|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  26  / 7 / 2017                                سامي مدالو                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

المانيا: كيف تمكن هتلر من اعتلاء السلطة؟

سامي مَدالو
(موقع الناس)

مقدمة

تقلّد هتلر من 1933 الى 1945 منصب مستشار(رئيس وزراء) الرايش الالماني واعلن نفسه قائداً وزعيماً لالمانيا. فأرتكبت بأسمه ابشع الجرائم، مثل اضطهاد وقتل ملايين اليهود والمعارضة السياسية من احزاب ونقابات، ولم ينج منه حتى المعوقين جسميّاً او عقليّاً. وبغزوه لبولندا في 1/9/1939(1)، اطلق هتلر العنان لاحدى اكثر الحروب تدميراً في التاريخ البشري، ذهب ضحيتها اكثر من 60 مليون انسان، وانتهت رسميّاً في 8 ايار 1945 بتوقيع وثيقة "الاستسلام غير المشروط" من قبل ممثلي الجيش الالماني بحضور ممثلي الحلفاء في العاصمة الالمانية برلين.

ان هتلر لم يستولِ على السلطة في المانيا عن طريق انقلاب عسكري، مثلما حصل ذلك مراراً في العراق وسوريا وتركيا ومصر وغيرها من دول العالم الثالث. كما ولم يأتِ نتيجة ثورة جماهيرية تحت قيادة حزبه النازي (حزب العمال القومي الاشتراكي الالماني). بل أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي المتردي للشعب الالماني بعد الخسارة الفادحة لالمانيا في الحرب العالمية الاولى، وما نتج عنها من عواقب وخيمة لالمانيا، هو ما يفسر بالدرجة الرئيسية تمكن تلك الفئة الهامشية والصغيرة عدديّاً في بداياتها، من الصعود الى قمة القيادة في المانيا في انتخابات حرة، بالاضافة الى اساليب الخداع والمكر والترهيب.



رئيس الرايش الالماني هندنبورگ
يعيّن آدولف هتلر في 30/1/1933 مستشاراً لالمانيا

لاشك بأن من يراقب الوضع السياسي الراهن في عديد من البلدان الاورپية وغير الاورپية، قد لاحظ في الفترة الاخيرة نمو وازدياد قوة الاحزاب والتيارات اليمينية والشعبوية في بلدان تمتعت شعوبها منذ عقود بنظام ديمقراطي برلماني. وقد يطرح هذا المراقب على نفسه الاسئلة التالية: هل من الممكن ان يعيد التاريخ نفسه، ويستطيع مرة اخرى حزب قومي عنصري من استلام الحكم في بلد متقدم صناعيّاً مثل المانيا، ويستولي هتلر جديد على السلطة؟ وهل نستطيع تشبيه الوضع الحالي بالوضع آنذاك؟

ان سنوات الحرب العالمية الثانية الستة (1939ـ 1945)، تركت المانيا وبلدان اورپية اخرى، ماديّاً مليئة بالانقاض، ونفسيّاً بوضع ليس احسن من ذلك. والسؤال الذي طُرحَ سابقاً، ولا يزال يُطرح، هو: كيف كان ذلك ممكناً في المانيا بالذات، ذلك البلد التي كان قد بدأ يسير خطواته الاولى في طريق الديمقراطية البرلمانية؟ ثم ألم تتعلم المانيا من الدرس القاسي الذي تَلقّنته في الحرب العالمية الاولى (1914ـ 1918) (2) والمآسي التي تبعتها ؟

فالمطّلع على اوضاع وظروف المانيا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الاولى وسقوط القيصرية بسببها، يفهم بلا شك ما حدث. أذن فعلينا القاء نظرة على المانيا آنذاك واستعراض تلك العوامل التي ساعدت، بل وأدّت في نهاية المطاف الى استلام السلطة من قبل هتلر وحزبه. فليست غايتنا الاساسية في هذا البحث اذن، عد الجرائم التي اقترفتها المانيا النازية تجاه االشعب الالماني والشعوب الاورپية الاخرى، اذ اُلّفت حول هذا الموضوع رُبّما آلاف الكتب والافلام والمقالات.

شيئ لا يُعقل: مقتل شخصين يشعل فتيل الحرب العالمية الاولى

ان احد اهم اسباب تمكن هتلر من الاستيلاء على السلطة كان بلا شك الحرب العالمية الاولى، التي بدأت عمليّاً في 28 حزيران 1914، اي في اليوم الذي اغتال فيه القوميون الصرب في ساراييڤو ولي عهد العرش القيصري النمساوي/المجري وزوجته، انتقاماً لما حدث قبل 6 سنوات من هذا التاريخ، باحتلال الامبراطورية النمساوية/المجرية البوسنة ومن ضمنها مدينة ساراييڤو، مما اغضب الصرب، لكونها في نظرهم جزءاً من صربيا.

وبعد شهر واحد من الاغتيال، اعلنت النمسا/المجر الحرب ضد صربيا. ومن جانبها قامت روسيا على اثر ذلك، بكونها حليفة صربيا وحاميتها، بأتخاذ الاجراءات الضرورية للبدء بالحرب ضد النمسا/المجر. المانيا القيصرية، التي كانت من ناحية حليفة لامبراطورية النمسا/المجر، ومن ناحية اخرى تسعى للارتقاء الى قوة عالمية تضاهي بريطانيا وفرنسا، انتهزت هذه الفرصة وقررت الاشتراك في الحرب الى جانب النمسا/المجر.



القيصر الالماني ڤيلهلم الثاني

فاعلن القيصر الالماني ڤيلهلم الثاني في الاول من شهر آب 1914 الحرب على روسيا وبعد يومين الحرب على فرنسا، لكونها حليفة لروسيا. وبريطانيا، التي كانت منذ 1907 احد اطراف "الوفاق الثلاثي" مع روسيا وفرنسا، أصبحت تلقائياً عدوّة المانيا. اما حلفاء المانيا فكانوا، بالاضافة الى امبراطورية النمسا/المجر، الامبراطورية العثمانية والمملكة البلغارية، او ماسُمّيَ بـ "دول المركز".

الحزب الاشتراكي الديمقراطي والصراع حول نظام الحكم

ومن الغريب بل والمدهش، بأن ينال هذا القرار القيصري الخطير التأييد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي (3)، الذي كان آنذاك يمثل اكبر قوة سياسية شعبية في المانيا، وكان دوماً ومبدئياً ضد الحرب. الا ان الموجة الجماهيرية العارمة المؤيدة للقرار القيصري ببدء الحرب، جرفت بتيارها حتى المناهضين الكلاسيكيين للحرب، ومن ضمنهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، معلّلا ذلك علنيّاً بوجوب وضع مصلحة الوطن فوق المصالح الطبقية، وساعياً في في الاساس بتأييده للحرب، التخلص من تهمة خيانة الوطن، التي كانت تطلق عليه دائماً من المعارضين لسياسته.

لم ينال موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي هذا بالطبع تأييد جميع نوابه في البرلمان. ففي بداية الحرب رفض علنيّاً نائب واحد فقط هذه السياسة. بمرور الزمن وازدياد الخسائر الالمانية في الحرب وارتفاع اعداد القتلى والمعوقين واشتداد الضائقة المالية، ازداد عدد نواب هذا الحزب المناهضين للحرب، فوصل عددهم الى 45 نائباً في عام 1917. اما قيادة الحزب فبقيت متعنّدة ومصرّة على موقفها بتأييد الحرب وفصلت هولاء النواب جميعاً من الحزب.

وعلى اثر ذلك، شكّل هؤلاء النواب مع انصارهم حزباً مستقلاً باسم "الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل". اما الحزب الام، فسمى نفسه الان "الحزب الاشتراكي الديمقراطي ـ الاغلبية". وفي فترة لاحقة، حُذفت كلمة "الاغلبية" من اسم الحزب، الذي لا يزال احد اقوى الاحزاب في المانيا، ويأتي حاليّاً في المرتبة الثانية بعد حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، ويشكل معه الحكومة الالمانية الحالية (2013 ـ 2017).

ثورة نوڤمبر ـ الفوضى والتخبط

في اوائل نوفمبر 1918، اي قبل نهاية الحرب بأيام، تمردت قطعات من البحرية الالمانية على قيادتها ورفضت الاوامر بالاستمرار في الحرب، لقناعتها بعدم جدوى ذلك، وتيقنها بقرب خسارة المانيا للحرب. فانتشرت شرارة هذا التمرد بسرعة البرق في عموم المانيا وأدت الى ما سُمّي بثورة نوڤمبر، حيث شُكّلت في عموم المانيا "مجالس العمال والجنود"، التي طالبت بالدرجة الرئيسية بانهاء الحرب وسقوط القيصرية.

تحت الضغط الجاهيري، ولانقاذ النظام القيصري من السقوط، وافق القيصر ڤيلهلم الثاني مكرهاً على بعض الاصلاحات الديمقراطية، التي جاءت ناقصة ومتأخرة جداً، ولم تنقذ النظام القيصري من السقوط. بعد تأكده من قرب خسارة المانيا للحرب، تنازل عن العرش في 9/11/1918، وعاش كلاجئ ذو امتيازات لدى العرش الهولندي حتى وفاته في 4/7/1941.

ان الحرب ضد روسيا وفرنسا وبريطانيا وخاصة بعد مشاركة الولايات المتحدة الامريكية الى جانب الحلفاء، لم تجرِ لصالح المانيا وحلفائها، كما كان غالبية الالمان يتوقعون. فأنتهت بخسارة المانيا في 11/11/1918، اي بعد يومين من تنازل القيصر الالماني عن العرش، بتوقيع ممثلي الرايش الالماني مع بريطانيا وفرنسا وثيقة وقف اطلاق النار في عربة قطار في شمال فرنسا.



توقيع وثيقة وقف اطلاق النار في 11/11/1918 في عربة قطار في شمال فرنسا
وراء المنضدة عن الحلفاء: (من اليمين) ضابطان فرنسيان وضابطان بريطانيان
الواقفون امام المنضدة عن الجانب الالماني: 3 مدنيون وضابطان

وفي اليوم الذي تخلى فيه القيصر عن الحكم، اي في 9/11/1918، اُعلِنَ النظام الجمهوري في برلين مرتين. المرة الاولى كـ "جمهورية ديمقراطية" من قبل "فيليپ شايدَمان" عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي ـ الاغلبية، والمرة الثانية كـ "جمهورية اشتراكية حرة" من قبل "كارل ليبكنشت"، قائد الجناح اليساري الرادكالي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل واحد مؤسّسي رابطة شپارتاكوس.

ان المؤرخين وصفوا بحق هذه المرحلة بفترة "الفوضى والتخبط الثوري"، حيث تأجج الصراع حول شكل نظام الحكم القادم. فالسؤال المهم المطروح الان، كان: هل يكون نظام الحكم الجمهوري القادم، ديمقراطي برلماني، كما نادى به الحزب الديمقراطي الاشتراكي ـ الاغلبية، أم على شكل نظام المجالس الشعبية، المشابه للنظام السوفيتي، كما دعى اليه الحزب الديمقراطي الاشتراكي المستقل؟


"فيليپ شايدَمان" عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي
يعلن النظام الجمهوري من شباك الرايشستاگ

معاهدة ڤرساي والعواقب السلبية

وقِّعت معاهدة ڤرساي (ضاحية قريبة من پاريس) في 28/6/1919 من قبل الحلفاء المنتصرين في الحرب: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية و23 دولة اخرى متحالفة معها او مرتبطة بها، واُجبرت المانيا على التوقيع عليها، لتدخل في 10/1/1920 حيز التنفيذ. وبموجبها:

1. اعتُبرت المانيا المسؤولة الوحيدة عن نشوب الحرب العالمية الاولى
2. فقدت سُبع مساحتها وعُشر سكانها
3. فقدت جميع مستعمراتها
4. توجّب عليها دفع 132 مليار مارك ذهبي الماني خلال 30 سنة، كتعويضات للخسائر التي لحقت بالقوى المنتصرة
5. توجّب عليها تقليص جيشها بمقدار 8 ملايين عسكري

وبما ان المانيا اُجبرت على الموافقة والتوقيع على ما قررته القوى المنتصرة، هذا بالرغم من عدم السماح لها بالاشتراك في المباحثات، رفضت عدة احزاب المانية وجماهير غفيرة تلك المعاهدة. فشكّلت بهذا عقبة كبيرة امام جمهورية ڤايمار الديمقراطية وهي في بداياتها. فاتهمت القوى المعادية مبدئياً للنظام الجمهوري، القوى الديمقراطية بخيانة المصالح الالمانية لتوقيعها على تلك الاتفاقية الجائرة، حسب رأي تلك القوى، بل واعتبرتها عار على الموقعين.



تظاهرة جماهيرية في 15/5/1919 امام البرلمان الالماني ضد شروط معاهدة ڤرساي
قبل توقيعها من الجانب الالماني

وبالفعل، ان شروط تلك الاتفاقية القاسية لالمانيا وعدم اشراك الجانب الالماني في المباحثات، شكّل خطأً كبيراً، أتى بنتائج سلبية لا تقاس للجمهورية الالمانية الفتية، التي تشكلت بالاساس كنتيجة حتمية لخسارة النظام القيصري للحرب التي كان المسؤول الرئيسي في نشوبها. ففقدت للأسف جماهير غفيرة ثقتها في امكانية النظام الديمقراطي الجمهوري الحديث من تمثيل المصالح الالمانية الرئيسية بصورة صحيحة. مما تسبب بدوره في رفض فئات كبيرة من الشعب الالماني للنظام الجمهوري مبدئيّاً. فاستغلت هذا السخط الشعبي بالاخص القوى القومية النازية، لاثارة الغضب ضد جمهورية ڤايمار والدول المنتصرة في الحرب.

جمهورية ڤايمار والمشاكل منذ "ولادتها"

جرت في 19/1/1919 لاول مرة بعد سقوط القيصرية، انتخابات الجمعية الوطنية لتقر دستوراً للجمهورية الالمانية الفتية. قاطع الحزب الشيوعي الالماني (4)، الذي كان قد تأسس قبل 3 اسابيع من هذا التاريخ، هذه الانتخابات، واشترك بدلاً عنها في انتفاضة كانون الثاني ضد بعض قرارات الحاكم الفعلي "مجلس ممثلي الشعب" برئاسة "فريدريش ايبرت"، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي ـ الاغلبية. سُحقت هذه الانتفاضة بمساعدة قطعات من الجيش القيصري، واعتُقل في 15/1/1919 اثنان من اهم قادة الحزب الشيوعي ومؤسسيه "كارل ليبكنشت" و "روزا لوكسمبورگ"، وقتلا غدراً والقيت جثتيهما في احدى قنوات برلين.

بسبب الوضع المتأزم في برلين في تلك الايام، اجتمعت الجمعية الوطنية المنتخبة ديمقراطياً، في تموز 1919 في مدينة ڤايمار(5) واقرت بالاكثرية ـ ضد اصوات الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل وحزبين اخرين صغيرين ـ ما سمّي بعدئذٍ بدستور ڤايمار، الذي دخل حيز التنفيذ في 14 آب من نفس السنة. ان هذا الدستور كان بجوهره، قياساً بالظروف آنذاك، دستوراً ديمقراطياً، تضمن نقاطاً مقتبسة من التقاليد الديمقراطية الالمانية ودساتير دول ديمقراطية اخرى. فأقرّ لاول مرة في التاريخ الالماني فصل السلطات الثلاثة الواحدة عن الاخرى والمساواة بين الرجل والمرأة في حق الانتخاب والترشيح (6)، وعناصر ديمقراطية اخرى. الا انه احتوى على نقاط ضعف ونواقص، مقارنة بالدساتير الديمقراطية الحالية.

ولكن، بالرغم من نجاح "الحزب الديمقراطي الاشتراكي ـ الاغلبية" في نهاية المطاف من فرض رأيه حول شكل النظام، ادّت عواقب الانقسام السلبية من المناحرات والعداوات، الى تفتيت وتشتت قوى اليسار، مما كان له في السنوات التي تلت، دوراً هامّاً في اضعاف اهم القوى السياسية المناهضة للقوى اليمينية النازية.

الاسباب الاخرى في تمكن هتلر من اعتلاء السلطة

في عام 1923 بلغ الصراع على السلطة ذروته، حيث ادى دفع التعويضات المقررة في معاهدة ڤرساي الى التضخم المالي، الذي افقد السكان مدخراتهم وكذلك ثقتهم في الدولة الديمقراطية. فانتهز الحزب النازي (حزب العمال القومي الاشتراكي الالماني) هذا الوضع بنشر نظريته عن "الدكتاتورية الشرعية"، وقام بالفعل بمحاولة انقلاب فاشلة، اشترك فيها رئيس الحزب هتلر شخصيّاً.

بعد اصلاح العملة في نوڤمبر من نفس السنة، وابرام عقود جديدة لصالح المانيا مع الحلفاء بخصوص التعويضات الباهضة، تحسّن الوضع السياسي والاقتصادي نوعاً ما. كما وتم اعادة اعتبار المانيا وقبولها عضواً في عصبة الأمم. الا ان الاستقرار السياسي والاقتصادي لم يدم طويلاً، حيث أدّى أنهيار بورصة نيويورك للاوراق المالية في 1929/1930، الى ازمة اقتصادية عالمية، طالت المانيا بشكل خاص، فأنخفض الانتاج الصناعي الالماني بنسبة 40 في المئة وارتفع عدد العاطلين عن العمل الى 6 ملايين، مما ادى الى فقر وبؤس جماهيري واسع.

ان استمرار القلق وعدم الطمأنينة في الوضع الاقتصادي، اثرَّ بالطبع بدوره على الوضع السياسي. فخلال 11 سنة فقط، تقلد 10 اشخاص رئاسة الوزارة الالمانية. وهذا ادّى بدوره الى أزدياد التأييد الشعبي لقوى التطرف اليميني واليساري، المعادية بجوهرها للنظام الديمقراطي البرلماني. ففي الوقت الذي انشغلت فيه القوى اليسارية بالانشقاقات الواحدة عن الاخرى، وتكوينها احزاب وتنظيمات عديدة، ومحاربة بعضها البعض لا فكرياً فقط، تمكن اليمين القومي العنصري توحيد صفوفه تحت راية الحزب النازي بقيادة هتلر، وتمكن من زيادة نسبة منتخبيه من 2,6% في عام 1928 الى 18,3% في عام 1930، اي بمقدار سبعة اضعاف خلال سنتين فقط ، واصبح بهذا ثاني اكبر حزب بعد الحزب الاشتراكي اليمقراطي في البرلمان، واصبح هتلر، بين ليلة وضحاها، من اكبر المنافسين على االسلطة.

وفي السنوات التي اعقبت الازمة الاقتصادية العالمية، تمكن الحزب النازي، بالاضافة الى نجاحه على المستوى البرلماني، من فرض سلطته على الشارع الالماني ايضاً، مستغلاً مجدداً الاستياء الشعبي ضد معاهدة ڤرساي و خسارة المانيا للحرب العالمية الاولى، وتمكّن من ترويج فكرة "هتلر سيكون المنتقم للشعب الالماني". فنال في انتخابات 6 تشرين الثاني 1932 على 33,1% من اصوات الناخبين واصبح بذلك اقوى حزب في البرلمان. ان هذا يعني ازدياد هائل لاصوات منتخبي الحزب النازي خلال 4 سنوات فقط (من 2,6% في عام 1928 الى 33,1% في عام 1932). وكل محاولات رئيس الرايش الالماني ومستشاره بتحييد هتلر وربطه بهم، بائت جميعها بالفشل.

واما النسبة المئوية لاصوات منتخبي الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي الالماني، اللذين تقلدا المرتبة الثانية والثالثة في عدد الاصوات في الانتخابات الثلاثة الاخيرة التي سبقت تسليم السلطة لهتلر في عام 1933، فكانت، مقارنة باصوات منتخبيي الحزب النازي كالاتي:

 

1928

1930 1932
حزب العمال القومي الاشتراكي الالماني (النازي) 2,6 18,3 33,1
الحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني 29,8 24,5 20,4
الحزب الشيوعي الالماني 10,6 13,1 16,9

من الجدول اعلاه يمكننا ملاحظة وجود امكانية عددية للتصدي للحزب النازي، وافشال تسليم مقاليد الحكم لرئيسه هتلر. الا ان هذين الحزبين اليساريين، بالرغم من جذورهما التاريخية والاجتماعية والسياسية المشتركة، كانا، بسبب انعدام الثقة بالآخر والتناحرات والخلافات الاديولوجية والشخصية، وتبعية الحزب الشيوعي الالماني للاتحاد السوفيتي، غير قادرين، او بالاحرى غير راغبين على الاتفاق والتآلف حتى في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، وانقاذ بلادهم من الخطر النازي المحدق. فالحزب الشيوعي الالماني، الذي كان قد اصبح حزباً ستالينياً قحّاً، اعتبر الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وليس الحزب النازي، من الدّ اعداءه، مطلقاً عليه تسمية "سوتسيال فاشسموس" اي الفاشية الاجتماعية. يا للاسف.

هتلر يستلم السلطة

وفي نهاية المطاف ونظراً لنتائج الانتخابات الاخيرة والضغط الشعبي، اضطر رئيس الرايش الالماني هندنبورگ في 30 كانون الثاني 1933 الى تسليم السلطة رسميّاً الى هتلر، بتعيينه مستشاراً لالمانيا. ان هذا الاجراء الرسمي يشكّلَ حقّاً نهاية النظام الديمقراطي البرلماني في المانيا وبداية الدكتاتورية العنصرية، التي جلبت الكوارث والمآسي ليس لالمانيا فحسب، بل لاورپا والعالم.

كلمة اخيرة

طرحنا في بداية هذا البحث الاسئلة التالية:

هل من الممكن ان يعيد التاريخ نفسه، ويستطيع مرة اخرى حزب قومي عنصري من استلام الحكم في بلد متقدم صناعيّاً مثل المانيا، ويستولي هتلر جديد على السلطة؟ وهل نستطيع تشبيه الوضع الحالي بالوضع آنذاك؟

ان جوابنا القاطع لكل تلك الاسئلة هو: كلا

وهذا ليس بسبب عدم قناعتنا بالقول الشائع "التاريخ يعيد نفسه"، بل لأن الظروف الانية في المانيا لا يمكن مقارنتها بتلك الظروف التي ادت الى استلام هتلر لمقاليد الحكم. فاذا نظرنا الى تلك الاسباب التي ادت الى تسليم السلطة له، لوجدنا ان لا احدها ينطبق او يشابه الوضع الحالي الالماني في: الاقتصاد، البطالة، تناحر الاحزاب الشعبية الكبيرة، الوضع الدولي. وعلينا الا ننسى هنا ذكر نقطة اخرى في غاية الاهمية، وهي: التجربة الديمقراطية الناجحة في المانيا خلال 70 سنة الماضية،


الهوامش

(1) أمر يجلب النظر: قبل ذلك باسبوع واحد فقط (23/8/1939)، عقدت المانيا مع الاتحاد السوفيتي معاهدة "عدم الهجوم"، التي سُمّيت بعدئذ بـ "معاهدة هتلرـ ستالين". سؤال يتداوله المؤرخون لحد الان هو: هل لهذه الاتفاقية دور ما في الهجوم الالماني على بولونيا والحرب، خاصة لانها تضمنت بروتوكولات سرية (ظهرت لاحقاً)، تحدد مناطق نفوذ البلدين على البلدان الواقعة بينهما (اسكندنافيا، دول البلطيق، بولندا ورومانيا).

(2) قُتل في الحرب العالمية الاولى اكثر من 9 ملايين عسكري و ما يقارب 8 ملايين مدني. وتعدى عدد الضحايا العسكريين الالمان 2 مليون واكثر من 4 ملايين جريح و 600 الف اسير حرب. اما عدد القتلى من المدنيين الالمان فكان يقارب 1 مليون شخص. وبهذا كان لالمانيا العدد الاكبر من الضحايا، مقارنةً بالدول الاخرى المشاركة في الحرب.

(3) الترجمة العربية المتداولة لأسم هذا الحزب (Sozialdemokratische Partei)، الذي لا يزال احد اكبر الاحزاب الالمانية حالياً، خاطئة برأي الكاتب. الترجمة الصحيحة لاسم هذا الحزب يجب ان تكون "الحزب الاجتماعي الديمقراطي"، حيث ان كلمة سوتسيال (Sozial) في الالمانية، تعني "اجتماعي" وليس "اشتراكي"، امّا كلمة (Sozialistisch) فهي التي تعني بالضبط "اشتراكي". الا اننا سنستعمل في بحثنا هذا، بالرغم من ذلك، ما هو معتاد في الادبيات العربية.

(4) تأسس الحزب الشيوعي الالماني في 30/12/1918 من اتحاد رابطة شبارتاكوس اليسارية مع مجموعات رادكالية يسارية صغيرة ولاحقاً اجزاء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل. كان هدفه بناء المجتمع الشيوعي في المانيا. من اكبر اخطاءه كانت محاربته للحزب الاشتراكي الديمقراطي ووصفه بالفاشية الاجتماعية، مما ادى الى عدم الاتفاق لصد هتلر.

(5) ڤايمار مدينة المانية، تم فيها اقرار ذلك الدستور. ونسبة الى ذلك، سمّيت الفترة التي تلت، حتى استلام هتلر للسلطة، بـ "جمهورية ڤايمار".

(6) للمقارنة مع دول اورپية اخرى في حق الترشيح والانتخاب للنساء: فنلندا (أول دولة اورپية): 1906، المانيا: 1918، السويد: 1921، بريطانيا: 1928، فرنسا: 1945، سويسرا: 1971.


 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter