|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  16 / 1 / 2017                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



لا أحد يأخذ التمر إلى البصرة

د. سالم رموضه
(موقع الناس)

هذا مثل شعبي لدينا في حضرموت وهو لا يحتاج إلى تفسير. وكثير من هذه الأمثال ترسم لنا صوراً جميلة من ماض جميل ولكنه ولَى ويبدو أنه لن يعود, وهذه سنة الحياة وناموس الكون. صحيح أن ثقافة أي مدينة وتراثها هو نابع من ماضيها وما تركه الأقدمون من عادات وتقاليد وموروثات ثقافية واجتماعية أوشك بعضه أن ينسى وبعضه الآخر مهدد بالاندثار. تغير الكثير من طبائع الناس وسلوكياتهم وعاداتهم ومفاهيمهم وقيمهم, ولهذا فإنا نفتقد في مدينتنا أشياء كثيرة كانت جزءً من منظومة حياتها وقيمها وتراثها, ومن ذلك كمثال موسم الخريف وحصاد النخيل. كانت مدينتنا مشهورة بأشجار النخيل ويحاط بها مزارع النخيل من كل جانب, ولا أذكر أنه يباع بل في متناول الجميع, لأن قيم التكافل الاجتماعي متأصلة في نفوس الناس. بالكاد نرى اليوم صنفين أو ثلاثة من التمور بينما له أصناف عدة وبمذاق متباين ومختلف في ذاك الزمان ويستمر موسم الخريف أكثر من شهر والكل ينعم بخيراته بل أن بعض البيوت من كثرته وفوائضه تنشره في أحواش وعلى سطوح المنازل حتى يجف بأشعة الشمس ومن ثم له طرق عدة للتخزين للأيام العجاف.

وأذكر أنه عندما كنا صغاراً وبعد جني الرطب وأثناء مرورك بأناس قاعدين تمد لهم سلة الرطب المصنوعة من سعف النخيل قائلاً: "تفضلوا تفضلوا" ليأخذ الواحد منهم تمرة أو تمرتين الأمر الذي يجعل البركة موجودة كما يعتقد الأقدمون. سردت هذه المقدمة لأقارنها بصنيع أحد الأساتذة من العراق الشقيق كان ومازال استاذا عاملا بجامعة حضرموت وكان جارا لنا في السكن مع عائلته. في أحد المرات جلب لنا من العراق سلة من الخوص وبها تمر عراقي رطب كان يحملها على راحة يده طوال تلك الرحلة البرية الطويلة والمضنية مرورا بنقاط الحدود في الطوال, إذ كان مطار بغداد مغلقاً ثم حاملا لها في مطارات عمان وصنعاء والمكلا, وما زالت تلك السلة معنا دون تمرها اللذيذ بطبيعة الحال رغم مرور أكثر من 17 سنة منذ قدومها من العراق. العراق في تلك الفترة العصيبة من تاريخه بكوادره العلمية المجربة من جامعاته العريقة والرصينة كان يساهم بفعالية في تنمية جامعة حضرموت الوليدة التي أُنشئت بها أول كلية في نهاية عام 1995م. كان استقدام الأساتذة العراقيين يتم عبر اتفاقيات علمية موقعة بين جامعة حضرموت وتلك الجامعات وبتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية. قدم أساتذة أكفاء وفيهم من كان على مستوى رؤساء أقسام علمية وعمداء كليات بل ورؤساء جامعات ومساعديهم. كنت محظوظا أن كنت نائباً لرئيس الجامعة في تلك الفترة المبكرة من عمرها وهي فترة التأسيس ومختصاً بشؤون أعضاء هيئة التدريس اليمنيين وغيرهم من الأساتذة الوافدين. تعرفت على أساتذة أفاضل لهم بصماتهم العلمية والتربوية في بلدانهم, لا بل حتى على مستوى خارج بلدانهم. وإن كنت أود تجنب ذكر الأسماء تلافياً لأي إحراج من أي نوع فلا ضير أن نذكر بعضهم كأمثلة لتأكيد ما استندت عليه من طروحات , وسأذكرهم بموجب مناصبهم السابقة في جامعاتهم وليست الآنية. فكان منهم الأستاذ الدكتور غانم الشيخ عميد كلية الطب بجامعة تكريت ومؤسس كلية الطب بجامعة حضرموت وعميدها, والأستاذ الدكتور عوني كامل شعبان رئيس جامعة تكريت ثم رئيس جامعة الأنبار وعضو المجمع العلمي العراقي والأستاذ الدكتور صفاء الدين عبدالله النعيمي عميد كلية الهندسة الكيميائية بالجامعة التكنولوجية وعميد كلية الهندسة بجامعة حضرموت والأستاذ الدكتور داخل جريو رئيس الجامعة التكنولوجية والأستاذ الدكتور أحمد الخشاب رئيس جامعة بغداد والأستاذ الدكتور قبيس عبد الفتاح رئيس جامعة الموصل والأستاذ الدكتور مجيد عيسى هاشم مساعد رئيس جامعة تكريت ومؤسس كلية البيئة والأحياء البحرية بجامعة حضرموت وعميدها والأستاذ الدكتور علي عبد الوهاب التامر عميد كلية السيطرة والالكترونيات بالجامعة التكنولوجية وعميد كلية الهندسة بجامعة حضرموت والأستاذ الدكتور أسعد ماهر نائب رئيس جامعة تكريت وعميد كلية العلوم الإدارية بجامعة حضرموت والأستاذ الدكتور حسن البياتي الشاعر المرهف والمقيم حاليا في لندن والأستاذ الدكتور حسن العاني والأستاذ الدكتورة سوسن الشلبي عميدة كلية البنات بجامعة حضرموت والأستاذ الدكتور هاشم جاسم السامرائي عميد كلية التربية بسيئون جامعة حضرموت والأستاذ الدكتور مظفر أنور النعمة والدكتورة وداد محمود فيصل والدكتور محمد عبد القادر الصفار والدكتور صبحي حمادي حمدون والدكتور رعد حمدان ظاهر والدكتور هيثم خورشيد سعيد وكلهم تحملوا رئاسة أقسام علمية بجامعة حضرموت والقائمة تطول وليعذرني ممن لم أتمكن من ذكر أسمائهم. أما من الدول العربية الأخرى فكان هناك أساتذة كرام من السودان ومن مصر العربية وسورية وليبيا والأردن ربما سوف يتم التعرض لهم في مقام آخر.

الشاهد في الأمر أن ذلك المثل الذي وُسم به عنوان هذا المقال لم يحصل إلا عكسه فأتى التمر المبارك من البصرة وذاك شيء منطقي ومقبول ومتناسق مع طبيعة الأشياء. وليس التمر وحده الذي أتى ولكن أتت معه العقول النيّرة والمجربة لتسهم في بناء جامعة حضرموت وهي توشك اليوم أن تحتفل بمرور ربع قرن على صدور قرار إنشائها.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter