|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  30  / 7 / 2018                                 د. صادق أطيمش                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مآزقهم ومنافذنا ...

د. صادق أطيمش
(موقع الناس)

لا اريد في هذا المجال ان استعرض تجارب الثورات الجماهيرية التي استعرت في مناطق مختلفة من العالم ، ومدى امكانية الإستفادة منها في الهبة الجماهيرية العاصفة التي يقودها شعبنا اليوم ضد منابع الفساد والخيانة وضد تجار الدين الذين ابتلي بهم وطننا منذ اكثر من خمسة عشر عاماً . بل اجد من المفيد هنا ان نستعرض تجربتين لا يختلفان في بيئتيهما الثقافية والإجتماعية والسياسية عن البيئة العراقية التي تتبلور فيها الإنتفاضة الجماهيرية نحو ثورة شعبية عارمة تعصف بالإسلام السياسي واحزابه ومشايخه من نابحي المنابر وظلاميي الفكر وفاقدي البصر والبصيرة .

التجربة الأولى التي ينبغي ان نشير لها هنا هي التجربة السورية وما مرت به الحركة الجماهيرية من خلال تطورها في السنين الماضية التي وصل بها الصراع والنضال ضد الحركات الإرهابية الإسلامية وغير الإسلامية اكثر مما كان مخططاً له لأن يتجه نحو مواجهة دكتاتورية البعث المتمثلة بحزب البعث السوري ورئيسه بشار الأسد .

كلنا يتذكر المظاهرات التي بدأتها القوى الديمقراطية في سوريا والتي كانت تطالب بالحريات الديمقراطية وتحسين وساءل العيش وإيجاد فرص العمل ورفض سيطرة الحزب الواحد على السياسة في كافة مجالاتها . وقد اكدت هذه المظاهرات حتى في الشعارات التي كانت ترفعها بانها مظاهرات سلمية لا تسعى إلى الإخلال بالأمن ولا تتجه نحو اي عمل يمس المنفعة العامة سلبياً سواءً من خلال الإضرار بالممتلكات العامة او بوتيرة العمل والحياة العامة . لم تكن المظاهرات في سوريا قد وصلت إلى مرحلة الإعتصامات او الإضرابات العامة ، إذ ان ما حدث لها من تطور بعدئذ لم يسمح لها بذلك . لقد إتجهت قوى التصدي للمظاهرات الجماهيرية والتي قادها النظام السوري اولاً بكل اجهزته القمعية إلى إستخدام القمع والعنف المسلح ضد المتظاهرين بغية إفشال اي عمل جماهيري قد يجبر هذا النظام ، لو استمرت وتيرته الإحتجاجية ،على الخضوع لإرادة الجماهير ، وبذلك تخرج فردية الحكم التي يمارسها منذ عشرات السنين من يديه.

إلا ان نظام البعث الدكتاتوري الذي سبق وأن نشر على الأراضي السورية معسكرات الإرهابيين الإسلاميين الذين كان يصدرهم لقتل اهلنا في العراق ويمهد لهم الطرق لإجتياز حدوده والعبور إلى الأراضي العراقية ، لم يضع في خلده ان هؤلاء الإرهابيين سوف لن يتجاهلوا اية فرصة مواتيه للإنقضاض على سيدهم وانتزاع السلطة السياسية التي يسعون لها في كل تحركاتهم التي خططت لها ومولتها وساندتها المخابرات المركزية الأمريكية وحكام الخليج وكل الأنظمة التي ارعبها التحرك الجماهيري الذي بدأ يأخذ طابع الثورات اكثرر مما هو تنظيم لمظاهرات او تحركات احتجاجية .

لقد استغلت المنظمات الإرهابية في سوريا توجه النظام لوسائل القمع واستعمال السلاح ضد المتظاهرين الديمقراطيين لتدخل إلى سوح النضال الجماهيري شاهرة سلاحها ضد ذلك النظام الذي ساعدها على حمل هذا السلاح او حصولها عليه من مصادره التي كان النظام السوري ينسق معها لإعداد كل الوساءل التي تنال من العراق ارضاً وشعباً واقتصاداً وامناً.

من الطبيعي لم تتدخل المنظمات الإسلامية الإرهابية في المظاهرات بوساءلها العنفية دفاعاً عن القوى الديمقراطية التي بدأت هذه المظاهرات ، بل لركوب موجة الإحتجاجات بالطرق التي تتبناها هي بالذات والتي لا تخرج عن استعمال العنف والتخريب وذلك لإن العمل الجماهيري الديمقراطي لا مكان له في عقول عصابات الإرهاب الإسلامية . لقد واجهت القوى الديمقراطية السورية مثل هذا التدخل بالرفض القاطع واعلنت رفضها هذا في كثير من المناسبات التي توفرت لها إعلامياً ، حتى بلغ الأمر حداً لم يستطع معه الديمقراطيون السوريون ان يدافعوا عن موقفهم السلمي وتوجهاتهم اللاعنفية في مسيرة المظاهرات الجماهيرية مما إضطرهم إلى الإنسحاب تدريجياً من الساحة التي خلت للمنظمات الإرهابية التي تكاثرت بعدئذ بشكل ينسجم والقوى التي تبنتها عربياً وغير عربي وكل ذلك باسم الإسلام وباسم التوجه نحو الدولة الدينية وكل ما تحمله من بلاء ووباء نرى امثلة حية له اليوم في مثل هذه الدول بمختلف انتماءاتها المذهبية والسعودية وايران مثالان صارخان على الدولة الدينية السنية والدولة الدينية الشيعية .

وما جرى بعئذ على الأرض السورية والدمار الذي تعرض له البلد برمته وما اصاب اهله من ويلات ونكبات وإجرام المنظمات الإرهابية الإسلامية ، لا يمكن وصفه إلا بالطامة الكبرى التي سوف تترك آثارها بكل سيئاتها على الأجيال الكثيرة القادمة.

لذلك ارى من المفيد ان تنتبه قوى شعبنا الديمقراطية الثائرة إلى كل المحاولات التي من شأنها تغيير مسيرة المظاهرات والإحتجاجات او الإعتصامات في المستقبل من سلمية ديمقراطية ، إلى عنفية دينية التي سوف لن تجلب لأهلنا ووطننا سوى نفس تلك المآسي يعاني منها الشعب السوري الآن والتي لم تحقق ابسط ما طالب به ، حيث تشير كل المعلومات الآن وبعد كل هذا الخراب إلى ان النظام ورأسه الدكتاتوري اصبحا من ضمن الحل وليس اساساً للمشكلة في سوريا .

وعلى هذا الأساس وانطلاقاً من التجربة السورية يمكننا النظر الى التجربة التونسية التي استمرت فيها الإحتجاجات الجماهيرية والمظاهرات الصاخبة بشكل مكَّن القوى الديمقراطية من ان تحد من تدخل الإسلاميين ومحاولاتهم ركوب الموجة بالطرق التي يريدونها والتي لا تبتعد عن استعمال العنف ونشر الشغب والتخريب . لقد نجح الشعب التونسي في وضع الأسس الجماهيرية الديمقراطية كمنطلق للمظاهرات ورفض القوى الإسلامية التي عزلها الشارع التونسي عن توجهه نحو الدولة الديمقراطية العلمانية . لا نستطيع القول بان القوى الإسلامية التونسية لم يعد لها تأثير على التوجه السياسي العام ، إلا ان انحسار نفوذها ومساحة تحركها على الشارع التونسي اصبح اقل بكثير عما سبق بحيث ان اقوى تجمع لهذه القوى والمتمثل بحزب النهضة وزعيمه الغنوشي اعترفا علانية عن انخراطهما في التوجه الديمقراطي للحراك الجماهيري . شخصياً لا يمكنني تصديق مزاعم حزب النهضة الذي لا يختلف في توجهاته العامة عن توجهات اقرانه من الأحزاب الإسلامية التي لا تسعى إلا إلى استغلال الديمقراطية وما تتيحه من وساءل للوصل الى الحكم ومن ثم الإنقلاب الكلي على هذه الديمقراطية وكل مبادءها التي اتت بهم إلى السلطة . وما ما يجري في تركيا واردوغان اليوم او ما جرى في مصر ومرسي بالأمس إلا امثلة حية على ذلك.

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter