|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  1 / 1 / 2017                                 صباح راهي العبود                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مؤتمر أنصار السلام في قرية السهيلية في الكوفة عام 1954

صباح راهي العبود
(موقع الناس)

في أعقاب الإعلان عن وقف الحرب العالمية الثانية بدأ نشاط واسع لحركات التحرر الوطني في أرجاء العالم ,وإتسم هذا النشاط بالتصاعد والنمو المتسارع . ولعل من أبرز ما تمخضت عنه هذه الحرب المدمرة هو ظهور حراك يدعو لنبذ الحرب وسباق التسلح, والدعوة الى السلام من خلال عقد مؤتمرات بهذا الخصوص.

وكان من أول هذه المؤتمرات هو مؤتمر للمثقفين عُقد في آب 1948 بمدينة فروتسواف في بولندا حضره الكثير من المثقفين علماء وكُتاب وفلاسفة وفنانين من كل بقاع العالم أبرزهم البيرتو مورافيا وأراغون وبابلو نيرودا.

ثم توالى عقد المؤتمرات في باريس ووارشو وبراغ ومدن أخرى تمخض عنها إنطلاق حركة السلم العالمي وحركة أنصار السلام, وكان من أكثر العراقيين نشاطاً في هذا المضمار هما الشيخ عبدالكريم الماشطة ومحمد مهدي الجواهري .

وقد ذكر طيب الذكر الدكتور صفاء الحافظ أن محمد مهدي الجواهري يُعد أول عراقي في رئاسة مجلس السلم العالمي والذي سبق وأن تأسس في العاصمة الفرنسية باريس في 20 /4/1949 .

وقد إلتقى الجواهري بالعديد من الشخصيات البارزة في مجلس السلام منهم عالم الذرة الشهير فردريك جوليو كوري الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام1935 وهو أول رئيس لمجلس السلم العالمي , وكذلك الشاعر الفرنسي أراغون والرسام الشهير بيكاسو والموسيقار الهنغاري (كوزما) ومدام كوتون رئيسة إتحاد النساء العالمي والشاعر التركي ناظم حكمت وآخرون.

في حزيران 1950 تلقى الشيخ عبدالكريم الماشطة رسالة من رئيس مجلس السلم العالمي يدعوه ومجموعة من الشخصيات العراقية لمناصرة (نداء إستكهولم) الصادر عن مؤتمر السلام العالمي حول تحريم القنبلة الذرية . ولقد لبى هؤلاء الدعوة وتم التوقيع على بنود النداء.

لقد كان الغرض الأساس من تأسيس حركة السلم العالمي هو الدفاع عن السلم والنضال من أجل توفير الأمن لسكان المعمورة ,والنضال من أجل إيقاف كل المساعي والتحضيرات لحرب جديدة ,كما تسعى لإشاعة العدالة الإجتماعية والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية البيئة والتراث وغير ذلك.

في أعقاب نداء إستكهولم بدأ في تموز عام 1950 حراك واسع في العراق للتحضير لعقد مؤتمر أنصار السلام قاده مجموعة من الشخصيات الوطنية المعروفة وفي طليعتهم الشاعر الجواهري, وكان باكورة هذا النشاط نشر نداء إستكهولم على صفحات جريدة الصدى (لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي) ,وتلى ذلك نشر نداء السلام على صفحات الجريدة ذاتها موقعاً من قِبل الشاعر الجواهري وذلك في أواخر العام.

ولقد حفز هذا النشاط وغيره الكثير من المفكرين وشخصيات أخرى مهمة لتأسيس حركة أنصار السلام هذه مما أفزع السلطات الأمنية العراقية التي بدأت بملاحقة النشطاء وإعتقال العديد منهم عام 1951 وبالأخص المؤسسين للحركة من أمثال محمد صالح بحر العلوم , وتم حظرنشاط الحركة بحجة عدم إجازتها من قبل وزارة الداخلية.

وإستمرت حملات الإعتقال تنمو لتبلغ ذروتها أبان حكومة فاضل الجمالي (من أيلول 1953 الى نيسان 1954) حيث تشكلت ضمن هذه الفترة لجنة تحضيرية لحركة أنصار السلام من الذوات طلعت الشيباني , فاروق برتو, نزيهة الدليمي , صفاء الحافظ, صلاح خالص, كمال عمر نظمي, عطشان ضيول.

لابد لنا من المرور سريعاً لوصف ما كان عليه الوضع السياسي عام 1954 الذي شهد إضرابات عمالية في بغداد والبصرة ,ومظاهرات مطلبية عمت أرجاء مختلفة من البلاد وما رافق ذلك من إجراءات تعسفية من لدن السلطات الحكومية تجلت في إغلاق صحف المعارضة وإعتقال العديد من المعارضين السياسيين ,وفصل عدد من أساتذة الكليات والموظفين من مختلف الإتجاهات السياسية ,كما تمت مضايقة المجندين من الأساتذة وخريجي الكليات إذ عزلوا في معسكرات وألزموا بالبقاء فيها طيلة مدة خدمتهم العسكرية بما يشبه الإعتقال. ومما زاد في سوء الأوضاع حدوث فيضان دجلة الذي هدد بغداد بالغرق وما نتج عنه من مشاكل صحية وإجتماعية وإقتصادية وعمرانية.

وأزاء هذه الضغوط والتعسف السياسي وسوء الأوضاع المعيشية والخدمية سقطت حكومة الجمالي في نيسان 1954 فأوكل تشكيلها لأرشد العمري فكانت فرصة للقوى الوطنية لإقامة جبهة وطنية متحدة في 2/5/1954 تقتصر على خوض المعركة الإنتخابية البرلمانية .

وقد فاز في هذه الإنتخابات (11) نائباً من جبهة الوطنيين ورافق ذلك إنخفاض في عدد أصوات حزب نوري السعيد من 80 صوتاً الى 50 صوتاً على الرغم من المحاولات الفاضحة لتزييف الإنتخابات وما رافقها من زج للوطنيين في السجون.

في هذه الأثناء دعت اللجنة التحضيرية لأنصار السلام لعقد مؤتمرها الأول في بغداد (22-25) تموز بحضور (103) من الشخصيات ومن مختلف مدن العراق يمثلون جميع أطراف الحركة الوطنية وممثلون عن منظمات المجتمع المدني السرية من نقابات عمالية وجمعيات فلاحية ومحامين ونساء وطلبة وغير ذلك. وكان للمرأة دوراً متميزاً إذ حضرت (20) من الناشطات من بيهن سافرة جميل حافظ وإنعام العبايجي ونزيهة الدليمي . كان شعار المؤتمر (لا حرب ولا فاشية ... بل سلم وديمقراطية) . إفتتح المؤتمر الشيخ عبدالكريم الماشطة والذي سبق وأن تم إختياره عضواً في المجلس العالمي للسلم.

صدر عن المؤتمر بيان ختامي أثار ضجة في العراق والدول العربية وبعض من دول العالم . نُشر البيان الختامي في جريدة الأهالي وعدد كبير من الصحف العربية والعالمية.

لقد كان إنعقاد مؤتمر أنصار السلام في بغداد ونجاح الوطنيين في الحصول على عدد من النواب في الإنتخابات ونمو وتصاعد نشاطات القوى والأحزاب الوطنية قد سبب قلقاً وإرتباكاً للطغمة الحاكمة أذناب المستعمرين وأعوانهم أدى الى سقوط وزارة العمري وتكليف نوري السعيد بتشكيلها في أيلول 1954 .

وفي الحال سارع هذا الى إعلان حالة الطوارئ وما رافقها من مظاهر العنف والتعسف ضد الوطنيين الأحرار. لكن هذا لم يفت في عضدهم فواصلوا نضالهم ضد الطغمة الحاكمة بكل همة وثبات.

في هذه الأثناء كان لأبطال مدينة الكوفة حصة في هذا الحراك والذي تجلى في قيام طلاب الثانوية بإعلان الإضراب عن الدوام إسوة بزملائهم في بغداد ومدن أخرى ولإسناد الحراك الجماهيري المطلبي في مختلف أنحاء العراق مما أزعج السلطات التي بادرت بإعتقال ستة من الطلاب المضربين (نذكر منهم الطالبين محمد عباس السعد وزكي سعيد فضل) وإحالتهم الى لجنة في دائرة التجنيد لإعادة تقدير أعمارهم بغية إعطاء شرعية لسوقهم للخدمة الإلزامية وهم ما زالوا فتياناً يافعين دون السن القانونية, ومن ثم تم ترحيلهم بقطارات الحمل الى معسكر الشعيبة في البصرة جنوب العراق بعد حلق شعر رؤوسهم.

وفي الوقت ذاته نشط الوطنيون في النجف والكوفة وما يحيطها من قرى وأرياف لعقد مؤتمر لأنصار السلام إستجابة لنداء بغداد, فأختيرت بساتين قرية السهيلية التابعة لناحية الكوفة مكاناً لعقد المؤتمر لما إتصف به سكانها من روح وطنية وثابة بسبب إنتشار الأفكار اليسارية بشكل جلي بين صفوفهم وخاصة الفلاحين الذي كان يقودهم إسماعيل حميد مرزه.

وفي اليوم المقرر لإنعقاد المؤتمر حضر الى القرية الكثير من الشخصيات الوطنية في المنطقة . هب سكان القرية وخاصة الشيوعيين ومؤازريهم لإحتضان المؤتمرين وإستقبالهم بعد أن أعدوا العدة لكل طارئ . أختير بستان حمد الغلوم والد المناضل جاسم حمد الغلوم وطوق بحراسة مشددة من قِبل الفلاحين لضمان أمن وسلامة المؤتمرين وكان جاسم حمد في مقدمة المستقبلين للوفود. نذكر هنا أسماء منظمي الجلسة والمشاركة في أعمالها من سكنة القرية الى جانب جاسم حمد وأخويه عبد الأمير وعبد زيد وهم :-
مهدي عطيه , عبد حسن عليوي , شهيد خضير ,كريم خضير, خضير جالي ,عباس عبد الله, مهدي صاحب, عبد الأمير وناس, جاسم الراضي.

بدأ المؤتمر أعماله (برعاية الشيخ عبدالكريم الماشطه) بقراءة ومناقشة البيان الصادر عن مؤتمر بغداد في تموز من العام نفسه ,ثم ألقيت كلمات من لدن بعض الحاضرين ومن ثم صدر البيان الختامي للمؤتمر. وقبل مغادرة المؤتمرين دعاهم جاسم حمد الى وليمة غداء كبيرة أعدت على شرف المؤتمرين .

في جلسة مع الصديق المناضل عبد زيد حمد آل غلوم في نوفمبر 2016 في أثناء زيارتي للعراق قدم لي (أبو سلام) قائمة كان ما زال يحتفظ بها تحتوي على أسماء الذوات اللذين حضروا في مؤتمر أنصار السلام في السهيلية ......

من النجف ... الشيخ محمد الشبيبي (رجل دين وخطيب المنبر الحسيني التنويري) ووالد الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم), عبد الحسين أبو شبع (الشاعر الشعبي المعروف),فاضل أبو عصري (رادود المنبر الحسيني),جواد عبد الحسين (محامي), هادي جبك (محامي), حميد السكافي (محامي), خليل جميل (طبيب), شاكر القطيفي (طبيب), حسين سلطان صبي (سياسي), حسين روضه (سياسي) , حسن عوينه (سياسي وشاعر),محمد موسى التتنجي (قائد عمالي),عباس محمد علي , حسن عبد الزهره, محمد رضا مطير, رسول عجينه, أمين عجينه,عبود الصائغ, جعفر حسين الموسوي, رضا عبد ننه (صاحب المقهى الشهير في النجف). السيد كاظم القابجي.

ومن مدينة الكوفة ... حسين شعلان الماضي (قائد فلاحي),محمد عبد الله مرزه (معلم), نجم حمزة الكردي (عطار), الشيخ محمد عبدالأمير التميمي (رادود المنبر الحسيني), عبد الله شعلان الماضي (محامي), حماده سيد موسى (خطاط وكتبي),عمر كرضه (كاسب), شاكر كرضه (عطار),سليم إسماعيل مرزه (سياسي) , باقر إبراهيم (سياسي خارج لتوه من السجن), محمد علي أسد, صاحب حنحون (مضمد) , عباس رضا السباك (بائع صحف وكتبي), جاسم إبراهيم أبو شراب (بائع أوعية فخارية), محسن حسين الشامي, إنعيم عوفي (كاسب),عوده صالح السباك, هادي سهيل (خياط), محمد رضا محمد حسين (عطار وعشّاب), محمد الحكيم.

ومن قرية ألبو حداري حضر
كل من الحاج غالي (أبو سعد), عبد عبيس (أبو سلام), شاكر فشك (أبو محمود) , جابر محمد, رزاق عداي ,موسى عداي, صاحب عداي.وأغلبهم قادة فلاحين.

لقد كان مؤتمر السهيلية مظاهرة كبيرة تدعو للسلام والأمن الإجتماعي والحرص على مصالح الشعوب في أرجاء العالم كافة. ضم شخصيات وأسماء مهمة في الساحة السياسية. ساهم الحضور في تعزيز الروح الوطنية والخروج بتوصيات تدعو الى السلام و وحدة الصف لمواجهة تعسف السلطات الأمنية وبما ينسجم مع نتائج مؤتمر بغداد لأنصار السلام.

وظلت أحداث مؤتمر السهيلية خالدة في أذهان كل من حضر وساهم في نجاحه وبالأخص سكان القرية . ولا بد من الإشارة الى أن كثير من هؤلاء المناضلين تم إعتقالهم في العام نفسه وأبعدوا الى ناحية عين التمر (شثاثه) في عمق صحراء كربلاء.

وفي النهاية لابد من الإشارة الى أن المؤتمر الثاني لأنصار السلام في العراق تم عقده في نيسان 1959 برعاية الزعيم عبد الكريم قاسم . وفي إعقاب إنقلاب شباط 1963 عُدت حركة أنصار السلام غير شرعية!!!.



 

 

4
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter