|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  9  / 8 / 2015                                 د. صادق أطيمش                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

علمانية ... علمانية ... لا شيعية ولا سنية

د. صادق أطيمش

واحد من هتافات المظاهرات الإحتجاجية التي تجتاح وطننا منذ نهاية تموز الماضي وحتى الآن مطالبة بحقوق الجماهير الغاضبة التي سرقها سياسيو الصدفة السوداء التي وضعتهم على قمة السلطة السياسية بعد الإحتلال الأمريكي للعراق وسقوط دكتاتورية البعث المقيتة. وحينما تختار الجماهير شعاراتها في هذه الممظاهرات الصاخبة فإنها تعبر عن وعيها لسمات المرحلة التي جرَّ هؤلاء السياسيون الفاشلون الوطن والشعب إليها. وحينما نلقي نظرة فاحصة على هؤلاء السياسيين المتربعين على قمة العملية السياسية والذين يوجهون باحزابهم وتجمعاتهم السياسية جُل سيلسة البلد في المجالات المختلفة، فإننا لا نجد بينهم من يحمل الهوية الوطنية العراقية كمنطلق لعمله السياسي، وليس بينهم من هو الذي يمكن ان ينطبق عليه المبدأ القاضي بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

اما ما يتعلق بفقدهم للهوية الوطنية العراقية فإن مرجع ذلك يتعلق بولاءاتهم التي لا علاقة لها بالولاء الوطني، وإن تبجحوا به في كثير من احاديثهم. إلا ان الكذب والدجل والصفاقة التي مارسوها ولا زالوا يمارسونها خلال الإثنتي عشر سنة الماضية كشفت للقاصي والداني مدى الإنحطاط الأخلاقي الذي وصلوا إليه ليكذبوا على الناس في كل ما يقولونه او يعدون به. وما اقوالهم حول الوطن والمصلحة الوطنية والشعب ومطالبه المشروعة إلا حصيلة منطقية لتدني الخلق الذي جعل كل ما يتفوهون به ملتصقاً بالكذب والشعوذة والإستهزاء بالناس.

فالساسة من منتسبي الأحزاب الدينية الشيعية منها والسنية، التي إبتعدت عن الدين وسلكت طريق الإسلام السياسي، جعلوا من ولاءاتهم لأحزابهم اولاً واولياء نعمتهم من رؤساء كتلهم السياسية ثانياً، المنطلق الأساسي في تعاملهم مع الناس او مع المناصب التي يشغلونها. وهذه الأحزاب من جانبها عملت على تربية تابعيها من هؤلاء الساسة الفاشلين على ان تكون مصلحة الحزب وما يمثله من توجهات طائفية وولاءات شخصية هي المصلحة العليا التي اذا ما حققها هذا العبد المطيع لحزبه وولي نعمته فلا مانع يقف امامه من سرقة كل ما يقدر عليه من خيرات الوطن وقوت الشعب، بل ان الحزب سيدافع عنه وباسم الدين ايضاً إذا ما ضاق عليه الحناق يوماً ما. وقد رأت هذه الأحزاب الدينية ولمست وعلمت علم اليقين كيف اصبح هؤلاء الساسة الذين كووا جباههم وتختموا بخواتمهم وسرحوا لحاهم، معممين كانوا ام غير معممين، مبسملين محوقلين في كل حديث وبمناسبة وبدون مناسبة، كيف اصبحوا من ذوي الثروات الطائلة والعقارات العامرة، بعد ان كان الكثير منهم لا يقوى على توفير قوت يومه. ومع كل هذه اللصوصية وتدني الأخلاق، ظلت هذه الأحزاب الدينية جداً تغازل الناس بالمقولات الدينية والخُطب العاطفية والفتاوى التبريرية لكل جريمة من جرائم ذويها، وقد صدّق الكثير من الناس البسطاء المرتبطين بدينهم ارتباطاً فطرياً حقيقياً مثل هذه الأكاذيب لهؤلاء الذين وضعوا انفسهم على قمة المسؤولية الدينية، في الوقت الذي رفضت فيه هذه الأحزاب الدينية وقادتها ومنتسبوها، حتى بعض توجيهات ما يسمونه مراجعهم الدينية التي اكتفت بتوجيههم كلامياً فقط نحو التخلي عن اللصوصية للمال العام والتوجه لتحقيق بعض المطالب الشعبية المتعلقة بقوت الناس وحياتهم الإنسانية، دون ان تتخذ اية اجراءات واقعية رادعة بحق هؤلاء، بل بالعكس فإن بعض المراجع الدينية نعتوا بعض هؤلاء الساسة بابناء المرجعية الدينية، مما زاد من حظهم بالحصول على اصوات اكثر في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة.

اما الساسة الفاشلون الآخرون من منتسبي الأحزاب غير الدينية، كالقوميين الشوفيننين من العرب والكورد على حد سواء فلم تختلف تصرفاتهم اللصوصية بحق الشعب وخيرات وطنه عن زملائهم الإسلاميين، وعن تمسكهم بولاءات لا علاقة لها بالولاء للهوية العراقية التي وضعوها جانباً ايضاً وراهنوا على الإنتماءات العشائرية والمناطقية. وهكذا تجذرت هذه السياسة الطائفية العنصرية العشائرية حتى تبلورت عنها محاصصات على الغنائم بين لصوص اصبحوا يتحكمون بمؤسسات جعلت من هذه السياسة السمة الغالبة لساسة العراق الذي اصبح في مقدمة الدول الفاسدة ادارياً ومالياً.

وحينما تعلن الجماهير الغاضبة اليوم رفضها لهذه الزمر واحزابها الدينية والعنصرية الشوفينة العشائرية وترفع شعار الدولة العلمانية، فإن ذلك لا يشير بأي حال من الأحوال إلى موقف سلبي من ألإنتماء الديني بما فيه المذهبي، ولا علاقة له بالإنتماء القومي او العشائري، كما يطيب لبعض المتقولين على العلمانية والذين يريدون محاربتها بنفس تلك الشعارات الدينية التي يسرقون بها الناس وخيرات الوطن منذ اثنتي عشر سنة ولحد الآن.

العلمانية هي الضمانة الأكيدة لحماية المجتمع بكل توجهاته الدينية والإجتماعية والثقافية والفكرية والتي تشكل الأساس القوي للسلام الإجتماعي والتطور المطرد لما فيه خير الإنسان، اي انسان بغض النظر عن دينه او قوميته او لون جلدته. والعلمانية التي ندعوا إليها والتي لا خيار افضل منها لمجتمعاتنا هي التي تساعد المتدين على ممارسة طقوسه الدينية التي يقتنع بها، دون ان تفرض عليه اي نمط معين من هذه الممارسات التي تحميها وتحققها قوانين ودستور الدولة العلمانية الديمقراطية. إن بعض لصوص الإسلام السياسي انما يحاربون العلمانية واصفين اياها بالكفر والإلحاد وما شابه ذلك من اللغو الفارغ، انما يعملون بهذا الإتجاه لانهم يعلمون علم اليقين بان الدولة العلمانية الديمقراطية هي الدولة الوحيدة التي ستقطع عليهم طريق اللصوصية وتغلق امام وجوههم الكئيبة كل ابواب النفوذ لتولي اية مسؤولية ليسوا اهلاً لها علماً او تجربةً او ثقافةً. الدولة العلمانية الديمقراطية لا علاقة لها بدين مواطينها قدر علاقتها بتوفير كل الأجواء الآمنة لهم لممارسة طقوس دينهم ضمن قوانين الدولة العلمانية الديمقراطية التي تشكل الضامن والحامي لأديان المواطنين كافة دون تمييز او تفريق بين هذا الدين او ذاك. وحينما نتكلم عن العلمانية الديمقراطية فإننا نعني بارتباط العلمانية بالديمقراطية التي لا يمكن ان تحقق اهدافها دون ارتباط هذين النهجين في بناء الدولة الحديثة. إذ ان هناك من يتبنون العلمانية التي تعني كل ما تعنيه فصل الدين عن الدولة، دون ان يربطوا هذا التوجه بالديمقراطية الضامنة لحقوق وواجبات كل المواطنين على اختلاف نزعاتهم. وقد عاشت الإنسانية وعايشت مثل هذه التوجهات في المانيا وفي ايطاليا واسبانيا وفي كثير من دول اوربا الشرقية وامريكا اللاتينية. وحينما نطالب بالعلمانية الديمقراطية لوطننا العراق ونرفع هذا الشعار المنقذ لنا من ويلات الإحتراب الطائفي الذي اججته احزاب الإسلام السياسي بمذهبيها السني والشيعي، الشعار الذي نعيد بموجبه هوية الإنتماء العراقي فقط واولاً، وليس الإنتماء العربي او الكوردي او التركماني او اية قومية اخرى على ارض وطننا، والتي نعتز بها جميعاً، الشعار الذي يعيد للدولة هيبتها من خلال قوانينها وقضاءها لإبعادها عن احكام وقوانين العشيرة وقضاءها الذي وضع القضاء العراقي جانباً في كثير من مناطق الوطن. حينما نطالب بتحقيق هذا الشعار والدولة التي تتمخض عنه، فإننا لا نبالي بما يتهمنا به اولئك المتربصون على قمة العملية السياسية وفقهاؤهم الذين يحملون اكياس فتاواهم الجاهزة لكل مناسبة وفي كل حين. إن مثل هذه الفتاوى عن الدولة العلمانية الديمقراطية التي لا يستطيع اي مَن يطلقها ان يأتي بدليل واحد على صحة اقواله، ما هي إلا اكاذيب لفقهاء يحللون سرقة المال العام ويحرمون دفاع الضحية عن ماله وكرامته وكل حياته المستباحة من قبل سياسييهم هؤلاء. إن العلمانيين الديمقراطيين في وطننا العراق او على اية بقعة في هذه الدنيا يتحدون فقهاء السلاطين هؤلاء، وبكل قوة، ان يأتوا بدليل واحد يثبتوا به اكاذيبهم حول الدولة العلمانية الديمقراطية، وتأكيد ما يكذبون به على الناس دوماً بان العلمانية كفر وإلحاد. وإن تجاهلوا هذا التحدي فما هم إلا شياطين معممة او من اهل الفتنة والظلال من الداعين إلى استمرار الخراب والقتال بين الناس ومن اعداء السلم الإجتماعي.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter