|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  2  / 3 / 2017                                 د. صادق أطيمش                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

إحذروا "ديمقراطية" ألإسلاميين

د. صادق أطيمش
(موقع الناس)

تتعالى الأصوات في المانيا هذه الأيام لتندد باعتقال صحفي في تركيا من اصل تركي إلا انه يحمل الجنسية الألمانية. ولم تقتصر اوساط الإحتجاج على الجهات الرسمية فقط ، بل تعالت ايضاً في الاوساط الإعلامية والشعبية . وللعلم فإن هذا الصحفي الذي اعتقلته السلطات التركية بذات الحجة التي تعتقل بها الآلاف من المفكرين الأحرار باعتبارهم من انصار حزب العمال الكوردستاني ومن مناصري القضية الكوردية المضطَهدة في تركيا اردوغان وحزبه الإسلامي القابع على قمة الحكم في تركيا منذ عام 2002 ولحد الآن، ليس الوحيد ضمن موجة الإعتقالات والفصل والملاحقات التي طالت ولا زالت مستمرة بحق عشرات الآلاف من المناضلين ذوي الأفكار التحررية المناوءة لأطروحات الحزب الإسلامي الحاكم، حزب العدالة والتنمية ،وتوجهاته الشوفينية وسياسته الدكتاتورية الفجة. وتشير آخر الأنباء الموثوقة بأن اكثر الصحفيين المعتقلين في العالم هم في سجون تركيا الآن.

الأحزاب التي تدعي انها اسلامية وتنشر على الملأ يومياً شعارات تتغنى بها دوماً على انها تعبر عن هويتها الدينية وورعها واخلاقيتها، ينبغي ان تعكس هذا الورع وتلك الأخلاق على تصرفاتها وافعالها خاصة إذا كانت هذه الأحزاب تدير العملية السياسية في بلد ما. ومن اولويات الورع والأخلاق تبرز في المقدمة تماماً الإلتزام بالثوابت الدينية التي لا ينبغي لها ان تتأثر بمتغيرات السياسة اليومية. إلا ان النمط الذي من المفروض ان تسير عليه هذه الأحزاب السيادينية (السياسية ـ الدينية) شي ، وما نراه على الواقع اليومي في كل تصرفاتها شيئاً آخر تماماً. وبالرغم من بروز هذه التناقض لدى كل احزاب الإسلام السياسي بدون استثناء، إلا ان المثل الذي يقدمه لنا اليوم حزب العدالة والتنمية التركي وابرز سياسييه رجب طيب اردوغان يمثل هذه الظاهرة على حقيقتها ويكشف في نفس الوقت مدى تخلف هذه الأحزاب فكراً وممارسة وانحدارها إلى ادنى مستويات الفقر الأخلاقي والإلتزام المبدئي الذي يشكل القاعدة الأساسية للإلتزام الديني.

حينما وصل حزب اردوغان إلى قمة السلطة السياسية في تركيا عام 2002 بشر بسياسة الإعتدال بين التيارات الإسلامية التي التزمت جميعها بممارسة العنف الذي تبنته حركة الأخوان المسلمين في مصر والتي تُشكل الأم الحاضنة لمختلف تيارات الإسلام السياسي التي انبثقت عنها بما فيها حزب اردوغان. إلا ان الطموحات التي كانت تراود هذا الحزب والمتعلقة بشكل اساسي بموقع تركيا الجغرافي بين اوربا وآسيا وطموحات شعبها بالتوجه نحو اوربا بزخم اكثر مما هو عليه بالنسبة لدول آسيا وافريقيا، بالرغم من الإنتماء الديني المشابه لمجتمعات كثير من هذه الدول ، حتمت على هذا الحزب تبني سياسة المراوغة المرحلية التي اراد من خلالها التعبير عن اعتداله بممارسة العمل البرلماني كطريق لتحقيق الأهداف التي ي رسمها الحزب لبلد كتركيا. وقد نجحت هذه المراوغة بالفعل حتى ان كثيراً من الخبراء في الشأن التركي اطلقوا على تجربة الإسلام السياسي هذه مصطلح " الإسلام المؤسساتي" إنطلاقاً من تأكيد حزب العدالة والتنمية على سلوك هذا الطريق في عمله السياسي. وقد حقق هذا الطريق اهدافاً كثيرة حقاً تجلت في النمو الإقتصادي وفي ثبات الوضع السياسي الذي حاول هذا الحزب استغلاله لا للتركيز على منهجه الإسلامي بشكل اساسي، بل لتأجيج الصراع العنصري داخل المجتمع وذلك من خلال إمعانه في الحرب على الشعب الكوردي وزيادة القهر والإضطهاد والقمع ضد الملايين من هذا الشعب الذي ظل يناضل تحت اقسى الظروف في سبيل حريته وحقوقه القومية التي لم تعترف بها الحكومات التركية المتعاقبة التي تنكرت اصلاً لوجود قومية في تركيا تحمل اسم القومية الكوردية او وجود شعب تحت اسم الشعب الكوردي الذي دأبت العنصرية التركية على تسميته بأتراك الجبل. وبالرغم من كل الجرائم التي مارستها العنصرية التركية ،لا بحق الشعب الكوردي فقط، بل وبحق جميع القوى الديمقراطية المتنورة من الشعب التركي ايضاً. هذه الجرائم التي شكلت امتداداً لتوجهات الشوفينية التركية التي سبق وأن مارستها بحق الشعب الأرمني في المجازر التي ارتكبها الحكم العثماني البشع ضد هذا الشعب.

إن انقلاب حزب اردوغان الإسلامي على الوسائل التي اتت به إلى قمة السلطة السياسية ومحاولاته المستمرة بالقضاء على كل ما يمكن ان يصب في بقايا التوجه الديمقراطي في تركيا، ليست ظاهرة خاصة بحزب التنمية والعدالة التركي، بل هي ظاهرة ملازمة لإحزاب الإسلام السياسي التي تتبجح باتباعها الوسائل الديمقراطية طالما هي خارج السلطة ، إلا انها تنقلب على كل العملية الديمقراطية التي اوصلتها إلى استلام قيادة الحكومة في اي بلد كان بمجرد امتلاكها لما توفرها لها السلطة السياسية من وسائل القمع والملاحقة والسجون والإضطهاد لكل من تشك ، مجرد شك، انه لا يتفق مع النهج الفكري المتخلف لهذه الأحزاب. وقد برهنت التجارب الكثيرة التي خاضتها احزاب الإسلام السياسي والتي برهنت فيها على مدى عدائها للديمقراطية وانقلابها عليها بالرغم من استعمال وسائلها للوصول إلى الحكم . وتجارب مصر والسودان وايران وافغانستان وتونس تشير إلى القاعدة المشتركة لأحزاب الإسلام السياسي في موقفها العدائي من الديمقراطية.

الإسلام السياسي عاهة على المجتمعات التي يحل بها، إسلامية او غير إسلامية، وقد لا تبرز آثاره المهلكة على المجتمعات غير الإسلامية،كما على المجتمعات الإسلامية التي لم تزل تعاني من التخلف، خاصة تلك المجتمعات غير الإسلامية التي بلغت مرحلة متقدمة في مكافحة مثل هذه العاهات التي لم تختف تماماً بعد، كما اختفت لديها بعض الأمراض التي كانت مزمنة وخطرة في نفس الوقت. الإسلام السياسي عاهة العصر الحديث الذي تعيشه البشرية وتعيش اعراضه التي يتميز بها هذا المرض الخبيث والتي نراها اليوم ماثلة امامنا ، إذ ان :
فكر الإسلام السياسي يتصف باعراض التخلف الذي يشكل قوام انتشار هذه العاهة التي تسعى لعزل المجتمع الذي تصيبه عما يحيط به من تنوع واختلاف ، وتعمل على تحجيمه ضمن اطروحات بائسة مشوهة تجعل من دياره سجناً واسعاً ومن افكاره سلاسل لا تسمح له بفتح عقله حتى على القريب مما حوله، تشغله بآت مجهول ولا تنقذه من حاضر أليم. هذا العوق الفكري الذي يصيب به الإسلام السياسي المجتمعات التي يحل بها، يمنع اي تحرك نحو الغد لأفضل والمستقبل الأمثل ، إذ ان غد الخطاب الفكري للإسلام السياسي هو غد الحوريات الذي لن يصله الإنسان إلا عبر قتل الآخر المختلف او إذلاله او تسييره وخنوعه لكل ما يأتي به ضمور العقل وغياب الوعي . ولا مناص من التأكيد هنا على ان عاهة الإسلام السياسي هذه تقود إلى الشلل العقلي الجمعي فعلاً، وما هذا الشلل إلا عاملاً من عوامل العوق الإجتماعي.

وسياسة الإسلام السياسي ارتبطت وما زالت مرتبطة بالعنف والقتل والقسوة ، اي انها مرتبطة بالجريمة في معظم تصرفاتها ضمن المجتمع الذي تتواجد فيه، مع شدة وانخفاض مستوى الجريمة هذه تبعاً لشدة وانخفاض حدة هذا المرض في هذا المجتمع او ذاك. فالمجتمع الذي يتربى بناته وابناءه في تكايا وزوايا فقهاء الشياطين من منظري الإسلام السياسي وناشري خطابه على شرعنة الجريمة بحق الآخر المخالف وإباحة ابشع الطرق في القضاء عليه وإراقة دمه او، في حالة الرحمة والرأفة به، إذلاله إلى اقصى درجات الإذلال وإشعاره بالنقص والدونية، إن مجتمعاً كهذا لا يمكن وصفه بغير المجتمع المريض والمعوق الذي لا يقوى على الحياة مع مجتمعات القرن الحادي والعشرين اليوم.

واخلاق الإسلام السياسي تتميز بشكل لا نقاش فيه بالكذب والخداع والمراوغة التي لا حدود لها سواءً في تنوعها او في مجالات توظيفها داخل المجتمع الذي تحل فيه هذه العاهة. وحينما تنتشر اعراض هذه العاهة في المجتمع فإنها تخلق في الواقع اجيالاً جبانة تتصنع المذلة والطاعة والمراوغة حينما تكون في حالة الضعف ، والبأس والشدة والجريمة حينما تمتلك اسباب ووسائل هذه الجريمة، وكل تاريخ هذه العاهة يشير إلى ذلك بوضوح لا لبس فيه. عاهة الإسلام السياسي هذه خلقت من الكذب والخداع والمراوغة مبادئ دينية سمتها التقية حيناً والضرورات تبيح المحظورات حيناً آخر، كل ذلك لتجعل من المجتمع بعيداً عن التعامل مع المعطيات التي حوله بالعلم والمعرفة والتلاقح مع المجتمعات الأخرى، إذ ان مثل هذه المفاهيم لا تشكل الأجواء التي تنمو فيها وتتكاثر جرثومة الإسلام السياسي التي تنشر عاهته ومن ثم عوقه على المجتمع الذي تحل فيه.

أحزاب الإسلام السياسي تطرح المبررات التي تسميها فقهية ، تعكس شرعنتها للإحتيال من خلال تسلطها السياسي الذي تسعى إليه بكل الطرق الملتوية والكاذبة حتى إذا ما تمكنت من ذلك توغلت جراثيمها بالنهش في الجسد الإجتماعي باسم الدين او باسم الأخلاق وما هي في الواقع إلا بعيدة عن كل الأخلاق التي تدعوا لها الأديان. لذلك فإن الخراب الذي تجلبه على المجتمعات التي تتسلط عليها سياسياً هو خراب اجتماعي اخلاقي بالدرجة الأولى، إضافة إلى ما يصيب المجتمع من تدهور إقتصادي وثقافي.

وينسحب هذا الخراب الجرثومي الإسلاموي بشكل خاص على الوضع الإقتصادي الذي يتسلط عليه مجموعة من اللصوص التي لا تضع في كل حساباتها وخططها البعيدة والقريبة الأمد سوى سرقة المال العام مشرعنة بملكية المال العام للدولة التي هي ملك الجميع، وما يعنونه بالجميع طبعاً هو جميع اللصوص المتسلطين على هذا المال العام. وهنا يبرز العوق الإقتصادي للمجتمع الذي تظل طبقة لصوص الإسلام السياسي تزيده شللاً وعوقاً باسم الدين وباسم الأخلاق وياسم الشريعة وذلك كلما طال بقاء جراثيمها تنهش في جسم المجتمع الذي تحل فيه.

وجرثومة الإسلام السياسي جرثومة خبيثة تتنكر للوطن والمواطنة، إذ ان جل عملها يتركز على ما تسميه عائدية المذهب ومرجعية العقيدة التي تظل تنخر في المجتمع الذي تحل فيه حتى تحيله إلى هزال لا يقوى على شيئ ولا يستطيع التواصل مع العيش الحضاري إلا بالقدر الذي يسمح به الولي على كل التابعين مهما كانت علاقة هذا الولي بشيئ اسمه الوطن او المواطن. لذلك رأينا ونرى ان عصابات الإسلام السياسي التي عاثت في وطننا العراق انواع الجرائم وتسببت بكل الموبقات التي حلَّت بمجتمعنا تجعل من شريكها في الجريمة الأفغاني او الشيشاني اقرب لها من العراقي حتى ذاك الذي يدين بنفس الدين الذي تدين به، ناهيك عن تابعي الأديان الأخرى في الوطن الواحد. إنها جرثومة خبيثة فعلاً.

أحزاب الإسلام السياسي، حاملة جراثيم شلل المجتمعات وعوقها، فشلت في العراق فشلاً لا مثيل له في كل المجالات وجعلت من المجتمع العراقي مجتمعاً مشلولاً ومعوقاً بكل ما في هذا الشلل والعوق من معنى. أحزاب الإسلام السياسي بالعراق فشلت لأنها ، إضافة إلى عدم كفاءتها السياسية ، لا تمتلك بُعد النظر في حركة التاريخ الذي وضع أمامها التجارب التي لم تستطع إستيعابها ودراستها بشكل يمكنها من إستخلاص العبر والدروس من هذه التجارب ، ولو أنها قامت بذلك بجدية تنطلق من ثوابت العلم والمعرفة في مثل هذه الأمور، وحتى من الثوابت الدينية الحقة ، لا من أهواءها الجانحة إلى السلطة والإثراء واللصوصية ، لما وجدت غير التنحي عن الحكم كوسيلة تضمن لها الحفاظ على القليل المتبقي من ماء الوجه الذي تبدد بشكل لا تستطيع معه بذكر أي حزب من أحزاب الإسلام السياسي بين المواطنين العراقيين، إلا وارتسمت علامات الإستفهام على وجوههم حول السرقات والرشاوي والمحسوبية والتهديد والتزوير والإكراه ومحاربة الرزق والبطالة وفقدان الخدمات العامة وفرض الأتاوات والتجارة بالفتاوى الرخيصة وإشغال الوظائف بدون تأهيل وغير ذلك الكثير مما يجري بالعراق اليوم منذ أن سلط الإحتلال الأمريكي على جسده جراثيم أحزاب الإسلام السياسي ولحد يومنا هذا. وبالرغم من ذلك نسمع الأبواق الدعائية لهذه الأحزاب والتي تتغنى بالديمقراطية التي تتبجح بتبنيها في العملية السياسية والتي قد ينخدع بها البعض احياناً. وما على القوى الديمقراطية العراقية الحقة إلا ان تعمل بكل الوسائل السلمية الديمقراطية على فضح هذا التوجه وعدم السكوت عن هذه الأكاذيب التي تنشرها احزاب الإسلام السياسي في مجتمعنا .




 

 

 



 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter