| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 16 / 8 / 2026 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
شخصيات أكاديمية مرّت على جامعة حضرموت (7)
الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم البدريد. سالم رموضه *
(موقع الناس)خلال رحلتي اليتيمة لعاصمة الرشيد بغداد أواخر عام 1997م لحضور مؤتمر عمداء كليات الهندسة في الوطن العربي الذي انعقد في رحاب كلية الهندسة بجامعة بغداد والتي كان عميدها في تلك الفترة الأستاذ الدكتور محمد علي الألوسي, حضرتُ ذلك المؤتمر بصفتي عميد كلية الهندسة والبترول بجامعة حضرموت إضافة إلى عملي الرسمي نائباً لرئيس الجامعة المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد. لكن ذلك التوقيت صادف في تلك السنة ذروة الحصار الجائر على العراق العظيم وعلى أهله الطيبين, وبسبب ذلك الحصار لم يحضر المؤتمر إلا قلّة من العمداء من خارج العراق لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة, وهم بالتحديد من السودان وليبيا والأردن وفلسطين واليمن. لاحظتُ منذ الوهلة الأولى بوضوح تأثّر المواطن العراقي من جرّاء ذلك الحصار الظالم, وكم أحزنني وآلمني للغاية معاناة الناس من انهيار العملة العراقية العزيزة, لدرجة أن يتم التعامل بها في الأسواق وفي الأماكن العامة في أكياس بلاستيكية بعد أن كان الدينار العراقي الواحد يعادل قرابة الثلاثة دولار. رتّب لي المرحوم رئيس الجامعة بالتنسيق مع المرحوم الأستاذ الدكتور داخل حسن جريو رئيس الجامعة التكنولوجية والأستاذ الدكتور عوني كامل شعبان رئيس جامعة تكريت زيارة بعض الجامعات العراقية الرصينة ومنها جامعة بغداد والجامعة التكنولوجية وجامعة تكريت. ذهبتُ الى جامعة تكريت فور انتهاء فعاليات مؤتمر الجمعية وانتخاب كلية الهندسة والبترول بجامعة حضرموت عضواً مؤسّساً فيها وقرار المؤتمر بأن يكون مقر الجمعية هو كلية الهندسة في جامعة بغداد, حيث استقبلني هناك في تكريت استقبالاً كريماً شخصية أكاديمية مهذّبة ومتواضعة للغاية هو الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم البدري مساعد رئيس الجامعة وهو من مواليد 1951م في قضاء العزيزية, محافظة واسط. كانت رؤية رئاسة جامعة حضرموت أن تنشئ كليات مُستحدثة على نطاق الجامعات الوطنية وتعكسُ في نفس الوقت الطابع البيئي والاقتصادي في حضرموت, فكان من الضروري التفكير في كلية تعني بقضايا البيئة والثروة السمكية, وأشار الأخ الأستاذ الدكتور عوني كامل شعبان رئيس جامعة تكريت بأن هناك في جامعة تكريت من الأكاديميين من لهم اهتمامات خاصة بهذه التخصّصات وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم مساعد رئيس الجامعة, الذي بادر بإعداد خطّة أولية لبرنامج البكالوريوس في كلية البيئة والموارد البحرية أو الثروة السمكية في جامعة حضرموت, أخذتها معي عند عودتي للمكلا على أمل أن يترتّبَ له برنامج أستاذ زائر لمتابعة تنفيذ الخطّة والإشراف المباشر على تنفيذها باعتباره أن يكون أول عميد لهذه الكلية الواعدة.
لم يقتصر دور الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم البدري على تلك الناحية العلمية والأكاديمية وحسب, بل رتّب لي زيارة بعض الأماكن الأثرية القريبة من تكريت, كانت من أجملها زيارة جامع الملوية في مدينة سامرّاء وهو من المساجد الأثرية القديمة في العراق وهو الجامع الذي بناه الخليفة العبّاسي المتوكّل بمنارته المشهورة (ملوية سامرّاء) وسامرّاء كما هو معروف تحريف لاسم المدينة الجميل (سُرّ من رأى). وهنك كذلك في نفس المدينة (سرداب الغيبة) الذي يُمثّل المكان الأخير الذي شوهد فيه الإمام المهدي الذي سوف يظهر في آخر الزمان كما هو الاعتقاد, وقد أخذتُ الجانب الديني الصرف ونزلتُ عبر سلالم مرصوفة ونظيفة لبسطة السرداب أو القبو العجيب لأصلّي ركعتين سنة تطوعاً لله وشكراً أن يسّر لي زيارة هذه المراقد المقدّسة في العراق وهي كثيرة, والشاهد في الأمر أن الأخ المضيف بسبب الدوخة التي تنتابه, لم يشاركني في طلوع الملوية فطلعتها حتّى قمّتها وحدي ولم يشاركني كذلك في نزول السرداب الشهير فنزلته أيضاً وحدي وربما من المؤكد أنه قد مرّ بهذه التجارب الجميلة في أيامٍ خلت وهو ابن المنطقة وأدرى بشعابها.
رجعتُ بغداد بصحبة الأستاذ قحطان جابر مدير العلاقات العامة في جامعة تكريت, وحظيتُ في بغداد بحفاوة كريمة للغاية من قبل سعادة العميد العسكري السيّد مقداد الساكن في بغداد وزوج الأستاذة هالة نوري أحمد الخيري التي عملت معنا كعضو هيئة تدريس في قسم الاقتصاد المنزلي بكلية البنات بجامعة حضرموت وهي كلية أخرى استحدثتها رئاسة جامعة حضرموت بأقسام علمية غير نمطية مثل قسم رياض الأطفال وقسم الاقتصاد المنزلي وقسم التربية الفنية.
كان الرجوع للمكلا من بغداد عبر حافلات النقل الجماعي المريحة, ولكن عبر الطريق الدولي السريع من بغداد حتى عمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية, ولا تتوقّف الحافلات إلا في مراكز وقوف محدّدة وفي منفذ (طريبيل) الحدودي في محافظة الأنبار والذي يبعد 575 كيلومتر عن بغداد و320 كيلومتر عن عمّان حيث يتم شراء جالونات الدبس الهدية العراقية المميزة.
جاء الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم إلى حضرموت ليتولّى إنشاء كلية العلوم البيئية والأحياء البحرية عام 1998م لما يمتلكه من خلفية علمية مناسبة وتجربة عملية واسعة في العراق, فقد تخرّج من كلية الزراعة, جامعة بغداد عام 1974م, وحصل على دكتوراه فلسفة من جامعة سالفورد البريطانية, قسم علوم الحياة عام 1982م, وعمل في جامعة البصرة من عام 1983م حتى عام 1994م بما في ذلك عمله في مركز علوم البحار أحد المراكز العلمية الرائدة في الجامعة. بعدها انتقل كأستاذ مساعد في كلية التربية, جامعة تكريت من عام 1994م حتى عام 1996م, ثم كأستاذ من عام 1996م حتى عام 1998م, وهو نفس العام الذي تولّى فيه عمادة كلية العلوم البيئية والأحياء البحرية في جامعة حضرموت.
كانت للظروف الصعبة في العراق أحكامها, فهاجر الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم إلى كندا عام 2004م وعمل في القطاع الخاص لفترة قصيرة عاد بعدها للخدمة في العراق أستاذاً في كلية التربية الأساسية في العزيزية مسقط رأسه والتابعة لجامعة واسط حتى تقاعده عام 2016م, ولكن ظلّت علاقته بجامعة حضرموت راسخة إذ ترك أثراً طيباً لدى العاملين معه في المجال الإداري والتدريسي وكذلك لدى قطاع الطلاب في الكلية الذين يذكرون طيبة تعامله معهم ومساعدته لهم في التغلّب على أية صعوبات قد تقف أمام تحصيلهم العلمي.
تبقّى أن أشير إلى إن الأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم لديه جملة هوايات مميزة ومنها هواية الرسم التشكيلي, فقد أقام عدّة معارض شخصية له في جامعة البصرة وجامعة تكريت, وهو يقيم حالياً في مدينة مسيساكا الكندية جنوب تورنتو, وله نشاط مثابر في منتدى الثلاثاء الثقافي الذي تم تأسيسه بمبادرة من بعض الأساتذة العراقيين في كندا فترة وباء كورونا ويضم نخبة متميّزة من الأساتذة والأطباء والمهندسين من كندا واستراليا وأمريكا والعراق ويمارس نشاطه الثقافي عبر منصة الزوم مساء الثلاثاء, والدكتور مجيد يقدّم في هذا المنتدى العديد من المحاضرات النوعية المعاصرة لتطورات العلوم وثورة المعلومات التي تتدفّق اليوم بخطوات حثيثة على الساحة العلمية الدولية.
المكلا في 16 أغسطس 2026م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق