|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  28  / 12 / 2016                                 د. صادق أطيمش                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مفردة "الوطن" لا مكان لها بين مصطلحات الإسلام السياسي

د. صادق أطيمش
(موقع الناس)


قرأت في جريدة " الأخبار " المغربية الصادرة بتاريخ 26.12.2016 خبراً يؤكد ما يذهب اليه اغلب المتصدين نقداً لفكر الإسلام السياسي ، واصفينه بعدم اعترافه بالوطن ، حيث يتناقض مثل هذا المصطلح مع ما يؤمنون به من مرجعية وبالتالي انقياداً اعمى لما يسمى بالدولة الإسلامية اينما كانت هذه الدولة التي يفتدونها بجهادهم حتى وإن كان هذا الجهاد ضد وطنهم الأم. هذا الفكر عبر عنه كثيرون من دعاة فكر الإسلام السياسي والنشطين في صفوفه، ليس في العراق وحسب، بل وفي مناطق مختلفة من تواجد هؤلاء الدعاة الذين كان للعراقيين منهم قسطاً وافراً من هذه الإعترافات التي اعلنوها على الملأ لأكثر من مرة ، والتي اعترف بصحتها بعض من راجعوا قناعاتهم بهذا الصدد من القياديين السابقين في احزاب الإسلام السياسي وتجمعاته المختلفة العسكرية منها والمدنية.

الخبر جاء تحت العنوان "يهودي مغربي اوصى بالتبرع بابحاثه لمؤسسة ارشيف المغرب" وتناول شخصية الفقيد والمفكراليهودي المغربي شمعون ليفي ، الشيوعي والقائد في حزب التقدم والإشتراكية ، والذي اوصى عائلته قبل رحيله "بجمع الكتب التي الفها والأعمال التي انجزها حول تاريخ اليهود في المغرب ، وجميع المستندات والوثائق التي تعزز قيم التعايش بين اتباع الديانتين الإسلامية واليهودية، والإستعداد لإهدائها بعد وفاته لمؤسسة ارشيف المغرب".

إن مبادرات كهذه ليست غريبة على مناضلين وطنيين ربطوا نضالهم بتراث الوطن وبتاريخه ومستقبله، حيث ذكرت الجريدة عنه بأن:

"ليفي ناضل من اجل استقلال المغرب منذ 1953، فضلاً عن مساره كناشط شيوعي بدأ منذ عام 1954، إلى جانب اقطاب الحركة الطلابية والحزبية والنقابية، إذ كان ليفي من مناضلي الإتحاد المغربي للشغل. وأدى الرفيق في مساره النضالي المتحرك والإستثنائي، ثمناً غالياً لتخندقه دفاعاً عن مواقفه ومواقف حزبه النضالية من اجل الحريات الديمقراطية والعدالة الإجتماعية، إذ تعرض إلى شتى صنوف القمع والمضايقات، كان اشدها تعسفاً اعتقاله خلال احداث مارس 1965 بالدار البيضاء، حيث تم التنكيل به على نحو وحشي، وعوقب بسنوات من العزل المهني، كان وقعها على نفسه اكثر قساوة من تكسير عظامه في مخافر الشرطة، وعاش في غيبوبة بمصحة السجن حتى كاد ان يلقي حتفه."

هذا المناضل الشجاع من اجل وطنه المغرب، وقف الإسلاميون موقف العداء الصارخ والرفض القاطع لتشييع جنازته بما يليق بمناضل مثله. فقد واصلت الجريدة اعلاه تقريرها عن هذا المناضل بالقول :
"دار جدل كبير حول جنازة الفقيد ليفي خاصة في ظل حضور عبد الإله بنكيران (*) رئيس الحكومة،عملية الدفن بالمقبرة اليهودية للدار البيضاء، إذ ووجه بمعارضة من "اخوانه" في العدالة والتنمية، الذين ذهبوا إلى حد تحريم دفن غير المسلم من طرف مسلمين، مستندين إلى قوله تعالى: "ولا تصلِ على احد منهم مات ابداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون" (
التوبة 81) "

لا يختلف هذا الموقف من حزب العدالة والتنمية الإسلاموي عن بقية المواقف التي تؤمن بها احزاب الإسلام السياسي والتي تتصف جميعها بعدم اعترافها بالوطن او الذين يناضلون في سبيل اوطانهم، حيث انهم يعتبرون هذه الأوطان خارجة عن مفهوم الأمة الذي لا يرونه إلا من خلال الدولة الدينية القائمة على الشريعة الإسلامية اولاً واخيراً والرافضة رفضاً قاطعاً لما يسمونه بالقوانين الوضعية.
ألإسلام السياسي، بكل فصائله ، لا يعترف بالوطن ولا بالقومية وإن هذه المصطلحات لا وجود لها في قاموسه، إذ انه يعتبرها مفاهيم تناقض شمولية الدين وتتجاوز على بنية دولته المنشودة التي لا وجود فيها إلا للإنتماء الإسلامي. وعلى هذا الأساس صاغ نظريته في حكم هذه الدولة التي جعلها دولة إلهية لا دور للبشر القاطنين على اراضيها في تقرير امورها التي يجب ان تسير حسب المشيئة ألإلهية التي يقررونها هم وليس غيرهم، ومن يجرأ على المطالبة بقوانين او انظمة حكم تتماشى والعصر الذي يعيش فيه فمصيره العقاب الذي يستحقه كل من يخرج على ارادة الله، الههم هم. ولا يختلف تيار عن آخر في فهم وتطبيق هذه التصورات، وإن اختلفوا ففي الوقت والدرجة التي تُطبق فيها هذه المنطلقات الفكرية الأساسية في معتقداتهم. وهنا يبرز شعارهم المأزوم الذي تتبناه كل فصائل الإسلام السياسي، بدون اي تمييز، والذي ينص على حاكمية الله. وفي هذا الشعار ايضاً يحاول فقهاء ومفكرو الإسلام السياسي جميعاً ان يوهموا متلقي هذا الشعار بان شعارهم هذا مستوحى من نصوص قرآنية إلهية لا مجال لتغييرها او عدم الإلتزام بها. وحينما يتحدث هؤلاء الفقهاء عن مسألة "حاكمية الله" او "لا حكم لغير الله" او ما شابه ذلك فانهم يستندون، وبدون إستثناء اي منهم، على بعض الآيات القرآنية التي تتطرق إلى مفردة "الحكم" الواردة في القرآن في مواقع مختلفة، دون ان يوضحوا المعنى الحقيقي لهذه المفردة وكيف جاءت في النص القرآني وما هو الهدف منها. وبذلك تظل الصورة الضبابية التي ينشرونها عن حاكمية الله تنعكس على قناعات ونشاطات بعض المتلقين لهذا الشعار دون ان تتبلور لهذا المتلقي اية تفسيرات او ايضاحات لما تعنيه مفردة الحكم في القرآن. ففقهاء الإسلام السياسي جميعاً يزعمون ويؤكدون ان الحكم هنا يعني الحكم السياسي الذي يجب ان يلتزم بالشريعة الإسلامية .

ويؤسس الإسلام السياسي في خطابه على هذه الفكرة في بناء الدولة الإسلامية التي يزعم تابعوه بموجبها بانهم خير مَن يصلح لقيادة المسلمين سياسياً . وفي الواقع فإن لفظ الحكم الوارد في القرآن لا يمكن فهمه وتفسيره لغوياً إلا بمعنى الحكم القضائي وليس السياسي. إنه يعني ألقضاء بين ألناس، او الفصل في الخصومات، أو ألرشد والحكمة . فهو يعني القضاء بين الناس: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }(ألنساء 4 : 58) ولم يقل إذا حكمتم الناس . وهو يعني الفصل في الخلافات: { إن ألله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون }(الزمر 39 : 3) . وهو يعني ألرشد والحكمة :{ ولما بلغ أشده آتيناه حكمآ وعلما }(يوسف 12 : 22). وجاء ايضاً على لسان موسى : { ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكمآ وجعلني من المرسلين }(ألشعراء 26 : 21). وفي القرآن عن بني إسرائيل: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكمة والنبوة }(الجاثية 45 : 16) أي وهبهم التوراة والحكمة وكان منهم انبياء . وكذلك جاء في القرآن عن ألأنبياء جميعآ : { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكمة والنبوة} (الأنعام 6 : 89) وأغلب هؤلاء الأنبياء لم يحكم ـ بالمعنى السياسي ـ وإنما المقصود بالحكم أنهم أوتوا الحكمة . إن السلطة السياسية بالمعنى الذي يسمى في العصر الحالي : الحكومة ، عبَّر عنها القرآن بلفظ ( ألامر) ومن هذا اللفظ جاء لفظ ألأمير، أي الشخص الذي يتولى الحكم والسلطة، ولذلك لقَّب الخليفة عمر بن ألخطاب نفسه، ولُقِّب الخلفاء من بعده بلقب أمير المؤمنين لا حاكمهم . وفي القرآن: { وشاورهم في ألأمر }(آل عمران 3 : 159) . { وأمرهم شورى بينهم }(الشورى 42 : 38) . وفيه { حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ألأمر }(آل عمران 3 : 152) . { يقولون هل لنا من الأمر من شيئ }(آل عمران 3 : 154).(الإستشهاد بالآيات القرآنية استناداً إلى ما جاء بكتاب "الإسلام السياسي" لمؤلفه المستشار محمد سعيد العشماوي والصادر عن مكتبة مدبولي الصغير بالقاهرة سنة 1996).

وما يقال عن الوطن والمواطنة ينعكس ايضاً على قناعات الإسلاميين برفض الديمقراطية باعتبارها بدعة جاءت بها انظمة الكفار وهي بالتالي لا تمت إلى الإسلام بصلة ، متبجحين بمفردة الشورى التي جاءت في النص القرآني وظلت بمفهومها النظري دون ان يجري تطبيقها ، إلا من باب المشورة الغير ملزمة وفي مناسبات قليلة جداً من الأربعة عشر قرن الماضية ونيف من التاريخ الإسلامي، اما كبديل عن الديمقراطية فلم تُمارَس في اية حقبة من الحقب الإسلامية ، ومن يؤمن بغير ذلك فليأتنا بمثل واحد فقط إن كان من الصادقين. وهذا يجرنا إلى موقفهم الرافض للدولة المدنية التي يعتبرونها دولة تعادي الدين حينما لا تتبناه، وكانما المطلوب من هذا التنظيم الإجتماعي (الدولة) الصوم والصلاة والحج والزكاة.

ملخص القول وما نريد الوصول إليه في هذا المجال هو اختلافنا الواضح مع فكر الإسلام السياسي الذي يرفض الإنتماء الوطني ، لا بل ويعاديه بالقوة إذا ما تطلب الأمر ذلك، في الوقت الذي يعطينا مثل المناضل الشيوعي شمعون ليفي وغيره من المناضلين في سبيل اوطانهم اينما وٌجدوا مدى التصاق هؤلاء المناضلين باوطانهم ومدى استعدادهم للتخلي عن اعز ما لديهم في سبيلها.
 


(*)
عبد الإله بنكيران هو رئيس حزب العدالة والتنمية المغربي ذو المنحى الإسلاموي الإخواني.

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter