| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. صادق أطيمش

 

 

 

 

الأربعاء 14/3/ 2007

 

 

لقوم يعقلون.......
مبدأ إسلامي يتنكر له الإسلام السياسي
2

د. صادق إطيمش

تطرقنا في الحلقة ألأولى إلى بعض الدلالت القرآنية التي أظهرت لنا بوضوح , من خلال الخصائص المكانية والزمانية , كيفية تعامل الإسلام مع هذه الخصائص والإنطلاق من منطلق العقلانية في تفهمها ومعالجتها بالشكل الذي يضمن القناعة بالدين أولآ ومن ثم إعتناقه بعد توفر هذه القناعة ثانيآ . وسنحاول في هذه الحلقة التعرف , من خلال بعض الدلالات القرآنية ألأخرى , على هذا النمط العقلاني في طرح الدين ومفاهيمه التي يراد منها أولآ وأخيرآ توجيه المجتمع بالوجهة التي تنقله من العسر إلى اليسر وليس العكس , كما نص على ذلك القرآن الكريم في مواقع عديدة منه .

3. الدلالة الثالثة تتعلق بكتابة القرآن وإشكالية النص . وهنا يجب علينا ألإقرار ببعض الحقائق التي لا يمكن التغاضي عنها حين التطرق إلى موضوع كهذا . ألأولى هي نوعية الخطاب السائد في القرن السابع الميلادي , القرن الذي نزل به القرآن الكريم على ألرسول محمد (ص). فلو تتبعنا تطور اللغة العربية تاريخيآ لوجدنا أن هذا التطور قد مرّ بمراحل تاريخية مختلفة تركت بصمات واضحة لا على المفردات المستعملة في الخطاب اللغوي فقط , بل وعلى طريقة سبك واستعمال هذه المفردات في بناء الجملة , حيث تكاثرت اللهجات وتنوع الخطاب من منطقة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل بحيث أصبح لقريش , قبيلة الرسول لهجتها الخاصة بها التي ميزتها عن لهجات قبائل اليمن مثلآ . الحقيقة الثانية هو الجدل الذي لا يزال قائمآ حتى اليوم بين الباحثين في هذا المجال والمتعلق بمقولة القراءات السبع . ولتوضيح هذه المقولة بإختصار شديد نلجأ إلى ما كتبه العلامة طه حسين حول ذلك قائلآ " ....إنما نشير إلى إختلاف آخر في القراءات يقبله العقل , ويسيغه النقل , وتقتضيه ضرورة إختلاف أللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش , فقرأته كما كانت تتكلم , فأمالت حيث لم تكن تميل قريش , ومدّت حيث لم تكن تمد , وقصرت حيث لم تكن تقصر, وسكنت حيث لم تكن تُسكن , وأدغمت او اخفت أو نقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنقل ." ( طه حسين , في ألأدب الجاهلي , الطبعة الثانية , دار المعارف , ص 95 ) فالأمر يتعلق هنا إذن بالطريقة أللغوية التي ينبغي إيصال النص القرآني بواسطتها إلى المتلقي العربي أولآ ومن خلاله بعدئذ إلى البشرية كافة التي وضعها ألإسلام ضمن ثوابته العامة . ولتحقيق هذا الغرض بالنسبة لسكان شبه الجزيرة العربية آنذاك كان من المنطقي مخاطبة القوم باللغة التي يفهمونها بغية إيصال المعلومة السماوية لهم . وبما أن عملية ألإيصال هذه لم تكن مقتصرة على قريش وحدها , لذلك تم نقل المعلومة السماوية إلى ماطق أخرى من شبه الجزيرة العربية بغية إيصال تعاليم الدين الجديد لها ودعوتها إلى الدخول فيه . وخلال فترة الوحي التي إستغرقت أكثر من عقدين من الزمن , كم أشرنا إلى ذلك أعلاه , جرت صياغة بعض النصوص التي تم إبلاغها بلهجة قريش إلى لهجات أخرى جعلت من إشكالية النص واحدة من المشاكل الكبرى التي أخذ المسلمون يشعرون بزيادة معاناتهم منها كلما تقدم بهم الزمن وكلما قلّ عدد الذين حفظوا القرآن في صدورهم من صحابة النبي (ص) . لقد إستدرك الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض) هذا ألأمر فقام بالتشاور مع من تبقى من الصحابة , وجَمَع ما توفر آنذاك مما هو مكتوب مسبقآ , وأوكل مهمة كتابة القرآن الجديد الذي سمي بمصحف عثمان بعدئذ , إلى ثلاثة , وفي مصادر أخرى إلى إثني عشر, من الثقاة ممن بقي على قيد الحياة من حفظة القرآن , بحيث يكون هذا القرآن هو القرآن الوحيد المتداول بين المسلمين . لقد أنجز هؤلاء الكتاب مهمتهم ووزع الخليفة هذا القرآن الجديد على سبعة مناطق يتمركز فيها الإسلام آنذاك وهي المدينة المنورة ومكة واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وبلاد الشام . ثم أمر الخليفة عثمان بحرق ما تبقى من المصاحف ألأخرى بالرغم من إعتراض بعض الصحابة الكبار كالصحابي الجليل عبد ألله بن مسعود لا على حرق المصاحف فقط , بل وعلى الطريقة التي سلكها الخليفة واللجنة التي عينها لإعداد القرآن الجديد . وبالرغم من وقوع ألإختيار على لهجة عربية معينة في جمع مصحف عثمان , وبالرغم من حرق ما تبقى من المصاحف الأخرى, إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور قراءات إختلفت مع قراءة مصحف عثمان , بالرغم من أنها لم تدم طويلآ إلا أنها أظهرت بوضوح أن حسم أمر الصياغة اللغوية لا يعني حسم مشكلة التنقيط التي دخلت مؤخرآ على اللغة العربية والتي سببت أيضآ خلافات في قراءة النص القرآني حتى بعد جمعه في المصحف العثماني .
إن ما نستنجه من هذا المختصر الشديد لقصة جمع القرآن هذه هي المواجهة العقلانية لمشكلة حساسة وجوهرية بالنسبة لجميع المسلمين تمخض عنها التعامل مع النص الإلاهي من منطلق بشري لم يتوان عن تقديم المصلحة الإجتماعية على التمسك بالنص الإلاهي , إذا ما قاد أو يمكن أن يقود ألإختلاف حول كتابة وقراءة هذا النص إلى تشتت المجتمع واختلافه , بل وربما واحترابه , حسب العادات والتقاليد العربية السائدة آنذاك والتي ظلت ذات تأثير واضح على المجتمع رغم رفض ألأسلام لها . إن ما تؤكده جميع الدراسات العلمية حول حرق النسخ القرآنية ألأخرى بعد إعداد مصحف عثمان هو وجود بين ما تم حرقه من النصوص القرآنية الكثيرة الموجودة آنذاك نصوصآ من البلاغ الإلاهي لحامل الرسالة السماوية , إلا أن جميع الصحابة الذين عاشوا هذه الفترة الحرجة والحساسة من التاريخ ألأسلامي لم يُكفروا عثمان بن عفان (رض) بسبب حرقه لكلام ألله , بالرغم من إختلاف بعضهم معه في ذلك . فأين ألأسلام السياسي اليوم من هذه المواقف التي تعاملت مع أقدس مقدسات المسلمين بطريقة وظفت فيها العقل قبل العاطفة وفضلت فيها المصلحة الإجتماعية العامة حتى على النص ألإلاهي .
إن ألإسلام السياسي اليوم يعكس هذه المعادلة الراشدية العقلانية تمامآ حينما يؤسس للإحتراب والإقتتال الإجتماعي والتناحر الطائفي ويؤجج الصراعات القبلية العشائرية والمناطقية لا بسبب مقدس من المقدسات , بل بسبب المصلحة ألأنانية الذاتية لهذا الإسلام الذي جعل من السياسة , التي ألبسها الجبة والعمامة والحجاب والنقاب , طريقه الوحيد للوصول بمريديه إلى قمة الهرم السياسي وإرساء قواعد حكم دكتاتورية العمائم واللحى التي رأى العالم أجمع ما حققته في أفغانستان والسودان وصوماليا وما تحققه اليوم في إيران وما يسعون لتحقيقه في العراق المثخن بجراح جرائمهم ووحشيتهم .

4. الدلالة الرابعة تتعلق بالتعامل مع القرآن الذي بأيدينا اليوم بين النظرية والتطبيق . وحينما نقول اليوم فإننا نعني بذلك مدى ألإستعداد ألآني في المجتمعات ألإسلامية للتفاعل مع معطيات العصر دون أن تعاني من فكرة الإنسلاخ عن التراث والتخلي عن المبادئ والقيم التي عاش وتربى عليها هذا المجتمع ألإسلامي أو ذاك .
يعترف النحويون وعلماء تاريخ اللغة العربية كشوقي ضيف وطه حسين وغيرهم بإن كثيرآ من قواعد اللغة العربية وُضعت في فترة متأخرة عن فترة نزول القرآن الكريم . فلقد تسبب عن إختلاط البداوة بالحضارة والعرب بغير العرب لحن كثير تداعى النحويون إلى إحتوائه والسيطرة عليه من خلال وضعهم لقواعد لغوية عامة جعلوا من الشعر الجاهلي أساسآ لها . أي أن النصوص القرآنية يجب , والحالة هذه , أن لا تُقاس بمقاسات قواعد اللغة العربية اليوم , بل بمقاسات الشعر الجاهلي الذي مَثّل فترة نزول القرآن والذي شكل الأساس النحوي لقواعد اللغة العربية بعدئذ . هذا ما يتعلق بجانب السبك اللغوي للنصوص القرآنية . إلا أن هناك جانبآ آخر لا يقل أهمية عن هذا الجانب حين التعامل مع محتوى النص القرآني , ألا وهو الجانب المتعلق بالوقت الذي تم به ألإبلاغ بهذا النص والدواعي التي دعت لذلك , أو ما يُسمى بأسباب النزول . لقد أصبح علم اسباب النزول من العلوم التي لا يستغني عن دراستها الباحثون في شؤون النص القرآني حينما يُصار إلى فهم هذا النص فهمآ علميآ مسؤولآ , لا عاطفيآ مصلحيآ , وهذا ما نحاول التطرق إليه بإيجاز لاحقآ .
ما من شك فيه أن القرآن الكريم يعكس ثقافة العصر الذي نزل فيه ويخاطب إنسان ذلك العصر باللغة التي إعتاد على فهمها في مجتمعه . أي أن القرآن لم يقفز على واقع ذلك المجتمع ويحدثه عن أشياء لا يعيها . فالنص القرآني إذن نقل فكرة إلهية إلى البشرداعيآ هؤلاء البشر إلى تأملها في مسار حياتهم ألإجتماعية . وهنا يبدأ دور ألإنسان بالتعامل مع فكرة هذا النص . ولقد أشرنا أعلاه إلى أن هذا التعامل كان أسهل على المسلم وقت وجود صاحب الرسالة واستمرار العلاقة بين ألأرض والسماء , إذ بعد وفاة النبي محمد (ص) وانقطاع هذه العلاقة أصبح التفسير والتأويل والفهم بشريآ بحتآ وهذا لا يخلو بالطبع من التبعات التي تترتب على أي عمل بشري يتحرك بين الخطأ والصواب . أي أن الفهم البشري للنص الإلهي يتحرك ضمن الواقع الثقافي والإقتصادي لهذا ألمتعامِل مع النص أو ذاك . والتعامل البشري مع النص القرآني ينعكس على جانبيين رئيسيين . أولهما الجانب التطبيقي وثاتيهما الجانب التفسيري والتأويلي . وكلا الجانبيين له علاقة مباشرة بما أشرنا إليه أعلاه باسباب النزول . فعلى مجال الجانب التطبيقي للنص القرآني نرى أن بعض النصوص التي هي من ضمن النص القرآني العام المقدس, إلا انها فقدت جانبها التطبيقي بشكل نهائي وذلك لزوال ألأسباب التي أدت إلى نزولها آنذاك . أي ان ألآيات غير المعمول بها ألآن إما لأنها نُسخت بآيات متأخرة أبطلت مفعول ما سبقها في نفس الموصوع , أو أنها لم تعد تتماشى وتطور المجتمع الذي تجاوز الجانب التطبيقي لمفهوم هذا النص . ربما سنكتفي بمثالين من الأمثلة الكثيرة في هذا المجال . أولهما القرار الذي إتخذه الخليفة الثاني عمر بن ألخطاب (رض) بإيقاف العمل بصرف حصة المؤلفة قلوبهم من الصدقات حسب منطوق الآية 60 من سورة التوبة والتي تنص على ما يلي: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ألله وابن ألسبيل فريضة من ألله والله عليم حكيم " إن السبب المباشر الذي دفع الخليفة الثاني لإيقاف العمل بهذا النص, بالرغم من أنه فرض من ألله , هو القناعة التي توفرت لديه شخصيآ بعدم وجود الحاجة لمثل هذا العطاء , حيث أن الدخول في ألإسلام في عهده قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها المنضوي الجديد تحت راية ألإسلام يخشى ما يمكن أن يسببه له دلك من المشاكل وخاصة ألإقتصادية منها , كما كان ألأمر في بداية الرسالة ألإسلامية . إن هذا الموقف من الخليفة الثاني يصب في مسار الإتجاه العقلي في تطبيق النص القرآني حسب القناعة المتوفرة أثناء التطبيق , إذ أن المهم في ألأمر ليس الإلتزام الحرفي بالنص, بل بروح النص وما يسعى إليه أولآ وأخيرآ بنقل ألإنسان إلى مرحلة أكثر صلاحآ له من المرحلة التي يعيش فيها , وهذا هو الهدف الحقيقي لكل دين مهما جرى التجاوز على تعاليمه واستغلال مفرداته لغايات بعيدة عن غاياته . وثانيهما ما يمكن إستنباطه من الجانب التطبيقي للآية 27 من سورة الحج التي تنص على " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالآ وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " وهنا يمكن أن يُطرح السؤال التالي المتعلق بتطبيق هذا النص القرآني بجواز الحج إذا ما تم بغير الوسائل التي ذكرها ألقرآن الكريم وهي السير على ألأقدام والجِمال ؟ وهنا ينبغي سلوك التوجه العقلي في فهم النص على إعتبارذِكر الجِمال هنا كواسطة نقل تُغني عن السير على ألأقدام لتأدية شعائر الحج . إذن والحالة هذه فإن أي واسطة نقل تُسهل أمر إداء فريضج الحج ولا تعسره يمكن ألأخذ بها لتأدية هذه الفريضة . وأمثلة أخرى كثيرة في هذا الشأن المتعلق بوجود النص كنص مقدس ضمن كتاب ألله , إلا أنه لم يؤخذ بمضمون هذا النص في الوقت الحاضر وذلك بسبب زوال تلك ألأسباب آنيآ , التي دعت حينذاك إلى وجوده . وهذا ما يقود إلى التفريق بين المحكم والمتشابه من ألآيات حيث تُعرَّف ألآيات المتشابهات بأنها ألآيات التي يؤمَن بها إلا أنها بقيت للتلاوة فقط .

أما ما يخص الجانب التفسيري والتأويلي للنص القرآني فذلك أمر دارت حوله سجالات ونقاشات مختلفة بين المدارس الإسلامية التي برز فيها المعتزلة كدعاة للتفسير العقلي للقرآن , أي فهم النص القرآني ليس من خلال الشكل بل من خلال المضمون . ففي الآيات المحكمات التي لا سبيل إلى تأويلها أو تفسيرها بما يخرج عن حدود الشكل التي هي عليه كآيات سورة الإخلاص مثلآ , يُصار إلى فهم مضمون النص القرآني كما يشير إليه هذا النص حرفيآ . أما الآيات التي يمكن أن تحمل أكثر من معنى واحد فيترك أمر فهمها وبالتالي تطبيق نصوصها إلى المتلقي الذي يتبع هذه المدرسة أو تلك في تعامله مع النص القرآني . ومن ألأمثلة البسيطة على ذلك التفسير الذي إختلف عليه المفسرون للمصطلح القرآني " الراسخون في العلم " الذي تفسره بعض المدارش ألإسلامية على أنه يعني العلماء من رجال الدين , في حين يفسره آخرون على أنه يعني حملة العلوم كافة , في حين يفسره إبن رشد على أنه يعني الفلاسفة . إن ألمهم في أمر التفسير والذي يصب في التوجه ألإسلامي العام هو ألأخذ بالجانب العقلاني المؤدي إلى تحقيق الفائدة العامة وحل المشاكل الإجتماعية لا تعقيدها . وعلى هذا ألأساس لا يمكن فهم النص القرآني الذي يجب أن يكون رحمة للعالمين بجعله نقمة عليهم من خلال لَي عنق النص وجعل مفرداته لا تنسجم وتوجهات العقل البشري الذي جعله الله البوصلة التي يوجه فيها ألإنسان نفسه في أمور حياته ومن ضمنها فهم النص القرآني .
إن المتتبع لتاريخ ألأديان عمومآ يستطيع أن يثبت بسهولة كيف إستطاع القائمون على هذا الدين أو ذاك في هذه الحقبة التاريخية أو تلك أن يقطعوا رقاب الناس باسم الدين, مسخرين لذلك نصوصآ دينية فسروها حسب أمزجتهم ألإعتدائية السادية التي لم تأت بها التعاليم الحقة لأي دين , هذا إذا ما نظرنا إلى الدين عمومآ كحركة إصلاحية إستوجبتها ظروف مرحلة تاريخية معينة لتحقيق نقلة نوعية في المجتمع . وعلى هذا ألأساس فإن ما يقوم به ألإسلام السياسي اليوم من قتل وذبح وتشريد واختطاف وتعذيب وتهجير وتكفير لمناوئيه ما هو إلا إمتدادآ لتاريخ أستغلال الدين لأغراض شتى غير الغرض الديني الحق , وما يجري في وطننا العراق اليوم لا يُفهم منه غير هذا التوجه الذي وظف فيه ألإسلام السياسي المفاهيم الدينية أبشع توظيف لتحقيق أهدافه السياسية .
ينحى التوجه العقلي لفهم النص الديني بوضع هذا النض على محك العقل بحيث لا يتمخض عن ذلك أي تصادم بين ألإثنين . لقد تبنى المعتزلة هذا الفهم للنص الديني حيث إعتبروا العقل هو ألأساس وليس النص , بحيث يجري تسيير النص وفق مشيئة العقل وليس العكس . لقد وضع المعتزلة هذه المبادئ في القرنين الثامن والتاسع الميلادي ضمن حركة إصلاحية عامة أُريد لها أن تشكل ألأساس العقلي للفهم الحقيقي للدين وتعاليمه التي شوهها المتسلطون على أمور الدين منذ العهد ألأموي وحتى يومنا هذا , خاصة فيما يتعلق بالسنة النبوية الشريفة التي أضاف إليها فقهاء السلاطين ما أضافوا حتى بلغ عدد ألأحاديث النبوية لبضعة سنين بعد وفاة النبي محمد (ص) مئات ألآلاف التي إعتبر المعتزلة الكثير منها لا يتناغم والعقل المؤمن بالتعاليم الدينية الحقة , مما أدى بهم إلى رفضها وعدم ألإعتماد عليها في طروحاتهم. وعلى هذا الدرب سار كذلك أولئك المصلحون العظام الذين حاولوا إخراج الدين ألإسلامي من الشرنقة التي وضعه فيها مَن أغلقوا باب الإجتهاد وعطلوا قدرة عقل ألإنسان المسلم , وبالتالي قدراته ألإبداعية ألأخرى , وجعلوا من القيود التي كبلوه بها بأحاديث فقهاء السلاطين وأئمة الولائم إنسانآ غير قادر على التعامل مع الدين , الذي جاء لتحريره من الجهل ليقوده إلى العلم الذي بدأه الإسلام نفسه بكلمة " إقرأ " فحولوا هذا العلم من خلال ألإجبار على الرضوخ لأفكارهم وحدهم والتمسك بمعتقداتهم دون سواها, إلى سلاسل حاول كسرها كل من محمد عبده وجمال الدين ألأفغاني وطه حسين وعلي عبد الرزاق وغيرهم من المسلمين المصلحين الذين طلبوا تحكيم العقل في التديُن وليس ألأهواء أو المصالح الذاتيه أوالمنافع الحزبية السياسية . إن ألدعوة إلى توطيف العقل لممارسة الدين ممارسة تنسجم والتعاليم القرآنية جاءت بها نصوص قرآنية كثيرة . فالقرآن الكريم إستخدم مصطلحات عدة للفهم العقلاني للدين , إذ تكررت في نصوصه عبارة " يتدبرون " في موقعين وعبارة " يتفكرون " في إحدى عشر موقع وعبارة " يفقهون " في ثلاثة عشر موقع وعبارة " يعقلون " في إثنين وعشرين موقع . فبأي لغة إذن يريد تجار الإسلام السياسي أن يخاطبهم القرآن كي يعقلوه ويفقهوه , ولكي يكفوا عن إبتزازه لأهدافهم الشريرة وغاياتهم الأنانية وأحزابهم السياسية ....؟؟

¤ الجزء الأول