزين من دفعة المستوى الرابع كلّها وقد كنتُ أحد طلابه ثم حافظ والخوارزمي وابن خلدون وابن رشد.

وتضمُّ حنتوب كذلك عشر داخليات مكتملة بمباني منفصلة وبأسماء رموز وطنية سودانية : أبو عنجة وهي الداخلية التي سكنتُ فيها مدّة أربع سنوات دراسية كاملة ثم النجومي والزبير وذقنه وجمّاع ودينار وضيف الله والمك نمر وعدلان وأبو لكيلك.

وإذا كانت حنتوب تفخرُ بخرّيجين عظام من أمثال الرئيس اسماعيل الأزهري والدكتور حسن الترابي والرئيس جعفر النميري ومحمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني والجزولي دفع الله رئيس الوزراء والمقدّم بابكر النور رئيس انقلاب الشيوعيين عام 1971م والقائمة تطول من وزراء ورؤساء جامعات ومراكز بحثية ومستشفيات, فإن لحضرموت كذلك خرّيجين منها كبار من أمثال: المهندس فيصل عثمان بن شملان وزير الأشغال في أول حكومة بعد الاستقلال عام 1967 برئاسة قحطان محمد الشعبي ومرشّح رئاسة الجمهورية في دورة عام 2006م الانتخابية والدكتور فرج سعيد بن غانم وزير التخطيط وأصبح كذلك رئيس الوزراء النزيه في دولة الوحدة اليمنية والدكتور محمد عبدالقادر بافقيه وزير التربية والتعليم في حكومة الاستقلال أيضا ثم أصبح سفير اليمن الديمقراطية في فرنسا والدكتور المهندس عبدالرحمن عبدالقادر بافضل وزير الثروة السمكية وعضو مجلس النواب والشخصية الوطنية علي سالم الغرابي وسالم الأشولي نائب محافظ البنك المركزي اليمني والمهندس طالب جعفر بن شملان نائب وزير الإنشاءات والعمداء عبدالحافظ عبدالرب الحوثري ومحمد عبدالله بن ثعلب وعمر باسباع وعبدالله صالح بابقي وكبير المحاسبين بهيئة موانئ عدن علي عمر الصافي والدكتور عبدالله سالم عميّر المدير السابق لمستشفى الجمهورية بعدن والمهندس صالح عبدالله العساني مدير عام المؤسسة العامة للإنشاءات بالمكلا والأديب الشاعر سعيد محمد دحي والقائمة أيضا تطول, رحم الله الأموات وأطال الله عمر الأحياء منهم.

ودعنا نختتمُ هذا المقال متفائلين بالبيت الجميل من قصيدة المرحوم الهادي آدم الذي علّمنا في حنتوب في الصف الثاني دروس اللغة العربية متأمّلين أن تزول غُمّة الحرب وويلاتها التي عطّلت مسيرة التنمية والتقدّم في بلادنا وفي السودان:

وغدا تأتلقُ الجنةُ أنهاراً وظلّا...وغدا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى


المكلا في 1 نوفمبر 2025م


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter