| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 15 / 10 / 2023 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
طوفان الأقصىد. سالم رموضه *
(موقع الناس)تحت صدمة عملية " طوفان الأقصى" كادت دولة الكيان الصهيوني أن تفقد ثقتها في قدرة جيشها على التصدّي وهو الجيش الذي كانت تطلق عليه بأنه الجيش الذي لا يُقهر. كما تشكّكت في كفاءة مؤسساتها الاستخباراتية والأمنية ومستقبل الدولة الصهيونية نفسها. بدأت هذه العملية الجريئة التي نفّذتها كتائب عز الدين القسّام في حركة " حماس" وربما بعض الفصائل الجهادية الأخرى في قطاع غزّة يوم 7 أكتوبر في الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر عام 1973م مباغتة وعلى درجة عالية من التحضير والتخطيط العسكري والكفاءة القتالية.
هذه هي المرة الأولى في الحروب العربية الإسرائيلية التي يكون فيها الفلسطينيون هم الطرف المباشر الوحيد على مسارح العمليات الحربية. إثر ذلك أعلنت إسرائيل الحرب واستدعت أكثر من ثلاثمائة ألف من ضباط وجنود الاحتياط وربما تردّدت مجاميع كبيرة منهم عن الحضور, وبردّة فعل متشنّجة وحاقدة ارتكبت سلسلة من المجازر الوحشية في غزة المحاصرة وذلك بأن دكّت أحياء بكاملها فيها بغية القضاء على قدرات حركة المقاومة وتحصيناتها وترسانات أسلحتها ولكن كان ذلك دون جدوى غير الفتك بالأبرياء العُزّل من مواطني غزّة, وذهبت أبعد من ذلك بأن قطعت المياه والكهرباء وإمدادات الطعام عنها واستهدفت في خطوة إجرامية أخرى طواقم الإسعاف لعلها تنتقم مما لحق بها وبجيشها من إذلال ومهانة. عائلات بأكملها من نساء وشيوخ وأطفال غادروا الحياة تحت الأنقاض شهداء بسبب استهداف منازلهم دون سابق إنذار من قبل طيران العدو الصهيوني.
إن الحركة الصهيونية الآثمة قد اقترفت من قبل الكثير من جرائم الحرب بهدف ترويع واقتلاع شعب فلسطين الآمن من أرضه, وهي التي أصبحت منذ القرن التاسع عشر الحركة الوطنية لليهود في كل أرجاء العالم. غير أنه في ذلك الوقت كان ينقصهم شيء واحد يجعلهم مختلفين عن باقي الحركات الوطنية وهو أن الصهيونية لم يكن لها وطن وأن اليهود لا تجمع بينهم لغة واحدة, وكان الحل أمامهم هو إيجاد وطن لليهود وإحياء اللغة العبرية لتكون اللغة الرسمية للصهيونية. إن الصهيونية ومؤسسها ثيودور هيرتزل لم يعلقا آمالاً كبيرة على فلسطين كموطن لليهود في بادئ الأمر, فبالنسبة لهم كان وجود أي مكان متوفّر وآمن وخصيب سيفي بالغرض كموطن لاستقرار اليهود فأرسلوا ضمن خياراتهم من يقوم بتقييم الوضع في البرازيل من حيث صلاحيتها لتكون موطناً لليهود.
وفي خطوة أخرى, مارس الصهاينة ضغوطهم من أجل الحصول على وطن لليهود في دولة أوغندة شرق أفريقيا, غير أنهم قرروا لاحقاً وعلى خلفية دينية أن فلسطين هي التي ستكون موطناً مناسباً لهم, لا سيما أن الإمبراطورية العثمانية المسلمة كانت تعيش أيامها الأخيرة. وفي ذلك الوقت كان أكثر من 95% من سكان فلسطين من العرب الفلسطينيين. وكما هو معروف فقد صدر وعد بلفور عام 1917م ليمنح اليهود حق إقامة دولتهم في فلسطين دون الإجحاف والإضرار بحقوق العرب وهو أمر به كثير من المغالطة والتحايل الصهيوني, فهناك تحالف قوي بين الامبراطورية البريطانية الذي انبثق وعد بلفور من عاصمتها والحركة الصهيونية حيث كانتا تعملان على إهانة الفلسطينيين وإلغاء وجودهم.
وعندما بدأ الفلسطينيون مقاومتهم أصبحت المشكلة أكثر جلاء, كانت الحرب بين شعبين : شعب عاش على هذه الأرض لعدّة قرون وهم يملكونها الآن وآخرون يدّعون أن أجدادهم كانوا يملكون هذه الأرض, وبالنسبة لمن يعيشون على هذه الأرض الآن فإن للفلسطينيين تاريخاً يمتد لأربعة عشر قرناً أو أكثر. ومع كل ذلك فقد أظهرت التظاهرات العارمة في لندن اليوم من قبل القوى الحيّة في بريطانيا والمنظمات النشطة في مجالات حقوق الإنسان تعاطف الشعب البريطاني المستقل عن الهيمنة الإعلامية للوبي الصهيوني وتأثيراته في القرار الرسمي للدولة التي تنجر لإملاءات الصهيونية ولضغوطات البيت الأبيض وللإدارة الأمريكية التي لم تنصف أبداً في يوم من الأيام الحقوق المشروعة لشعب فلسطين. وانبرت بعض الأصوات الحية في العالم تشجب وتندد بهذه الحملة الهمجية الشرسة على قطاع غزة منها ذلك النائب الحر في برلمان إيرلندا وذلك النائب الشجاع في برلمان الكويت. ومن المؤكد أن مثل هذه التظاهرات سوف تنطلق في كثير من عواصم الدول الغربية وربما حتى في حواضر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
إن الموقف الواضح والمنحاز اليوم لأنظمة الحكم في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا التي تدعم وتساند عمليات الإبادة والتدمير والقتل للشعب العربي في قطاع غزّة لم يكن جديداً. لقد أُهدرت دماء أبناء غزّة وفلسطين من قبل هذا الكيان الصهيوني الدخيل, وبالتالي فإن تلك الدول الخمسة تُعتبر شريكاً في جريمة إبادة عنصرية للفلسطينيين في غزّة, بل لديهم اليوم مخطط آثم لتهجير سكان غزة نحو سيناء في مصر والبعض الآخر نحو دول الطوق المجاورة ولكن شعب فلسطين الباسل لن يرضخ لهذه المخططات المقيتة والتهديدات الجائرة.
المكلا في 14 أكتوبر 2023م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق