|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  30  / 11 / 2014                                 د. صادق أطيمش                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

القضاء العراقي بين المسؤولية الوطنية وتناطح السياسيين

د. صادق أطيمش

عقد مجلس القضاء الأعلى مؤتمراً صحفياً تحدث فيه رئيسه الأستاذ القاضي مدحت المحمود، فاناط اللثام عن كثير من الهمسات التي ظلت تدور على الشارع العراقي، دون ان تتخطى دورها هذا لتصل إلى صفة الحديث الجاد المتعلق بمسار حياة المواطن اليومية، في وطن اتعبته وانهكت اهله سياسات دكتاتورية قمعية بالأمس وطائفية محاصصاتية اليوم.

جرى التعرض في هذا المؤتمر الصحفي إلى كثير من المواضيع التي يمكن اعتبارها تأكيداً من الجهاز القضائي العراقي على سعيه ومحاولاته لتطويرعمله والنهوض به نحو المُثل التي تتحقق فيها العدالة الإجتماعية التي هي من صلب العمل القضائي وفي اولويات توجهاته. كما انها تشكل الأساس العلمي والعملي الثابت لبناء الدولة المدنية الحديثة. وبالرغم من كل المعوقات الكثيرة التي وضعتها السياسة اليومية وواجهها هذا الجهاز بحيث اربكت مسيرته احياناً، وسواءً كانت هذه المعوقات ذاتية او موضوعية، فإن ما تم التطرق إليه في هذا المؤتمر من الإنجازات التي تحققت، حتى وإن كانت هذه الإنجازات ليست بمستوى الطموح المنشود ذاتياً وشعبياً ووطنيا، يشير إلى سعي الجهاز القضائي العراقي إلى الإستمرار في محاولات تحقيق ما يصبو إليه المواطن العراقي منه.

في الحقيقة لا يمكن لإنسان بعيد عن هذا الإختصاص ان يقيِّم الإنجازات الإدارية والمهنية التي جرى التطرق إليها في هذا المؤتمر الصحفي، لاسيما تلك التي تتعلق باستقلال القضاء ومحاولات إبعاد الاعيب سياسة المحاصصات الطائفية اليومية عنه. ومن المهم ان يتناولها المختصون بغية المساهمة في تطوير عمل الجهاز القضائي وبالتالي النهوض بمستوى البلد في هذا المجال الهام الذي ظل مقياساً حساساً لتقدم الشعوب وانظمتها السياسية. إلا ان ما تم التطرق اليه في مجالات الأمن الداخلي والعلاقة التي نشأت في العمل بين هذا الجهاز والجهازين التنفيذي والتشريعي، فيمكن لأي مواطن عراقي، ومن حقه ايضاً، ان يتناولها بالتعليق والنقاش إنطلاقاً من مبدأ التقويم والتطوير نحو الأحسن وليس التهديم والتشهير.

لدى مراجعتي لما جاء في هذا المؤتمر الصحفي وجدت ضرورة ملحة لمناقشة ثلاثة محاور جرى التطرق إليها ضمن المحاور العامة البعيدة عن الإختصاص القضائي الدقيق والتي تقع ضمن الإهتمامات الوطنية العامة.

المحور الأول والمتعلق بالمحاولات التي يقوم بها الجهاز القضائي العراقي، الذي ظل طيلة هذه الفترة محط انظار المواطنين لإنتشال سمعة الوطن من التدني الذي اوصلته له سياسة المحاصصات الطائفية والإصطفافات الحزبية والمناطقية والعشائرية والتي مارسها كل من الجهازين التنفيذي والتشريعي، بحيث يجري العمل على احترام القانون من خلال تطبيق القرارات القضائية بشكل لا يسمح بالإنتقائية او المحسوبية ان تأخذ دورها السلبي في هذا المجال الحيوي من مجالات التعايش الإجتماعي والسلام الداخلي لكل بلد. وبما ان مثل هذه الإجراءات تظل مرتبطةً دوماً بماهية القوانين السائدة ومدى احترامها من قبل مشرعيها ومنفذيها بالدرجة الأولى، فإن عمل الجهاز القضائي يظل والحالة هذه مقيداً بآليات تكاد ان تكون خارج تأثير مرماه وذلك لإرتباط تبعات هذا العمل بجهازين اثبتا فشلهما في إدارة امور الدولة العراقية لحد الآن وهما الجهاز التشريعي والجهاز التنفيذي. إذ لا فائدة ترجى من اي إجراء قضائي إن لم يتم تأطير هذا الإجراء بالإجراءات التنفيذية المتعلقة به، وإذا لم يجر العمل من الجهاز التشريعي على الإستفادة من التطبيق للنهوض بمستوى القوانين نحو الأفضل دوماً. ونحو الإستفادة من التطور الحضاري العالمي للنهوض بمستوى النص القانوني بما يتناسب والمستوى العلمي والحضاري. إلا ان المتابع لكل ذلك يُصاب بخيبة امل كبيرة كلما نظر إلى مستوى التعامل مع القضاء العراقي من قِبل هذين الجهازين التنفيذي والتشريعي. وهذا ما يقودنا إلى المحور الثاني الذي تم التطرق إليه في هذا المؤتمر الصحفي والمتعلق بصدى الإجراءات القضائية لدى السلطة التنفيذية.

مَن يطلع على بعض العينات التي جرى ذكرها في هذا المجال فسيجد، وبشكل واضح جداً، مدى طبيعة التلكؤ الذي تمارسه السلطة التنفيذية في تفعيل القرارات القضائية او في القفز عليها او التلاعب بها كيفما يتطلب منها الوضع السياسي المحاصصاتي ذلك. كل ذلك يجري بالضد مما يجب ان تكون عليه سلطة القضاء ومن خلال اجراءات سياسية كيفية لا سند قانوني لها.

لقد جرى التطرق مثلاً إلى وجود عدد هائل من المخبرين السريين الكاذبين في بغداد وفي بقية مناطق العراق. ومن المعروف تماماً ان تعيين هؤلاء المخبرين السريين قد تم بناءً على ما يسمى بمتطلبات الأمن الداخلي ومن قبل السلطة التنفيذية التي إنفردت باتخاذ مثل هذه الإجراءات. واستناداً إلى ذلك اقدمت بعض اجهزة السلطة التنفيذية على الأخذ بما يقدمه هؤلاء المخبرون الذين يتبارون حتماً في تقديم التقارير الكاذبة إلى اسيادهم لينالوا ما ينالوا من الثناء والهبات والإمتيازات، تيمناً بتجارب مخبري البعثفاشية المقيتة والممارسات التي مارسوها وتلقوا نتائجها ايضاَ مقابل زج الكثيرين من الأبرياء في السجون او حتى الحكم عليهم باحكام جائرة. لقد كان المواطن العراقي يسمع الكثير عن دور المخبر السري، دون ان يكون له اي تصور حول الصفة القانونية لهذا المخبر الذي لم يجعل من القضاء العراقي مرجعيته الأساسية، بل جعل ممن عينه في منصبه هذا في هذا الحزب او ذاك او هذه الطائفة او تلك الملاذ الذي يخفي وراءه تقولاته على الأبرياء وينقش خلفها تقاريره. إن المئات من هؤلاء المخبرين السريين الذين يعتاشون، بل ويتلذذون احياناً، من خلال الإيقاع بالآخرين، هم من نتاج العملية السياسية واحزابها المتناحرة وقادتها المتهالكين على المال والكسب الحرام، واكثرهم من المبسملين المحوقلين المدَّعين الورع والإيمان وإتباع طريق الحق. إن وجود مثل هؤلاء المخبرين السريين وكثافة نشاطهم إن دل على شيئ فإنما يدل على استهانة السلطة التنفيذية بالقضاء العراقي وعدم احترام قرارات القضاء التي جعلها السياسيون تحت تصرف امزجتهم التي لا قرار لها بعدما فقدت قرارها الوطني واتجهت صوب القرارات الطائفية والمناطقية والقومية العشائرية. إلا ان مسألة المخبرين السريين ما هي إلا واحدة من الظواهر المؤسفة التي يتعرض فيها القضاء العراقي إلى الإنتهاك من قبل السلطة التنفيذية. لقد شملت هذه الإنتهاكات مفاصل كثيرة اخرى ، كعدم إلإلتزام بتنفيذ الأحكام القضائية بحق بعض المجرمين. او التساهل مع المُدانين قضائياً سواءً بتخفيف الاحكام او الغاءها نهائياً وحتى تهريب بعض المجرمين إلى بلدانهم، كما جرى لبعض الإرهابيين السعوديين والأردنيين. حتى ان الأمر قد وصل إلى التلكؤ بتنفيذ عقوبات الإعدام الصادرة بحق الإرهابيين المدانين من القضاء، مما سهل فرار عتاة المجرمين من سجونهم وإفلاتهم من قبضة القضاء ليعودوا لممارسة الأعمال الإجرامية ضد وطننا وابناء شعبنا. إن ما يؤسف له حقاً ان يتعرض القضاء العراقي إلى مثل هذه التجاوزات والضغوط والإنتهاكات التي تمارسها السلطة التنفيذية، دون الأخذ بنظر الإعتبار ماهية الجهاز القضائي ودوره في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والعدالة الإجتماعية. لذلك فإنني اعتقد بان ما أُشيع ويشاع حول تسييس القضاء العراقي لا يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف المهنية لدى رجل القضاء العراقي، ولنا في تعامل هذا القضاء مع عتاة مجرمي البعثفاشية مثلاً على ذلك، بل ان سبب هذا الإنطباع هو قوة وسطوة السياسي العراقي وتأثيره على الأجهزة التنفيذية التي تجعل منه في موقع يستطيع معه من التلاعب بالقرارات القضائية ، هذا بالإضافة إلى استهانة السلطة التشريعية نفسها بالقوانين التي شرعتها هي بالذات، وفي الحالتين قد تكون اسباب ذلك من تبعات سياسة " تَسكُت ... أسكُت ".

وهذا ما يقودنا إلى المحور الثالث الذي تناوله المؤتمر الصحفي والذي تم التطرق فيه إلى موضوعين عبر عنهما السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى حينما قال : نرفض ان يكون القضاء جسراً للسياسيين . وما أكد فيه على: عدم إمكانية تأثير السلطة التنفيذية على القضاء وذلك حسب المادة 147 من الدستور التي تنص على فصل السلطات.

إن المواطن العراقي يتطلع فعلاً إلى تفعيل الدستور العراقي، بالرغم مما يعتريه من نواقص لا تتلائم تماماً ومسيرة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والعدالة الإجتماعية. إلا انه دستور مُقر من قبل الشعب العراقي ومن الضروري احترام نصوصه. بيد ان المراقب للعملية السياسية في وطناً يسجل خروقات دستورية من اولئك الذين عملوا على كتابة الدستور ومن القائمين على تنفيذ ما جرى تطبيقه في مجالات العمل القضائي المختلفة. وهنا ينتظر المواطن العراقي من الجهاز القضائي ان يخترق جدار الصمت الذي حال بينه وبين فضح تصرفات الجهازين التشريعي والتنفيذي المخالفة للدستور والتي جرى التطرق إلى بعضها في هذا المؤتمر كمفهوم الحصانة البرلمانية لعضو مجلس النواب مثلاً ، او كيفية التعامل مع اموال الدولة والمحافظة عليها من السرقات والصرف غير المسؤول، إذ ان المبالغ التي تم اختلاسها من الميزانية العامة لحد الآن والموَزعة بين الأحزاب الحاكمة الدينية منها والقومية قد بلغ اكثر من سبعمائة مليار دولار امريكي. وهنا لابد من التأكيد على بلورة مشاعر جديدة لدى المواطن العراقي من خلال تأكيد القضاء على عدم سماحه بمثل هذه الإنتهاكات مستقبلاً، خاصة وإن المواطن العراقي قد فقد ثقته التامة بالجهازين التشريعي والتنفيذي ولم يبق امامه إلا اللجوء للقضاء العراقي لإنقاذ البلاد والعباد والأمة باكملها من هذه الغمة.

وفيما يتعلق بهذا الموضوع ايضاً فقد تطرق المؤتمر إلى نقطة هامة، إلا انه لم يشبعها نقاشاً مع ألاسف الشديد، الا وهي مسالة الهاربين بالأموال المسروقة والشعور الذي ينتاب المواطن العراقي بعدم الجدية في مطاردتهم من خلال غياب التكليف الجاد للإنتربول بالقاء القبض عليهم وتسليمهم إلى القضاء العراقي، وجُلَّهم ممن يقبعون اما في عاصمة التآمر على وطننا عمان الأردن، او في بعض الدول التي سوف لن تتلكأ كثيراً بتسليمهم إلى الحكومة العراقية، لو رافق مثل هذا العمل نية صادقة وخالصة من الزيف السياسي ولعبة المحاصصات اللصوصية التي تمارسها السلطة التنفيذية.

باعتقادي ان هذا المؤتمر الموسع فتح ابواباً عدة امام المواطن العراقي لكي يطلع على كثير مما خفي من الحقائق ويتعامل معها بما تستحقه من الإهتمام اولاً، وإنه تعامل مع هذا الواقع بحيث اعطى الشعور للمواطن العراقي بأن مسيرة الدولة العراقية لا تخلو من الأمل في مستقبل يتجاوز فيه بعض المخلصين كل ما آلت إليه العملية السياسية من سيئات سياسة المحاصصات الطائفية المقيتة ثانياً. وإن دائرة هذا البعض ستتسع في المستقبل حتماً، خاصة إذا ما تعلق الامر بوطن كالعراق وكل ما فيه من الإمكانيات التي تؤهله فعلاً لأن يتبوأ موقعاً آخراً افضل بكثير مما هو فيه الآن.





 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter